...

في انتظار موعد آخر!

يضحكون! إن طُلب منهم أن يبصقوا، ثلاثًا، على الشيطان في سرّ المعموديّة، ترى معظم الذين دعوا إلى أن يشاركوا في الخدمة يُطلقون ضحكاتٍ سريعة! هل هي مطايبة؟!

هذه مقدّمة عجلة تبدو، ظاهريًّا، قد سُطّرت سهوًا في افتتاح مقال موضوعه آخر!

أن تلوم قومًا، يخُصّونك في الجماعة الكنسيّة، على أمر تراهم لا يفهمونه قليلاً أو كثيرًا، لهو أن تلوم نفسَكَ أوّلاً، إن كنت، مسؤولاً عن وضوح الكلمة، لم تعتنِ بتوزيع معانيها في مطلاّتها كافّة. ولكنّك أسير ضيق وقتهم. مثلاً، ألم تعرف مَن تغيظه مدّة هذه الخدمة أو تلك؟ ألم يطلب واحد منك، فيما كان يصوّر دائرةً بكفّ يده اليمنى، أن تسرع في الخدمة التي تقيمها، ثمّ دنا منك موضحًا: “اختصر ما استطعت”. ألم يقل لك سواه، مرّةً، قَبْلَ الخدمة بجدّيّة: “اسكب عليه (ابنِهِ) ماء، وانتهِ”؟ وألم يصدمك أنّ أحدًا آخر كرّرها هي ذاتها عليك، أحدًا آخر، وسواه، وسواهم، كما لو أنّهم خُلقوا ذوي فم واحد!

ألا تكفيك هذه الأمثلة، لتعلم أنّك أسير ضيق وقت الآخرين؟ فوقتُهم لا يسمح بأن تؤدّى الخدمة كاملة، أو أن تفكّر في بعض دقائق، لا تعتبرها إضافة، لتخبرهم فيها بما تتصوّر أنّ عليهم أن يعرفوه! أنّى لك أن تعتقد أنّ الناس يهمّهم أن يزدادوا فهمًا في أمور الحقّ؟ أن تُسرع في الخدمة، أن تُماشيهم في طلباتهم ورغباتهم، هذا كلّ ما يهمّهم، أو، إن خفّفتها، هذا كلّ ما يهمّ عددًا لا بأس به منهم!

ثمّ إن كان وقتهم لا يسمح لهم بشيء، أو إنّك لم تغتصب فرصةً لتشرح لهم بعضًا من جوانب خدمة كنسيّة، لا يحقّ لك أن تنتظر بصيص فهم من أحد، أو أن تعترض، إن في نفسك أو علنًا، على ما تُلاحظه من شيوع الجهل، ولو في أمور تُعتبر عاديّة! مثلاً، لا يحقّ لك أن تسأل نفسك: ما بالهم يقعدون في هذا الوقت؟ وإيّاك أن تطلب من أحد قاعد أن يقف في وقت تعلم أنّ عليه أن يقف فيه (صلاة التقديس، التغطيس، مسحة الميرون، قراءة الإنجيل…). اتركه على راحته. أليس هو في بيته؟ لا تسأل: “هل حتّى “لننتصب بحكمة”، عادت تحتاج إلى تفسير؟”! هذا سؤال، إن طرأ على بالك وأخرجته من بطنك، فقد يهينك واحد من الحاضرين أو ربّما أكثر! فما لك وللأسئلة! أنت هنا، لتؤدّي دورك فقط. وإن رأيت، في أوان الصلاة، سيّدةً تقعد واضعةً رجْلاً فوق أخرى، لا تومئ إليها بيدك أو بحاجبك ما يعني أن تعتدل في قعدتها، ولا تبعث لها أحدًا، من مساعديك، يذكّرها بأنّها في خدمة إلهيّة، في سرّ، في صلاة، في حضرة الله الحيّ. هذا نتائجه وخيمة. إن أردت أن تحاول، فأنت حرّ. لا أحد يمنعك. حاول، وانتظر أن يصل إليك بدلاً من إيماءتك إيماءةٌ أخرى، وردًّا على مبعوثك إجابةٌ أنّك لا تفهم أكثر من سواك، وأنّه لا يحقّ لك أن تحدّ التهذيب أو عدمه في قعدة، أي أنّ ما فعلته كان عليك أن تتجنّب فعله. أنت تريد أن تُعلِّم، فتُعلَّم!

حتّى إن سمعتهم يتكلّمون ويضجّون، لا تحاول أن توقف الخدمة بانتظار أن يفهموا، فيصمُتوا. لا تحاول أن تُوقفها، وحاذر من أن تطلب الصمت علنًا. هذا ضدّ فرحهم بعضهم ببعض. هل سمعت بمناسبة مفرحة مرّت من دون كلام وضجيج؟ لا تبدو كما لو أنّك تنتمي إلى كوكب آخر. كلام، ضجّة، تحمّلهما، واشكر لربّك أنّهم، في مناسبة مفرحة، يكتفون بما يفعلونه. ألا يستدعي هذا شكرًا واجبًا؟ اشكر أنّك لم تختبر ما اختبره آخر، خادم آخر، ذاك الذي أخبرك، مرّةً، أنّه، بعد أن أخرج طفلاً من جرن المعموديّة، هجم عليه جَدّه، وأخذ حفيده من يده، وبدأ يرقص فيه على إيقاع زغردات جَدّته! كلام! ضجيج! ما أحلاهما أمام هذا الخبر! كلام، ضجيج، أو رقص وزغردة في خدمةٍ لم تنتهِ، ماذا تراك تفضّل؟

أمّا إن رأيتهم بعد الخدمة، يصرفون خمس دقائق، عَشرًا، عشرين، ثلاثين في الحكي والضحك وأخذ الصور…، فإيّاك أن تسترجع في ذهنك أنّ وقتهم كان لهم، فتبدي آسفًا على أنّك لم تتكلّم على بعض معاني الخدمة. افرح معهم، واكتفِ. فهذا من ضمن برنامجهم. وأنت ليس مطلوبًا منك أن تفعل أكثر ممّا فعلته. ما فعلته، هو المطلوب وأكثر! وإن علمت أنّهم تواعدوا على أن يتغدّوا معًا (أي أنّ يومهم لهم)، فاصمت أيضًا، وهنّئهم، واذهب إلى أمورك. وفي ذهابك، لا تعذّب نفسك بذكر أيّ شيء. لا تذكر إن كانوا تأخّروا عن الخدمة مثلاً. فمعظم الناس يتأخّرون عن مواعيدهم. انسَ!لكن، إن أردت، فذكّر نفسك بأنّ مَن تخدمهم حقّهم أن يمتلكوك. فمنذ أن اتّصلوا بك ليتّفقوا معك على الخدمة، وبعد أن سجّلت موعدها على مفكّرتك، وفي أوانها، أنت بتّ محجوزًا. هم حجزوك. هم يمتلكون الخدمةَ، ووقتَكَ، وكُلَّكَ. إن لم تغدُ هذه قناعةً فيك راسخة، فستقضي عمرك متألّمًا. هذا، كُرمى لسلامتك، ينبغي لك أن تتعلّمه سريعًا.

انتهيت؟ اضحك، إذًا. لِمَ أنت حزين؟ ألم تسمعهم يضحكون في الخدمة (كما لو أنّ بعض عباراتها مطايبات) وبعد الخدمة؟ ألا يعني لك أنّهم فرحون؟ ألا يمكن أن تكون أَفرحْتَهم؟ هيّا، تخَلّص من حُزنك الآن؟ أنّى لك، إن لم تتخلّص منه، أن تخدم الفرح؟ أنّى لك أن تكون رسولاً لإله الفرح في الأرض؟ ماذا جرى لك؟ لِمَ تبدو كما لو أنّك آخر؟ هل يُقلقك أنّ ثمّة معموديّةً أخرى تنتظرك بعد أيّام؟ لا تقلق. ارجُ. ليس الناس جميعًا من صنف واحد. ألم يحدث معك أن تكون قد خدمت أناسًا ندّوا قلبك بوعيهم؟ إن كان حدث، فهذا يجب أن يعزّز رجاءك أنّ هناك، ضمن أهلك، مَن يستخفّون بالشيطان وجهًا بوجه!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في انتظار موعد آخر!