...

كلمة الراعي نور التجلّي

أخذ السيّد بطرس ويعقوب ويوحنّا إلى جبل عالٍ، لعلّه ثابور في الجليل ولعلّه حرمون أي جبل الشيخ. هناك أظهر لهم ما لم يستطيعوا أن يدركوه حقًّا، أظهر مجده، مجدًا كان له وفيه ولكنّه كان محجوبًا، وهو قد حجبه عن قصد. لم يردْ يسوع أن يبهر البشريّة بمجده فأخفاه حتّى يتصرّف بيننا كواحد منّا، وحتّى نصل نحن إلى مجده في آخر مطافنا على الأرض.

إذا رأينا الصليب، هناك يتجلّى لنا مجده، وإذا شاهدنا القيامة ففيها يسطع مجده. قبل ذلك كان لا بدّ له من أن يحتجب، ولكنّه مع ذلك أراد أن يبيّن للتلاميذ أنّه المظهر الحقيقيّ لله، أنّه الابن الوحيد. ولهذا جاء بإيليّا وموسى من الفردوس، من راحتهما، ليكشف للبشريّة أنّ شريعة موسى قد انقرضت وأنّ اليهوديّة زالت. إذا سطع مجد المسيح فمجد موسى باهت. وإذا تجلّى نوره فنوره يهبنا أن نفهم النبوءات ممثّلة بإيليّا.

بتجلّيه لمّح يسوع للرسل أنّ النبوءة قد تمّت فيه، وأنّه هو المُرتَجى وتاليًا لسنا بحاجة إلى نبوءة، لأنّ كلّ ما قاله الأنبياء قاله هو إذ أوضح على الصليب أنّ الله محبّة وأظهر ذلك بموته.

أمّا بطرس فعندما رأى هذا المشهد الكبير قال: «حسنٌ أن نكون ههنا وإن شئتَ فلنصنعْ هنا ثلاث مظالّ واحدة لك وواحدة لموسى وواحدة لإيليّا». لم يقبل يسوع هذا العرض. رفض أن يقيموا على الجبل لأنّ جبل التجلّي كان مرحلة للموت. الموت مهمّ والأهمّ القيامة. ولهذا قال السيّد لبطرس: يا بطرس، انت لا تعلم ما تقول. لا يجوز لك أن تطلب المجد هكذا بصورة هيّنة رخيصة.

المجد لا يُعطى إلاّ للذي كان مستعدًّا للموت. المجد الذي يحكي الناس عنه ويطلبونه بعضهم من بعض، مجد رخيص. يسوع لم يأت لمثل هذا المجد. أعطى الناس مجدًا آخر، مجدًا من إيمانهم ومن محبّتهم للآب. أعطاهم مجدًا محجوبًا.

الكبار الأكابر، المحظيّون عند ربّهم، الوجهاء في الملكوت، هؤلاء لا يعرفون أحدًا وليست لهم قصور ولا يظهرون ولا يتكلّم الناس عليهم هؤلاء أصحاب المجد الحقيقيّ. الفقراء أصحاب المجد، المُضطَهدون أصحاب المجد، الجهّال الذين لا يقرأون ولا يكتبون إذا كانوا للمسيح فهم المُمَجّدون. وأمّا الذين يدّعون الثقافة، الذين ليس لهم إلاّ الانتفاخ فهؤلاء لا يرثون مجد الملكوت. الذكيّ لا يصعد إلى السماء لكونه ذكيًّا ولكن لكونه متواضعًا وعفيفًا ومحبًّا للسيّد ومحبًّا للفقراء.

قال يسوع لبطرس: أنا سأعطيك مجدًا من فوق الخشبة، بالدم، بالموت المرتضى، بموت الشهادة. من كان للمسيح حقًّا يموت شهيدًا كما مات بطرس، يُضرَب ولا يضرب أحدًا، يُذَلّ ولا يَذِلّ أحدًا. المسيح يسوع لم يدّع، لم يتظاهر بالمجد. ماتَ بموت قَبِله بالطاعة للآب.

الله يريد أن يتجلّى في حياتنا، أن يصبح وجه كلّ إنسان لامعًا كالشمس، أن يصبح المسيح مرسومًا على وجوهنا، على وجه كلّ واحد منّا لأنّه يحيا بموجب الإنجيل ويصير مسيحًا.

جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

 

الرسالة: ٢بطرس ١: ١٠-١٩

يا إخوة، اجتهدوا أن تجعلوا دعوتكم وانتخابكم ثابتين فإنّكم إذا فعلتم ذلك لا تزلّون أبدًا. وهكذا تُمنَحون بسخاء أن تدخلوا ملكوت ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح الأبديّ. لذلك لا أهمل تذكيركم دائمًا بهذه الأمور وإن كنتم عالمين بها وراسخين في الحقّ الحاضر. وأرى من الحقّ أنّي، ما دمت في هذا المسكن، أُنهضكم بالتذكير. فإنّي أعلم أنّ خلع مسكني قريب كما أعلن لي ربّنا يسوع المسيح. وسأجتهد أن يكون لي بعد خروجي تذكّر هذه الأمور كلّ حين لأنّا لم نتّبع خرافات مصنّعة إذ أعلمناكم قوّة ربّنا يسوع المسيح ومجيئه بل كنّا معاينين جلاله لأنّه أخذ من الله الآب الكرامة والمجد إذ جاءه من المجد الفخيم صوتٌ يقول هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت. وقد سمعنا نحن هذا الصوت آتيًا من السماء حين كنّا معه في الجبل المقدّس. وعندنا أثبت من ذلك وهو كلام الأنبياء الذي تُحسنون إذا أصغيتم إليه كأنّه مصباح يضيء في مكان مظلم إلى أن ينفجر النهار ويشرق كوكب الصبح في قلوبكم.

 

الإنجيل: متّى ١٧: ١-٩

في ذلك الزمان أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنّا أخاه فأصعدهم إلى جبل عالٍ على انفراد وتجلّى قدّامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وإذا موسى وإيليّا تراءيا لهم يخاطبانه. فأجاب بطرس وقال ليسوع: يا ربّ حسنٌ أن نكون ههنا وإن شئتَ فلنصنعْ هنا ثلاث مظالّ واحدة لك وواحدة لموسى وواحدة لإيليّا. وفيما هو يتكلّم إذا سحابة نيّرة قد ظلّلتهم وصوت من السحابة يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت فله اسمعوا. فلمّا سمع التلاميذ سقطوا على أوجُههم وخافوا جدًّا. فدنا يسوع إليهم ولمسهم قائلاً: قوموا، لا تخافوا. فرفعوا أعينهم فلم يرَوا أحدًا إلاّ يسوع وحده. وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلاً: لا تُعلموا أحدًا بالرؤيا حتّى يقوم ابن البشر من بين الأموات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كلمة الراعي

نور التجلّي