...

هل يجوز للمسيحيين أن يقتلوا؟

 

 

 

إنّ بروز الطلبات السلاميّة في القدّاس الإلهي يسلّط الضوءَ على موقف الأرثوذكسيّة من الحرب. بما أنّ الكنيسة تؤمن بأنّ القدّاس الإلهي هو اشتراك في التسبيح السماوي، وبما أنها تجعل أساسَ معرفة الله في العبادة والخبرة الأسراريّة، فمن الملائم أن تضع مسألة الحرب والسلم ضمن الحياة الليتورجية في المسيحية الشرقية، لأنّ الكنيسة تكون في أكمل شركةٍ مع الروح القدس أثناء العبادة.

في قداس الذهبيّ الفم، تبدأ الطلبة السلاميّة الكبرى بالتماس “السلام الذي من العُلى، وخلاص نفوسنا“، و“سلام العالم، وحسن ثبات كنائس الله المقدّسة، واتّحاد الجميع“. وفي كلّ قداسٍ إلهي، نصلّي من أجل رعيّتنا والكهنة والشعب، والحكّام والذين في الخدمة العامّة، ومكان عيشنا وجميع المدن والقرى، وأوقات سلاميّة، والمسافرين والمرضى والمتألّمين والأسرى وخلاصهم، ونجاتنا من كلّ ضيقٍ وخطرٍ وغضبٍ وشدّة. “اعضد وخلّص وارحم واحفظنا يا الله بنعمتك“، هكذا نضرع في النهاية مودعين “أنفسنا وبعضنا بعضًا وكلّ حياتنا للمسيح الإله“.

هذه ليست تعابير منمّقة، أو صلوات تسعى فقط إلى بثّ الطمأنينة لدى المصلّين أو إلى اقتناء الملكوت الآتي.فهذه التعابير تجسّد رؤية الأرثوذكسية للخلاص، وتطلب من الله أن يعطينا إمكانية اختبار سلامه العلوي الآن في كلّ بُعدٍ من أبعاد الحياة: أي على المستوى الشخصي والعام والديني والوقتي والسياسي. بتلاوة هذه الصلوات، يَطلبُ الإنسان أن يشترك في ملكوت الله منذ الآن على الأرض، وأن يجدَ الشفاء ونعمة الخلاص في كلّ بعدٍ من حياته، وفي كلّ مظهر من خليقة الله.

إنّ القدّاسَ الإلهي بكامله ظهورٌ لملكوت الله على الأرض. يبدأ الكاهن الخدمة بإعلان “مباركةٌ مملكة الآب والابن والروح القدس، الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين“، ما يُعلِنُ أنّ الجماعة تشتركُ الآن في تسبيح الملكوت. تُرفعُ الكنيسة إلى حياة الملكوت حين يجتمع أعضاؤها لتمجيد الثالوث القدوس والاشتراك فيه.

وإذ نؤمن بالتجسُّد وبعظمة خليقة الله المادّية، نصلّي من أجل سلام وخلاص الذين في أوضاعٍ “واقعيةٍ” صعبةٍ من خطرٍ وألمٍ، ومن أجل نجاتهم من جميع أنواع الكوارث والمصاعب التي تُحدِق بأجسادنا الفانية في هذه الحياة.

إنّ السلام الذي نصلّي من أجله يشمل كلَّ بعدٍ من وجودنا في حضرة الرب. لقد خلقنا الله لنكون في شركةٍ معه بكافة جوانب شخصنا: أي الجسد والروح والنفس. والخلاص المسيحيّ يستتبع قيامةَ الذات المتجسّدة بكاملها، في شركةٍ مباركةٍ مع الملكوت، وتحوّلَ الخليقة بأسرها في طاعةٍ للثالوث القدوس.

والسلام الذي نصلّي من أجله هو اشتراكنا في الخلاص الشامل الكلّ. لا يوجد سلامٌ حقيقيّ إلاّ في الشفاء والتحوّل اللذين مُنحا للبشر من قبل الإله–الإنسان، مَن فيه تتّحدُ بشريّتنا بالألوهة. وبما أنّ الله يهدف إلى خلاصنا على كافة أصعدة وجودنا، فشفاؤه يشمل البشريّة بأسرها. وكما يصبح الخبز والخمر أداة شركتنا مع الله، يجب أن نقدّم كلّ جزءٍ من ذواتنا ومن هذا العالم إلى الآب، باتحادٍ مع ذبيحة الابن وبقوّة الروح القدس.حينها، سنجدُ الشركةَ المعطية الحياة مع الثالوث القدوس في كلّ ما نفعله ونقوله، وستصبح حياتُنا تقدمةً شكريّةً، بينما ننمو في القداسة والاتّحاد بالله.

ولمّا كان القدّاس الإلهي اشتراكًا في السلام الاسخاتولوجي (الأخروي) الذي لملكوت الله، يجوز لنا أن نتساءل ما إذا كان أعضاءُ الكنيسة يدركون هذه الرؤية المتعلّقة بالسلام السماوي ويعيشونها. وتتبادر إلى ذهننا فورًا ملاحظةٌ واقعيّةٌ، وهي أنّ أعضاءَ الكنيسة خطأةٌ، ولم تظهر بَعدُ بالكامل حياتَهم الجديدة في المسيح. إلاّ أنّ حضور الروح القدس يساعد الكنيسة على تجسيدِ تذوّقٍ مُسبَقٍ للسلام الاسخاتولوجي الذي لملكوت الله، والتاريخ وحياة الكنيسة يشهدان على أنّ سلامَ الله المخلّص هو هنا والآن.

رغم وجود بعض الالتباس في تعليم الكنيسة حول المشاركة المسيحيّة في الحرب، إنّ النظرة الأرثوذكسية إلى السلام تجلُّ المسامحة والمحبّةَ المجرَّدة من الأنانيّة، مقارَنةً بالعنف، وتعتبر الحربَ أهوَن الشرَّين في بعض الحالات، مع آثار مدمّرة روحيًّا على المشتركين بها.

مقارنةً بالأرثوذكسية، من الأسهل أن نبيّن تبريرات الحرب عند المسيحيّة الغربيّة التقليدية. وقد تضمّنت مَنحَ صكّ الغفران لمن شارك في الحملات الصليبيّة، وتبنّي نظرية الحرب العادلة. الأمر الأوّل أظهر قتلَ الخائنين بمثابة تصرّفٍ صائبٍ، فتحرّرَ الصليبيّون من العقاب الوقتيّ على خطاياهم، وأُعفوا أيضًا من المطهَر. أمّا الأمر الثاني، والذي كان له تأثيرٌ كبيرٌ على الحضارة الغربية، فيؤيِّد أخلاقيًّا الحروب التي تتوافق مع معايير فلسفية معيّنة.

لم يسبق للأرثوذكسية أن تبنّت الأخلاق الصليبيّة، بل لطالما اعتبرت الحربَ شرًّا، لو أنّ “الكنيسة قبلت المشاركة في الحرب بأسفٍ، بصفتها شرًّا لا بدّ منه، من دون أن تُنكرَ أنّها شرٌّ يجب تجنّبه أو حدِّه بقدر الإمكان“، على حدّ تعبير اللاهوتي أوليفييه كليمان. ويقول في مكان آخر إنّ “المعيار المثالي الوحيد هو السلام، لذلك لم يسبقْ للكنيسة الأرثوذكسية أن وضعت قوانين مرتبطة بالقانون الإنساني الدولي (ius in bello) وقانون الحرب (ius belli).

يقول القديس باسيليوس الكبير في القانون الثالث عشر من رسائله القانونية الـ92: “لم يعتبر آباؤنا حوادثَ القتل التي تتمّ في الحروب بمثابة جرائم، وبالنتيجة يبدو لي أنّه يجب العفو عن الرجال الذين يقاتلون دفاعًا عن الوقار والتقوى. إلاّ أنه من المستحسَن أن يُمنعوا من المناولة لمدّة ثلاث سنوات، لأنّ أيديهم ليست نظيفة“.

يقول الأب جون مكغوكين إنّ القديس باسيليوس يستشهدُ بالقديس أثناسيوس، باعتباره الأبَ الذي كتب في رسالته إلى أمون أنّ “قتل العدوِّ مشروعٌ في حالة الحرب“. ثمّ يوضح مكغوكين أنّ القدّيس أثناسيوس كان ينصح أمون فيما يخصّ مسألة الإفرازات الليلية: “في الواقع، لم تكن الرسالة الأصليّة على أيّة صلة بمسألة الحرب… والصورة العسكرية عرضيّة كليًّا، يستعملها أثناسيوس في سياق النصّ ليفسّر نقطته الرئيسة في الرسالة“. وهذا يُظهر أنّه لا يمكن تمييز الدلالة الأخلاقيّة للأعمال من دون العودة إلى سياق النص الذي وردت فيه.

إنّ القدّيس باسيليوس يضع المسألة ضمن سياقها، لذلك لا يجب أن تُقرأ الرسالة بشكل مبسّط، أو أن تُعتبر تبريرًا للقتل في الحروب. فكما يكتب مكغوكين في كتابه “الحرب والتوبة” عن القدّيس باسيليوس: “ما يتكلّم عنه هو القانون الكنسيّ المتعلّق بالحرب التي يستطيع المسيحي المشاركة فيها، والحصول على غفران الكنيسة له عن تصرّفه الممنوع كنسيًّا…”.

منعت القوانينُ الكنسيّةُ الأولى القتلَ في الحرب منعًا كليًّا، مثل القانون الرابع عشر لهيبّوليتوس في القرن الرابع، والذي يقول: “لا يجدر بالمسيحيّ أن يكون جنديًّا. لا يجب على المسيحي أن يكون جنديًّا إلاّ إذا أرغمه على ذلك قائدٌ حاملُ سيف. لا يجب أن يُثقِل على نفسه بخطيئة الدم. وفي حال إراقته دماءً، يجب أن يمتنع عن المشاركة في الأسرار، إلى أن يتطهّر بالعقاب والدموع والنحيب. ولا يجب أن يتقدّم إليها بخداعٍ بل بمخافة الله“.

ويميّز القدّيس باسيليوس بين القتل المطلَق والقتل “من أجل الدفاع عن الحدود المسيحيّة ضدّ غزو اللصوص الوثنيّين“. وهو يسعى، بِجعله القتالَ محدودًا ضمن هذه الظروف، إلى “حصر إراقة الدماء بالحدّ الأدنى“.وبخلاف ما يُفرض على القتلة من إبعادٍ عن المناولة لمدى العمر، يوصي القدّيس باسيليوس بالإبعاد عن الكأس لمدة ثلاث سنوات، ما يشكّل دليلاً علنيًّا على أنّ الحربَ انتهاكٌ للمبدأ الإنجيليّ.

على الجندي المسيحي الذي قَتلَ في الحرب “أن يعود إلى حياة التوبة وأن يخضع لخبرتها المطهِّرة… وتحديد باسيليوس لمدّة العقاب بثلاث سنوات، والذي يبدو قاسيًا بالنسبة لنا في هذا العصر الحديث، كان يُعدُّ إشارة تساهلٍ ورأفة في كتاب القوانين القديم في الكنيسة الأولى“. (غالبًا ما نصادف محاربين تعذّبوا في حياتهم كلّها جرّاء ذكريات الحرب المرعبة. أتذكّر أنّ أبَ صديقٍ لي عذّبته الكوابيس لثلاثين سنة، بعد انتهاء خدمته العسكرية في الحرب العالمية الثانية. هؤلاء الذين يُدرَّبون على القتل يجدون صعوبة أحيانًا في العودة إلى الحياة المدنية، ناهيك عن حياة التألّه).

يستنتج مكغوكين أنّ قانون القدّيس باسيليوس يستبعد قيام نظريّة الحرب العادلة في الأرثوذكسية. ومع أنّ بعض الحروب قد تبدو ضرورية أو قد يَصعبُ تجنّبها، إلاّ أنّها ليست مبرَّرة إطلاقًا، لأنّ إراقة دماء أشخاص آخرين تتعارض مع طريق ملكوت الله.

في كتابه “ثمن النبوءة (The Price of Prophecy)“، يؤيّد الأب ألكسندر وِبستر أنّ نظرية الحرب المبرَّرة“لم يسبق لها أن ظهرت بشكل منظَّم في لاهوت الأخلاق الأرثوذكسي“. ويصف المشاركة في هذه الحرب“خيارًا أخلاقيًّا أدنى من السلام التامّ، اختاره من لا يريد أن يدفع الثمنَ الكامل للنبوءة أو لا يستطيع ذلك“.يقترح أنّ المعيار الأرثوذكسي للمشاركة في الحرب العادلة يجب أن يتضمّن “أخلاقيات سياسيّة مناسبة“، أي يجب على المشاركين في الحرب أن يحترموا “أخلاقيات الناموس الطبيعي وأن تكون علاقاتهم إيجابيّة مع الجماعة الأرثوذكسية“. يجب أن تهدف الحرب أيضًا إلى “الدفاع عن شعب الله” ضدّ الظلم والغزو والاضطهاد“من قبل أعداء الممارسة الحرّة للإيمان الأرثوذكسي“. ويجب أيضًا أن يقود “الهدف الروحي” الصحيح إلى“الغفران وإعادة التأهيل” للأعداء، بصفتهم أشخاصًا يحملون صورة الله، لا إلى “الانتقام البحت أو استقامة الذات أو الغلبة“. يقول وِبستر إنّه بينما يسعى المُسالم إلى الاقتداء بيسوع المسيح الراعي الصالح الذي قَبِل أن يُذبح ظلمًا على يَد الخطأة ومن أجلهم، يدركُ المحارب الحقّ واجبًا أسمى: أن يدافع عن الأبرياء ضدّ العنف الجائر. وبينما لا يقدر الأرثوذكسي المُسالم أن يصنع شرًّا، ولو من أجل غاية عادلة، لا يستطيع المحاربُ الأرثوذكسي أن يحافظ على قداسته الشخصيّة إذا سمح للشرّ أن ينتصر بواسطة تراخيه.

ومن الغريب اقتراح وِبستر القائل إنّ المحاربَ الحقّ يُنجز “واجبًا أسمى” مقارنةً بما يفعله المُسالم، خاصةً وأنّ المعيار الواضح في الكنيسة هو مثال المسيح، أي التجرَّد من الأنانية، والمسامحة، وعدم المقاومة. كذلك فإنّ عَرض وِبستر للحجج الأخلاقيّة التي تجعل الحرب مبرّرة، وذِكره للحكومات التي تتبنّى أخلاقيّات الناموسالطبيعي، يجعلانا نتساءل ما إذا كان يضع مسألة الحرب والسلم ضمن إطار التحليل الإنساني الأخلاقي، أكثر ممّا يضعه ضمن مسيرة التألّه. ويحقّ لنا أن نسأل ما إذا كانت صيغة وِبستر تعطي أهمّية كافية للنظرة الروحية الأرثوذكسية، والتي تتعارض مع أخلاقيات المنطق البشري التي تستند إليها المسيحيّة الغربيّة.

ورغم أنّ “تحويل الخدّ الآخر” أمام الإهانات، تشبّهًا بالمسيح، هو الردّ الأمثل، فإنّ الكنيسة الأرثوذكسية لا تجعل من المُسالمة أو عدم العنف مَطلبًا مطلقًا في الحياة المسيحيّة. إنّ الإرشاد المسيحي الأخلاقي يهدف إلى التألّه، عبر توجيه أعضاء كنيسة المسيح إلى النموّ في القداسة والاتّحاد بالثالوث القدوس. ويتمّ تطبيق قوانين الكنيسة بشكلٍ رعائيّ لمساعدة الأشخاص على نيل الخلاص، بينما يسعون بدورهم إلى أن يكونوا مخلِصين أثناء التحدّيات والضعفات التي يواجهونها. بناءً على خبرة الكنيسة، السلطة الوقتية واستعمال القوة أساسيّان للحدّ من الشرّ ونشر الخير في عالمنا الساقط.

ولو أنّ شهادة كنيستنا الأولى كانت سلميّة (عامّةً لا حصرًا)، كانت الرؤية البيزنطية قائمةً على الانسجام والتناغم بين ملكوت الله والواقع الأرضي. بالتالي، شارك الأباطرة والجيوش المسيحيون في الحروب، وصانوا نظامًا اجتماعيًّا يهدف إلى تجسيد الأمانة لله في كلّ ميادين الحياة. كانت الكنيسة والمملكة متّحدتين “كما اتّحدت طبيعتا المسيح الإلهيّة والإنسانيّة في شخص ابن الله المتجسّد“، بحسب وِبستر. لكن عمليًّا، لم تتحقّق هذه الرؤية بشكلٍ كاملٍ في بيزنطية، إذ أفسدت الخطيئة حكّامها السياسيّين والكنسيّين بأساليب عدّة.

إلاّ أنّ علاماتٍ عدّة بقيَتْ في الأرثوذكسية، مشيرةً إلى أنّ السلام هو الحلّ الأمثل. فعلى سبيل المثال، لا يُسمح للرهبان بحمل السلاح أو استخدام العنف القاتل، حتّى في حالات الدفاع عن النفس. ويقول القانون الخامس لغريغوريوس النيصصي إنّ “الكاهن الذي يقترف القتل، ولو كان ذلك لاإراديًّا (مثلاً في حالة الدفاع عن النفس)، يُحرَم من نعمة الكهنوت التي انتهكها بجريمته المدنِّسة“.

مَن أهرقتْ يداهم دماءً لم يعودوا بَعد أيقونات المسيح التي يُدعى الكهنة لأن يكونوها، وليسوا مستحقّين لخدمة المذبح. يكتب وِبستر في “الخيار السلمي“: “يجدر بالكاهن الأرثوذكسيّ أن يكون قدوةً للجماعة المسيحيّة، ورجلاً تاريخه خالٍ من المخالفات الخطيرة والفادحة، بما في ذلك سَلب حياة إنسانٍ آخر لأيّ سببٍ من الأسباب“.

وكما أنّ سرَّ الكهنوت مهمّةٌ خاصّة لا يدعى إليها الكلّ، كذلك فإنّ ما يُطلب من الكهنة من تجسيدٍ لمحبّة المسيح اللاعنفية ليس مطلوبًا في القانون من جميع المؤمنين. تدبيريًّا، قد لا يُفرَض معيار المحبّة التي لا تقاوِم، بطريقة مباشرة، على مَن يقتضي منهم عملهم أن يدافعوا عن الأبرياء في عالمنا المحطّم. يقدر هؤلاء أن ينموا في القداسة عبر القتال بأكثر عدلٍ ممكن، بينما يحزنون للأذى الذي ألحقوه بأنفسهم وبسواهم جرّاء استعمالهم العنف.

لكن مهما اخترنا أن نفعل من أجل الدفاع عن الأبرياء في وجه الهجمات والإساءة، لا يوجد خيارٌ مثاليّ. في عالم ساقطٍ يعيش فيه قومٌ خاطئون، كلّ مسيرة مسيحيٍّ نحو الملكوت تصيبها درجةٌ من العطب الروحيّ، والتوبة هي السبيل الوحيد للشفاء.

لقد ارتبطت بعض الدول والشعوب بالإيمان الأرثوذكسي، فوُصفتْ حروبُهم الدفاعيّة ضدّ الغزاة المسلمين بأنها“دفاع صعب ومؤلم عن الصليب“، رغم أنّها لا تشبه الحروب الصليبيّة. وفي بعض الأحيان، يتمّ تحريف ما يلتمسه المؤمنون من “انتصارٍ على الأعداء” في عيد رفع الصليب، أو ما يبدو صورةً عسكريةً في الليتورجيا، فيُعدّ هذان جزءًا من “مسيحانية قوميّة” يُعتبر فيها شهيدًا كلُّ من يموتُ في المعركة، وأمّا شرّ الحرب، فيتمّ التغاضي عنه.

إلاّ أنه من الخطأ أن نعتقد أنّ الأرثوذكسية أيّدت الحرب بحماسة. وحتى في حالات الدفاع عن الشعب المسيحيّ في وجه الغزو الإسلامي، لم يتم التغاضي عن خطورة الحرب على المستوى الروحي. فمثلاً في القرن الرابع عشر، أعطى القدّيس سرجيوس رادونيج بركته للأمير الكبير ديمتري لشنّ حربٍ دفاعية ضدّ خان التتر، فقط بعد أن تأكّد أنّ الأمير قد استنفد كافّة وسائل المصالحة.

وكانت استراتيجية كوتوزوف مماثلةً ردًّا على غزو نابليون، فتركَ موسكو للفرنسيّين وأغار على قوات نابليون خلال انسحابهم، ولم يكن يهدف سوى إلى طرد الغزاة نحو الحدود.

هذه الأحداث لا تعبّر عن نزعة عسكرية جامحة، إنما تعكس قبولاً قسريًّا للحرب بمثابتها شرًّا لا بدّ منه.

ولا يجب أن يخفي هذا الواقع إصرارَ الكنيسة على “عدم العقاب، وتجنّب العنف، وردّ الشرّ بالخير، وتناغم كافة الشعوب” بصفتها “معيار الخير الذي يجب أن يسعى إليه المسيحيّون بمؤازرة الله“، على حدّ قول أوليفيير كليمان.

يقول الأب ستانلي هاراكاس إنّ “التقليد الآبائي الشرقي نادرًا ما أثنى على الحرب، وعلى حدّ علمي، لم يسبق له أن أسماها “عادلة” أو صلاحًا أخلاقيًّا… لقد بقيَ السلام المثالي معيارًا، ولم تُبذل جهود نظريّة لجعل المشاركة في الحرب معيارًا إيجابيًّا.

وأبرزُ دليلٍ على انتشار السلام في الكنيسة يظهر في العصر السابق للقدّيس قسطنطين، حين كانت الامبراطورية وثنيّة، وحيث كان المسيحيّون، ومن ضمنهم مَن اهتدى من الجيش، يتعرّضون للاضطهاد لرفضهم تقديم العبادة للآلهة الزائفة. وحتى بعد تنصير الامبراطورية، ووجوب أن يكون جيشها من المسيحييّن فقط، بقيَ في الكنيسة معلّمون للسلام، مثل البابا القدّيس داماسوس وبرودنتيوس والقدّيس بولينوس الذي من نولا. يقول وِبستر إنّ القدّيس بولينوس (في القرن الخامس) كان آخر أبٍ تناول بوضوحٍ مسألة الحرب من وجهة نظر سلميّة. وظهرت لاحقًا آراءٌ سلميّة في أطرٍ أخرى، مثلاً في لزوم أن يكون الاكليركيّون والرهبان غير مقاوِمين.

ولا بدّ من التعليق على ما يظهر من تناقضٍ بين وجوب أن يكون الإكليركيون مسالمين من جهة، وقبول انخراط العلمانيين في الخدمة العسكريّة من جهة أخرى. يقول وِبستر إنّ ما يُطلب من الإكليركيين من التزامٍ بالمعيار اللاعنفي، والسماح للعلمانيين بالمشاركة في الحرب، إنما يدلّ على أخلاقيات مزدوجة تضع المسيحيّين ضمن فئتين: واحدة دُنيا وأخرى عُليا، ما يظهر أنّ الإكليركيين أقدس من العلمانيين.

استنادًا إلى لاهوت الكنيسة الأرثوذكسي، يمكننا التأكيد على أنّ المعيار الذي يجسّده الإكليركيون الآن سيصبح معيارًا للأرثوذكسيين كلّهم. نتعامل هنا مع توتر اسخاتولوجي سيتم حلّه في ملكوت السموات، حيث سيمسي الجميع مسالمين، لأنّ العنف والشرور الأخرى ستدمَّر. أما الآن، وكما يقول وِبستر في “الخيار السلمي“: “يُتوقَّع من الإكليركيين أن يصلوا إلى حالة روحية وأخلاقية متقدّمة، وهي حالة مدعوّ لبلوغها كلّ مسيحيّ أرثوذكسيّ“.

السلام هو المعيار المطلَق وهدف كلّ المسيحيّين، وهذا ليس بالأمر المفاجئ. ففي عظته على الجبل، يدعو يسوع المسيح أتباعه إلى التألّه، وإلى النموّ في القداسة والكمال بالاتّحاد مع الله. “فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل” (مت 5: 48). هذا التعليم هو خلاصة إصحاحٍ يركّز على محبّة الأعداء، ويسبقه رفض الربِّ لمقاومة الأعداء “لا تقاوموا الشرّ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضًا” (5: 39).

تدلّ هذه الآيات على أنّ رفضَ استعمال العنف أثناء الدفاع عن النفس هو دليلُ نموٍّ في القداسة. بذلُ ربِّنا لذاته على الصليب من أجل خلاصنا هو التجلّي النموذجي للمحبّة المجرّدة من الأنانية، والتي سيشترك فيها البشر كلّهم في مساهمتهم بالنعمة في حياة الثالوث.

 

الأب فيليب لوماسترز
نقلتها إلى العربية جولي عطية
www.orthodoxonline.org

 

 

 

 

 

 

هل يجوز للمسيحيين أن يقتلوا؟