...

المجيء الثاني

“وأيضًا يأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات الذي لا فناء لملكه” (دستور الإيمان). هذه العبارة توجز الإيمان المسيحيّ بمجيء الربّ يسوع الثاني، هو الحاضر الدائم في كنيسته التي لم يغب عنها لحظة واحدة، أي عودته في نهاية الدهر الحاضر واعتلان الملكوت السماويّ. وتحيا الكنيسة، جماعة المؤمنين، بانتظار هذه العودة التي ستؤسّس لعالم جديد حدّثنا عنه الأنبياء العهد القديم، والرسل في العهد الجديد الذين نقلوا إلينا كلام الربّ يسوع. ويغلب الأسلوب الرؤيويّ واللغة الرمزيّة والروحيّة على مضمون الحديث عن كيفيّة هذه العودة والعلامات التي تسبقها وتمهّد لها، مع التحذير من سوء التفسير الحرفيّ.

حدّثنا الربّ يسوع عن مجيئه الثاني قائلاً: “ويُرى ابن الإنسان آتيًا على غمام السماء في تمام العزّة والجلال. ويرسل ملائكته ومعهم البوق الكبير، فيجمعون الذين اختارهم من جهات الرياح الأربع، من أطراف السموات إلى أطرافها الأخرى” (متّى 24: 30-31). أمّا بالنسبة إلى التوقيت، فما من أحد يعلم ذلك اليوم ولا ملائكة السموات، ولا ابن الإنسان، إلاّ “الآب وحده” (متّى 24: 36). لذلك يقول الربّ يسوع لنا: “فاسهروا، إذًا، لأنّكم لا تعلمون في أيّ ساعة يأتي الربّ”، ويتابع كلامه مشبّهًا زمن مجيئه بمجيء السارق الذي ياتي من دون موعد: “يوم الربّ سيأتي كما يأتي السارق في الليل، فاسهروا كي لا تفاجأوا” (متّى 24: 42-44).

يدعونا الربّ يسوع إلى اعتماد السهر نهجًا نسلكه في انتظار مجيئه المجيد. والمقصود بالسهر، هنا، هو الاستعداد الدائم لاستقبال الربّ لأنّنا لا ندري في أيّ ساعة سيحضر. في مثل العشر العذارى الإنجيليّ، الخمس العـذارى العـاقـلات “سهـرن” لأنّهـنّ كـنّ يقـظات،

واحتفظن بزيت لمصابيحهنّ في ىنية، وهذا يعني “عمل الروح القدس في حياتهنّ”. فالسهر الذي ينصحنا به الربّ يسوع هو السلاح الأقوى في الجهاد الروحيّ لنيل الخلاص، وهو يماثل سهر الحارس المتيقّظ إلى أقلّ إشارة تدلّ على حضور العدو، أي الخطيئة. من هنا، يقول القدّيس بولس الرسول: “صلّوا بلا انقطاع” (1تسالونيكي 5: 17)، وفي هذا القول شكل من أشكال السهر العديدة المطلوبة من المؤمنين.

يكشف الربّ يسوع بعض تباشير مجيئه الثاني، وذلك ردًّا على سؤال تلاميذه: “قل لنا متى تكون هذه الأمور وما علامة مجيئك ونهاية العالم؟” (متّى 24: 3). يرفض المسيح أن يعيّن لهم الموعد، لكنّه يحدّثهم عن علامات ليست غايتها سوى التأكيد على أنّ “مجيء الربّ قريبٌ”. وهي علامات تتكرّر عبر التاريخ، حتّى في كلّ جيل من الأجيال تقريبًا. فعلى سبيل المثال، يحذّرنا الربّ من الأنبياء الكذبة ومن المسحاء الدجّالين، فيقول: “إيّاكم أن يضلّكم أحد فسوف يأتي كثير من الناس منتحلين اسمي، يقولون: أنا هو المسيح، قد حان الوقت، وسيضلّون أناسًا كثيرين؛ فلا تتبعوهم” (متّى 24: 5). والتاريخ عرف مسحاء كذبة، وسيعرف سواهم، وفي ذلك تأكيد على عدم استطاعة أحد من المخلوقات على تحديد الزمن الذي سيأتي فيه الربّ.

وتتعدّد العلامات، وكلّها حاضرة في كلّ مكان وفي كلّ زمن: “ستسمعون بالحروب وبإشاعات عن الحروب؛ فإيّاكم أن تفزعوا، فلا بدّ من حدوثها ولكن لا تكون النهاية عندئذ. فستقوم أمّة على أمّة، ومملكة على مملكة، وتحدث مجاعات وزلازل في أماكن كثيرة، وهذا كلّه بدء المخاض” (متّى 24: 6-8). هذا بدء المخاض الذي لا يمكن أحدًا أن يعرف متى سينتهي. لذلك، يحذرّنا الربّ من التكهّن بساعة المجيء، ويدعونا إلى التنبّه والاتّعاظ بما يجري من حروب وكوارث بأنّ ذلك سينتهي عاجلاً أم آجلاً يوم يأتي ثانيةً.

كما تحقّق في الشهداء منذ العصور الأولى إلى يومنا الحاضر، وسيتحقّق أيضًا وأيضًا إلى انقضاء الزمان، الكلام الذي قاله الربّ يسوع: “وستُسلّمون إلى الضيق وتُقتلون؛ وتكونون مبغَضين من جميع الأمم من أجـل اسمـي” (متـّى 23: 9-10)، “وسيسلـّمكـم الـوالدون والإخوة والأقارب والأصدقاء أنفسهم، ويميتون أناسًا منكم، ويُبغضكم جميع الناس من أجل اسمي” (لوقا 21: 14-19). لقد أعطى الشهداء القدّيسون حياتهم في سبيل الكنيسة والإيمان، وذلك في عصور الاضطهادات القديمة، كما في عصرنا الحاضر في بلدان اعتنقت المسيحيّة منذ نشأتها. وتجد الكنيسة نفسها تواجه الوثنيّة الجديدة التي تنتشر تحت أشكال وحشيّة متعدّدة.

ويحذّرنا الربّ من تنامي الإثم: “يزداد الإثم، فتفتر المحبّة في الناس” (متّى 24: 12). ويستعيد القدّيس بولس في رسالته الثانية إلى تيموثاوس كلام الربّ عن تفاقم الإثم في العالم، فيقول: “واعلمْ أنّه ستأتي في الأيّام أزمنة عسيرة يكون الناس فيها محبّين لأنفسهم وللمال، صلفين متكبّرين شتّامين، عاصين لوالديهم ناكري الجميل فجّارًا، لا ودّ لهم ولا وفاء، نمّامين مفرطين شرسين أعداء الصلاح، خوّانين متهوّرين. أعمتهم الكبرياء، محبّين للذّة أكثر منهم لله، يُظهرون التقوى ولكنّهم ينكرون قوّتها. فأعرضْ عن أولئك الناس” (3: 1-5).

قد يجيء الربّ قبل أن تصلكم هذه النشرة من “رعيّتي”، وقد تقرأون آلاف النشرات من “رعيّتي” على مدى آلاف الأسابيع الآتية، قبل أن يجيء الربّ. قد يأتي الربّ في جيلنا هذا، وقد لا يأتي قبل عبور آلاف الأجيال. ما يطلبه منّا الربّ أن نكون حاضرين في كلّ لحظة من حياتنا لمجيئه الثاني المجيد. فاسهروا وصلّوا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجيء الثاني