...

كلمة الراعي من شاطئ الشهادة الخارجيّة إلى عمق الاستشهاد الداخليّ

لحق بيسوع أعميان من دون أن يرياه، لكنّهما كانا يصرخان في إثره طالبَين إليه أن يرحمهما. هذان استطاعا أن يعبّرا عن إيمانهما فشفاهما يسوع. إلّا أنّ يسوع أمرهما بألّا يقولا لأحد شيئًا، علمًا أنّه كان يستحيل عليهما أن يوجدا في أيّ مكان من دون أن ينفضح أمر شفائهما. ربط يسوع لسانَيهما عن البوح بشأنه. لربّما كان ينظر إلى أعماقهما، وأراد أن تنحفر أكثر في قلبهما خبرة لقائهما به، فلا تبقى على مستوى الإعلام والاحتفال الخارجيّ ولو بداعي التعبير عن فرحهما باستعادة نظرهما. لربّما كان يدعوهما إلى الانطلاق إلى أبعد من خبرة استعادة النظر أو اختبار قدرته في هذا المضمار، أي أن ينطلقا في سبيل أن يعمّقا إيمانهما به، لينطلقا بالحريّ إليه (في حركة داخليّة منهما)، وليس إلى سواه (في حركة خارجيّة إليهم).

وهناك مجنون أخرس ما استطاع أن يعبّر عن إيمانه. كيف له أن يفعل وهو أخرس، ومن أين له القدرة على ذلك والشيطان عقد لسانه بطريقة غير منظورة؟ هذا قدّموه إلى يسوع فأخرج الشيطانَ منه. ذهب يسوع إلى العمق ولم يكتفِ بظاهر الأمر، فعالج العلّة الحقيقيّة الكامنة وراء اعتلال الأخرس. وساعدنا بذلك على أن نسير معه ومع الأعميَين السابقَين إلى رؤية الخدر الحقيقيّ الذي فيه يتّكئ المسيح إن شئنا أن نستقبله في هذا المكان.

صدى هذه الحادثة وغيرها مـمّا سبقها نجده على أفواه الجموع الشاهدة لمجرى الأحداث: «لم يظهرْ قطّ مثل هذا في إسرائيل» (متّى ٩: ٣٣). كان تعبيرًا واضحًا وصريحًا، وإقرارًا واعترافًا صادقًا وعفويًّا، بقدرة يسوع وتمايزه عن كلّ الذين سبقوه في العهد القديم إلى درجة الانتقال إلى واقع جديد بالكلّيّة. ما

صدر عن الجموع هنا تعبير عمّا هزّ وعي الشعب بالعمق، عساه يكون فاتحة لهزّ القلوب وقيادتها إلى مراعي الإيمان بالمسيح، الماسيّا المنتظَر، وبالبشارة التي يكرز بها من أجل خلاص البشر.

على صعيد آخر، يصارحنا الإنجيل بأنّ هناك مَن يترصّد يسوع ويكنّ له إمارات السوء إلى أقصى درجة ممكنة. هناك مَن يقصد تخريب عمله وإلقاء ظلال الشكّ على شخصه، على نيّاته الحقيقيّة، على مصدر قوّته التي ما عادت خافية على أحد. هكذا عمد الفرّيسيّون إلى خنق صوت الجموع في مهده، بتشكيكهم بيسوع بما وصل إلى حدّ التجديف: «برئيس الشياطين يُخرج الشياطين» (متّى ٩: ٣٤). عمدوا إلى الكذب والتضليل بأقصى ما أوتوا من حجّة: لا يُخرج يسوعُ الشيطانَ بقدرة الله بل بقدرة الشيطان، فهو واحد منهم! لم يلصِق الشيطانُ نفسه تهمة كهذه بيسوع ليدمغه بها! هذا فعله الإنسان، فجنى على نفسه وعلى أخيه الباحث عن الخلاص، وذلك بلجوئه إلى الكفر والتجديف، بالكذب والتضليل، بالافتراء وتشويه الحقّ!

نعم، معركة استعادة كرامة الإنسان الحقيقيّة ليست سهلة على الإطلاق، لا بسبب الشيطان فحسب، بل بسبب منّا على الأكثر. هذا ظهر جليًّا في حياة يسوع ثمّ في حياة الكنيسة الرسوليّة، أي كنيستنا عبر العصور والأجيال. يخبرنا الإنجيل أنّ يسوع لم يتوقّف عند محاولة الفرّيسيّين إلقاء ظلال الشكّ على عمله ومساعيهم في أن ينزعوا من قلب الشعب بذور الاندهاش والإيمان الذي قد ينمو فيه. استمرّ يسوع في عمل الكرازة والرحمة والانحناء على آلام الإنسان الظاهرة والخفيّة، المعروفة منه والخفيّة عليه: «وكان يسوع يطوف المدن كلّها والقرى يعلّم في مجامعها ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كلّ مرض وكلّ ضعف في الشعب» (متّى ٩: ٣٥).

لقد أعطى يسوع إكمال هذه المهمّة إلى الكنيسة، وهي سائرة في الظروف ذاتها التي سار يسوع فيها في معركة استعادة كرامة الإنسان الحقيقيّة: أن يرى يسوع، أن يؤمن به، أن يعمل بوصيّته، أن يدحر الشيطان، أن يكون في خدمة تدبير الله من أجل خلاص البشر. هذه سلسلة مترابطة لا تنفكّ عراها، فينتقل المرء من حلقة إلى أخرى بشكل طبيعيّ، وتستبان عبرها معالم الملكوت في القلب الداخليّ من جهة، وفي الجماعة المؤمنة والشاهدة والخادمة، من جهة أخرى.

هذا كلّه ينقلنا من شاطئ الشهادة الخارجيّة على أنواعها (الاحتفال) إلى عمق الاستشهاد الداخليّ (الاحتمال)، حتّى نجد اللؤلؤة الثمينة وتكون لنا إلى الأبد (متّى ١٣: ٤٦). هلّا أدّينا هذه الخدمة بفرح رغم صعوباتها، ومضينا بها رغم كلّ تجنٍّ، وتعمّقنا بسرّها في سرّنا، وأحببنا أخينا على قدر الطاقة، ومجّدْنا الله في قلوبنا، واستشهدنا في شهادتنا؟ فالغلبة الحقيقيّة فينا إنّما هي لإرادة الله من نحونا، كما الرسول: «فالله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرّة» (فيليبّي ٢: ١٣)! هلّا فرحنا بهذه اللؤلؤة!

+ سلوان متروبوليت جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

 

الرسالة: رومية ١٥: ١-٧

يا إخوة، يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل وَهَن الضعفاء ولا نُرضِيَ أنفسنا. فليُرضِ كلُّ واحد منا قريبه للخير لأجل البنيان، فإنَّ المسيح لم يُرضِ نفسَهُ، ولكن كما كُتِب: تعييرات معيّريك وقعَت عليَّ، لأن كلَّ ما كُتب من قبلُ انّما كُتب لتعليمنا ليكون لنا الرجاء بالصبر وبتعزية الكتب. وليُعطكم إله الصبر والتعزية أن تكونوا متَّفقي الآراء فيما بينكم بحسب المسيح يسوع، حتى إنكم بنفس واحدة وفم واحد تمجّدون الله أبا ربّنا يسوع المسيح. من أجل ذلك فليتّخذ بعضكم بعضًا كما اتخذكم المسيح لمجد الله.

 

الانجيل: متى ٩: ٢٧-٣٥

في ذلك الزمان، فيما يسوع مجتازٌ، تبعه أعميان يصيحان ويقولان: ارحمنا يا ابن داود. فلمّا دخل البيت دنا اليه الأعميان، فقال لهما يسوع: هل تؤمنان أني أقدر أن أفعل ذلك؟ فقالا له: نعم يا رب. حينئذ لمس أعينهما قائلاً كإيمانِكُما فليكُن لَكُما. فانفتحت أعينُهما. فانتهَرَهما يسوعُ قائلاً: انظرا، لا يَعلَم أحدٌ. فلمّا

خرجا شهراه في تلك الأرض كلّها. وبعد خروجهما قدّموا اليه أخرس به شيطان. فلمّا أُخرج الشيطان تكلّم الأخرس. فتعجّب الجموع قائلين: لم يظهر قطٌّ مِثلُ هذا في اسرائيل. اما الفريسيون فقالوا: إنه برئيس الشياطين يُخرج الشياطين. وكان يسوع يطوف المدن كلّها والقرى، يعلّم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كلّ مرض وكلّ ضعف في الشعب.

 

Raiati Archives

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كلمة الراعي

من شاطئ الشهادة الخارجيّة إلى عمق الاستشهاد الداخليّ