...

طعامي أن أعمل أعمالالّذي أرسلني.

 

 

   ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله. الحياة من الكلمة. الخبز صورة عن الكلمة. لسنا، هنا، في معرض المجازيّات، بل في معرض الواقعيّة، ولكنْ، لا الواقعيّة العابرة، بل الّتي تدوم. هناك واقعيّة وواقعيّة. الواقعيّة المألوفة عندنا مشبعة بالموت، تسير بنا من موت إلى موت. ولكنْ، ثمّة واقعيّة أبديّة، مشبعة بالحياة، تسير بنا من حياة إلى حياة. على هذه الواقعيّة أتكلَّم. هذه هي واقعيّة كلمة الله. هذه أُعطينا أن نعرفها. أن نحيا فيها. ولكنْ، مغلَّفةً بواقعيّة الموت. إذًا، فينا، إذا ما اقتبلنا كلمة الله وسلكنا فيها، ما ينمو إلى حياة أبديّة، لكنّه مقيم في واقع منكسر. الأوّل يأتي به الزّمن إلى الاكتمال. الآن أَطلق عبدك أيّها السّيّد لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك. والأخير يأتي به الزّمن إلى الانحلال. تراب ورماد. الأوّل يحتضنه الأخير. هذا دوره. نحيا هنا لننمو إلى ما هناك، وإلّا لا معنى ولا قيمة لما هنا. ما يموت لا قيمة له في ذاته. باطلًا يكون. كلّ ما تحت الشّمس باطل.

   ثمّة مبدأ يحكم الحياة والموت على الأرض. ثمّة واقعيّتان متلازمتان. أنّ ما هو مائت وظيفته أن يُعدّ لحياة جديدة. الحياة قائمة في ما هو مائت. هذه سنّة الطّبيعة، في ما آلت إليه، هنا والآن. بعض الأمثلة ينفع. بيض الدّجاج، قشرته تحتضن الحياة الجديدة. هذه، متى اكتملت، ينتهي دور القشرة. تنقرها الحياة الجديدة، فتنكسر وتتفتّت. تموت. كانت تحفظ الحياة إلى كمال السّاعة. المثل الأبلغ الإنسان. الإنسان سُنّته، على الأرض، أن يحيي، أن ينجب، قبل أن يموت. في وجدان العالمين، يحيا في مَن ينجبهم. هذا مطلع الفكر بشأن الحياة الأبديّة. عدم الإنجاب اعتُبر لعنة. تحيا في غيرك. مَن لا يشاء أن يحيا في سواه ملعون!. الحياة، بطبيعتها، آخَريّة، أي أنّ الإنسان يحيا، ويبقى، في الوجدان، حيًّا، في حركته صوب الآخرين، في البذل، في التّضحية، في الموت لأجل الآخر. هذه كلّها تعابير المحبّة. الإنسان كيان محبّي. يموت عن نفسه ليحيا في الآخر!.

   أما قيل، ما ينشأ جسد إلّا متى تلف جسد؟. أليس هذا عمل الأمومة؟. تبذل الأمّ نفسها تعبًا ليُحيا إنسان جديد في العالم؟. فيه، إذ ذاك، تحيا، وبه تفرح، وإلّا لا تتمّ دورة الحياة!. أنت لا تحيي فقط من جسدك، الأهمّ من ذلك أن تحيي من روحك!. ليس الموضوع موضوعَ جسد يحيي، بصورة تلقائيّة. هذا شأن المخلوقات غير العاقلة. صورة، على الأرض، لما هو أسمى. الإنسان قلب وروح لأنّه يحبّ. والمحبّة، وإن اشتملت الجسديّات، فديدنها ما هو أبعد، بما لا يقاس، لأنّ الإنسان مخلوق على مثال الله. إذًا المزروع فيه يتوق إلى الإلهيّات. من هنا فعل كلمة الله. فبالكلمة يستحيل التّوق شوقًا فودادًا فهيامًا فعشقًا فاتّحادًا فتألّهًا. إذ ذاك، تكتمل صيرورة المثال إنسانًا جديدًا متألّهًا. وما كان، فيما سبق، مادّة للموت، جسدًا، يُستردّ، مستجِدًا، متروحنًا، ممجّدًا، ليصير مكتملًا، كما في فكر الله، مختومًا بختم حياة الله.

   قولة الكلمة أنّ طعامي هو أن أعمل أعمال الّذي أرسلني، يجعلنا، أبدًا، في موقع مَن يُفرغ نفسه على نحو مَن أفرغ نفسه، إذا ما ارتضينا أن نصير هيكلًا للكلمة، أن نمدّ الكلمة في أجسادنا. في عمل الله، أنت تملك لا إذا ما أخذت بل إذا ما أعطيت!. وعطاؤك يكون حقّانيًّا إذا ما أَعطيت ولم ترُم شيئًا في المقابل. هذه هي المجّانيّة. مجّانًا أخذتم مجّانًا أعطوا. لا تطلب نفسَك ولا ما لنفسك بل الله وما لله. المحبّة الّتي وحدها تحيي لا يمكنك أن تقتنيها إلّا إذا متّ بالكلّيّة عن نفسك!. الامّحاء الطّوعيّ، غير المفروض، هو ما يوجدك من فوق لأنّ المحبّة من فوق. ما القيامة، في نهاية المطاف؟. ليست أن تنطفئ ثمّ تستضيء، بل هي كشفٌ للحياة المقيمة في الموت، لأنّ مَن مات أحبّ؛ وهي، بالقياس عينه، كشفٌ للنّور المقيم في الظّلمة. أجل، المحبّة الآتية بالكلمة، في عالم الخطيئة، تُبدِع واقعًا ليس من طبيعة واقع الموت الّذي له نحن مرتَهنون، بسبب الخطيئة، بل من طبيعة واقع الحياة الإلهيّة. هذان الواقعان لا فقط يتعايشان، بل ثمّة معادلة بينهما تجعل، في إطار كلمة المحبّة، أنّ واقع الموت شاءه ربُّك أن يخدم واقع الحياة الجديدة!. حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قويّ (2 كورنثوس 12).

   إذا ما سرق منك إنسان، فعملك، كإنسان، أن تردعه، أن تقبض عليه، أن تسلمه إلى الشّرطيّ، أن تستردّ المسروق لو أمكن، حتّى لا يسري التّسيّب، حتّى يشعر النّاس بالأمان. تحتاج إلى قانون، إلى قوّة أمن. العدالة، في هكذا سياق، أنّ مَن يُذنِب يُقاضَى. ثمّ تعمل على حفظ حقوق النّاس. ولكنْ، مهما فعلت تبقى ظالمًا، لأنّك لا تهتمّ بمعالجة الأسباب بل النّتائج. تقنّنها لتردع لا لتصلح، إلّا ما ندر. لكن الإصلاح من الخارج قلّما يجدي. السّؤال: كيف تصلح النّفوس؟. ومن ثمّ، كيف تصلح العائلة؟. كيف تصلح العلاقات؟. هذا، بشريًّا، مستحيل!. لذلك، القانون وحقوق الإنسان، إذ لا يتصدّى لمصادر الهمّ البشريّ، ولا يستطيع، حسبُه أن يوجَد عاملًا على الحدّ من تداعيات الفساد، قدر الطّاقة، لا معالجته. مواتية النّفوس، والحال هذه، تمسي تحصيل حاصل. التّركيز على القانون والنّظام، يصير، عمليًّا، تكريسًا لما له مظهر حياة ومضمونه الموت!. يسلك الإنسان، في هذا الإطار، كأنّه مغلوب على أمره!. عمل الإنسان، مهما كان، إذ ذاك، جمعُ ماء في بئر مشقّقة!. الحياة إذًا، مأساة!. كلّ شيء يعكس المأساة!.

   عمل الله شيء آخر. لا هو يزيد على عمل الإنسان، كما لو كان عمل الإنسان ناقصًا، ولا يدعمه. ليس المرتجى تحويل الأرض فردوسًا، هذا غير ممكن وقلب الإنسان على ما هو عليه، بل إقامة الفردوس، قطيعًا صغيرًا، في أرض غريبة معادية. في العالم سيكون لكم اضطراب، ولكنْ، لا تخافوا، أنا قد غلبت العالم!. هذه هي الكنيسة في العالم، في الّذين يؤمنون إيمانًا فاعلًا بالمحبّة. لا هناك قانون ولا نظام فردوسيّان. هناك حالة فردوسيّة. يسوع أرض الأحياء. وكلّ حيّ بيسوع أرضٌ، وامتدادُ أرض، لمَن يرومون السّكنى في الله. آتي إليك لا لأنّك ملتمَسي، كائنًا مَن تكون، بل لأنّ مَن هو حالٌّ فيك ملتمَسي!. قد وجدناه!. يسوع بن يوسف الّذي من النّاصرة!. ابن الإنسان هذا الّذي من لحمنا وأرضنا!.

   لذا كلّ عمل إنسان في أرضنا نقتبله فرصةً لإتمام عمل الله، وإلّا لا قيمة له، طالما الموت فيه!.

   تكلّمتُ على السّارق في عمل النّاس. هذه صورة عنه في عمل الله متى التزمناه. والصّور لا عدّ لها ولا حصر، عند ربّك:

   في الحوار الأوّل من حوارات القدّيس غريغوريوس الكبير، عن قدّيسي إيطاليا في زمانه، أنّ راهبًا كان يعتني ببستان أحد الدّيورة ويزرع خضارًا منوّعًا. هذا اكتشف أنّ سارقًا كان يدخل البستان، فيدوس ما يدوسه ويسرق ما ترغب به نفسه ثمّ يذهب. استطلع البستانيّ الأمر فاكتشف الموضع من السّياج، من حيث كان السّارق يدخل. وإذ تابع استطلاعه قليلًا وجد أفعى فأمرها أن تتبعه. فلمّا بلغ الموضع الّذي اعتاد السّارق التّسلّل منه، قال للأفعى: “باسم يسوع المسيح، أكلّفك بحراسة هذا المدخل وعدم السّماح للّصّ بالدّخول”، فتمدّدت الأفعى عند الموضع، وعاد الرّاهب إلى الدّير. ثمّ في ساعة الظّهر، إذ كان الرّهبان مرتاحين، أتى السّارق على عادته، فتسلّق السّور. وإذ كان على وشك أن يضع رجله أرضًا، داخل السّور، رأى الأفعى في الموضع، فارتعب ووقع. وإذ علقت رجله بالوتد، صار رأسه إلى تحت ورجلاه إلى فوق، ولمّا يقدر، بعد، أن ينجو. بقي على هذه الحال إلى أن عاد الرّاهب البستانيّ، فوجده معلّقًا هكذا. فقال، أوّلًا، للأفعى: “شكرًا لله. لقد فعلتِ ما طلبتُه منك. والآن بإمكانك أن تعودي من حيث أتيتِ”. فتحرّكت الحيّة بهدوء وانصرفت. إذ ذاك، قال للّصّ: “ماذا حصل لك، يا أخي؟. الله هو الّذي سلّمك بين يديّ”. ثمّ أنزله برفق وقال له: “اتبعني”!. فلما بلغا حيث كانت الخضار المقطوفة، أعطاه ملء حِمْله، وقال له: “اذهب الآن، ولا تعد تسرق. ومتى احتجت إلى المزيد، فتعال إليّ فأعطيك، ببركة الله، ما كنت تحاول أن تأخذه خلسة”!.

   مثل هذه الواقعيّة الأخرى، مهما بدت لواقعيّة هذا الدّهر غريبة ومستبعدة وخرافيّة!.

   مَن تراه يحلّ مشكلة الإنسان ومعاناته: القانون والنّظام، وحقوق الإنسان، أم كلمة الله ومحبّته؟. أي واقع نريد: الواقع الّذي يكرّس الموت في حياتنا، أم الواقع الّذي يجعل الموت عن أنفسنا مكرّسًا لحياة الله فينا؟.

   الفردوس يبدأ هنا. ما لم نذق ملكوت السّموات الآن فلن نذوقه فيما بعد. القداسة هي الحياة وأرض الأحياء، هنا، وإلى حياة أبديّة!.

   أيّ طعام نشاء، على هذا؟. أيّ خبز؟. أيّة كلمة؟.

   “اعملوا لا للطّعام البائد، بل للطّعام الباقي للحياة الأبديّة الّذي يعطيكم ابن الإنسان، لأنّ هذا اللهُ الآب قد ختمه” (يوحنّا 6: 27).

 

الأرشمندريت توما (بيطار)، رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي، دوما – لبنان

عن “نقاط على الحروف”، 3 تموز 2016

 

 

 

طعامي أن أعمل أعمال
الّذي أرسلني.