عندنا في إنجيل اليوم إنسان مديون لرجل غني، عليه ان يدفع له عشرة آلاف وزنة. الرجل الغني، الدائن، يمثّل الله
وعلاقتنا بالربّ علاقة دَين لأنه هو المعطي واليه المُنته ولعلّ لفظة الدَين مشتقة من الدين، فيكون الدَين بهذه الحال
صُدورا من الله ورجوعًا اليه.
ويقارن الإنجيلي متى الدَين العظيم الذي تسامح الله به ولم يُلحّ عليه، يقارنه بدَين صغير لرجل عليه فقط مئة دينار. وجاء
الدائن وحاول أن يخنقه. يدعونا الإنجيل الى أن نتخلّق بأخلاق الله وألا نحاسب الناس.
استهلّ الإنجيلي المَثَل بقوله: "يُشبهُ ملكوتُ الله انسانا". ملكوت الله هو هذا الوضع الروحيّ الذي نحن فيه والذي ليس فيه
محاسبة بيننا وبين البشر، ولكننا نعتبر انهم جميعا أبناء الله وان العلاقة في ما بينهم هي علاقة غفران وسماحة وعطاء
بحيث لا نعامل الناس كما يعاملوننا. ولو عاملونا بالسوء، نعاملهم بالأخلاق الإلهية التي اقتبسناها من الاقتداء بالمسيح.
ما يسوؤُني ويجرحني في الأوساط المسيحية أن الناس يتحدثون عن المحبة على انها ميزة للدين المسيحي، ولكنهم لا
يريدونها لأنفسهم. يُجمّلون الدين المسيحي بما أتى به، ولا يجمّلون نفوسهم بهذه المحبة. ألم تسمعوا الناس يقولون المحبة
جميلة ولكنها غير ممكنة، ونحن من لحم ودم فكيف نحبّ أعداءنا؟ وكيف نغفر لهم؟ وكأن المسيحيين يندمون على انهم لم
يظلّوا يهودًا. اذا حلّلتم الكلام تحليلا صحيحا الآن فكأنهم يندمون على "العين بالعين والسنّ بالسنّ"، يندمون على فوات
هذا الناموس وكأنه الناموس الذي يجب ان يُطبّق في الدنيا. واما الناموس المسيحي فيتغنّون به تغنيا، هذا اذا لم يرفضوه،
وفي كل حال يرفضون تطبيقه في حياتهم.
المسيحي لا يؤمن بالمحبة ناموسًا يُعاش. اذا كان المسيح إلها كما نؤمن، فكلامه حق وكلامه يُنَفّذ، وإلا فكان من الأولى به
ألا يأتي وألا يتكلّم. يقول الناس: هكذا يصنع الغير. هذا شأن الغير. ماذا أصنع أنا؟ أنا أصنع ما في ناموسي، لأن ناموسي
إلهي ولأني أريد أن أكون إلهيا. وإن لم أكن كذلك، فديانتي للتغنّي فقط وهي ديانة مغلوطة. ولكن اذا كانت لتُعاش،
فعيشوها.
ولكن كيف تُعاش؟ كيف تعاش ونحن لا نصلّي؟ كيف تُعاش ونحن لا نناجي المسيح؟ كيف تُعاش وهي مجرّد مراسم
ومواسم وليست حياة دائمة تعيش في القلوب؟ سأقول لكم كيف تعاش: لا تخافوا ممن يقتل الجسد بل خافوا ممن يستطيع
ان يثير البغض في قلوبكم. فإذا دخل الحقد الى نفسك فأنت في الجحيم منذ الآن.
لا ينبغي ان نكون فلاسفة لنعرف ان كل أنظمة الدنيا محاولات، أن العائلة محاولة، محاولة حب، وأن الدولة محاولة
تنظيم، كل شيء في الدنيا محاولة. طبعا لا بد من المحاولة، لا بد من تبديد الشر على قدر الإمكان بضبطه…
يبقى الله وحده، مصدر الحياة التي لا تغرب، لأن من كان مع الله ليس في محاولة، هو واصل، والواصلون يحبّون، واذا
أحبوا فالعالم كله في خلاص.
جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)
الرسالة: ١كورنثوس 9: 2-12
يا إخوة إنّ ختم رسالتي هو أنتم في الرب، وهذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني. ألعلّنا لا سلطان لنا أن نأكل
ونشرب، ألعلّنا لا سلطان لنا أن نجول بامرأةٍ أختٍ كسائر الرسل وإخوة الرب وصفا؟ أَم أنا وبرنابا وحدنا لا سلطان لنا
أن لا نشتغل؟ من يتجنّد قط والنفقة على نفسه؟ من يغرس كرما ولا يأكل من ثمره؟ أو من يرعى قطيعا ولا يأكل من لبن
القطيع؟ ألعلّي أتكلّم بهذا بحسب البشريّة أَم ليس الناموس ايضا يقول هذا؟ فإنه قد كُتب في ناموس موسى: لا تكُمّ ثورًا
دارسا. ألعلّ الله تهمّّه الثيران، أو قال ذلك من أجلنا لا محالة؟ بل إنّما كُتب من أجلنا. لأنّه ينبغي للحارث أن يحرث على
الرجاء وللدارس على الرجاء أن يكون شريكا في الرجاء. إنْ كنّا نحن قد زرعنا لكم الروحيّات أفيكون عظيمًا أن نحصد
منكم الجسديّات؟ إن كان آخرون يشتركون في السلطان عليكم أفلسنا نحن أَولى؟ لكنّا لم نستعملْ هذا السلطان بل نحتمل
كلّ شيء لئلّا نُسبّب تعويقا ما لبشارة المسيح.
الإنجيل: متى 18: 23-35
قال الرب هذا المثل: يشبه ملكوت السماوات إنسانا ملكًا أراد أن يحاسب عبيده. فلمّا بدأ بالمحاسبة أُحضر اليه واحد عليه
عشرة آلاف وزنة، واذ لم يكن له ما يُوفي، أَمَرَ سيّدُه أن يُباع هو وامرأته وأولاده وكل ما له ويوفى عنه. فخرّ ذلك العبد
ساجدًا له قائلًا: تمهّل عليّ فأُوفيك كلّ ما لك. فرقّ سيّد ذلك العبد وأَطلقه وترك له الدّين. وبعدما خرج ذلك العبد وجد
عبدا من رفقائه مديونا له بمئة دينار فأمسكه وأخذ يخنقه قائلًا: أَوفني ما لي عليك. فخرّ ذلك العبد على قدميه وطلب اليه
قائلًا: تمهّل عليّ فأوفيك كلّ ما لك، فأبى ومضى وطرحه في السجن حتى يوفي الدين. فلما رأى رفقاؤه ما كان حزنوا
جدا وجاؤوا فأعلموا سيّدهم بكل ما كان. حينئذٍ دعاه سيّده وقال: أيّها العبد الشرير كلّ ما كان عليك تركتُه لك لأنّك طلبتَ
إليَّ. أفما كان ينبغي لك أن ترحم أنت أيضا رفيقك كما رحمتُك أنا؟ وغضب سيّده ودفعه إلى المعذِّبين حتى يوفي جميع ما
له عليه. فهكذا أبي السماوي يصنع بكم ان لم تتركوا من قلوبكم كلّ واحد لأخيه زلّاته.
كلمة الراعي
مصدر الحياة