...

الحلقة المفقودة: صليب المحبّة.

 

غلا ٣: ٢٣- ٢٩؛ ٤: ١- ٥
لو ١٣: ١٠- ١٧

 

   يا إخوة، الموضوع الّذي طرحته الرّسالة إلى غلاطية، وكذلك إنجيل اليوم، هو موضوع الشّريعة، أو النّاموس. النّاموس كان مؤدّبنا إلى المسيح. النّاموس هو مجموعة الوصايا والأحكام، الّتي أعطاها الرّبّ الإله لموسى، كي يعطيها موسى، بدوره، للشّعب. والنّاموس كان يعبّر عن العلاقة الّتي أرادها الرّبّ الإله أن تكون له مع الشّعب العبريّ. لهذا السّبب، كان على الشّعب أن يطيع ما ورد في النّاموس، والرّبّ الإله، من جهته، أخذ على عاتقه أن يرعى شعبه في كلّ ما يحتاج إليه.

   الهدف من الشّريعة هو أن يدخل الإنسان في انسجام مع الله؛ إذ لم يكن هناك انسجام في العلاقة بين البشريّة والرّبّ. لهذا، البشريّة، قبل النّاموس، كانت غارقة في خطاياها. والرّبّ الإله ترك شعوب الأرض يذهب كلٌّ منها في سبيله. لكن، قبل النّاموس، كان لدى الرّبّ شهود، هنا وهناك. لذلك قيل: لم يترك الرّبّ الإله نفسَه بلا شاهد في كلّ أمّةٍ. لكنّ البشريّة، بصورة عامّة، اندفعت صوب أهوائها، وبأهوائها اندفعت صوب عبادة الأصنام. الأصنام تعبير عن أهواء الإنسان. مثلاً، يحبّ النّاس الأكل والشّرب وما إلى ذلك؛ لذلك، اخترعوا ما يُسمّى “باخوس”، إلهًا للزّراعة والخمر، ليعبدوه. عمليًّا، كانوا يعبدون أهواءهم. باخوس، وغيره ممّا كانوا يسمَّون “آلهة”، كانت تعابير عن أهواء الإنسان. كذلك، من أين خرجت الإلهة أفروديتي، أو فينوس؟ من روح الزّنى، من هوى في نفس الإنسان. جسّد الإنسان هذا الهوى، خارجيًّا، في ما أسماه “أفروديتي” أو فينوس، وعبدها باعتبار أنّها إلهة. هكذا، اندفعت البشريّة وراء أهوائها، وبأهوائِها وراء التّعبير بأصنام حجريّة، أو ما يعادلها. لكن، كما قلت، لم يترك الرّبّ الإله نفسَه بلا شاهدٍ في كلّ أمّة. لذلك، لا نستطيع، أبدًا، أن نعمّم ونقول إنّ كلّ النّاس كانوا غارقين في أهوائهم، وعبادة أصنامهم.

   فلمّا حان الوقت، الّذي شاءه الرّبّ في تدبيره، تمامًا، أعطى، بالشّعب العبريّ، النّاموس. الشّهود، الّذين كان قد زرعهم في كلّ الأرض، كانوا إلى مجيء الشّريعة. فلمّا كانت الشّريعة قالت: هذه خطيئة، وهذه ليست خطيئة. إذًا، الغرض الأساسيّ من النّاموس كان معرفة الخطيئة. بكلام آخر، قبل أن يكون النّاموس، لم يكن الإنسان يعرف بوضوح ما هو خطيئة وما ليس بخطيئة. والرّبّ الإله، بتعامله مع الشّعب العبريّ، كان صارمًا جدًّا. هم يريدون خيرًا وبركة. يريدون المطر في أوانه. يريدون أرضهم أن تثمر. يريدون أن يُحفَظوا من أعدائهم. يريدون أن ينتصروا عليهم. كانوا يطلبون أمورًا كهذه. والرّبّ الإله أمّن لهم كلّ ما يحتاجون إليه، في مقابل أن يسلكوا بأمانة من جهة الشّريعة. طبعًا، الوصايا العشر جزء من الشّريعة. فبالإضافة إليها، كانت هناك أحكام عديدة، كان يفترض بالشّعب العبريّ أن يسلك فيها بدقّةٍ وبأمانة. لكن، مَن يقرأ العهد القديم، يرى أنّ الشّعب، أحيانًا، لم يكن دقيقًا، بما فيه الكفاية، في حفظ أحكام الشّريعة، فكان الرّبّ الإله يؤدّب الشّعب بقضيب الأمم، أو بالحرمان، أو بغير ذلك. كان يؤدّبهم بقضيب النّاس، ليرجعوا، ويرتدّوا، ويصرخوا: “يا ربّ، سامحنا، قد خطئنا”، ويبدأوا من جديد. طبعًا، هذا المسار استغرق وقتًا طويلاً، حتّى اعتاد اليهود أن يتعاملوا مع الله، بالطّريقة الّتي يريدهم هو أن يتعاملوا معه بها. احتاجوا إلى وقت ليس بقليلٍ، أبدًا. استغرق هذا الأمر مئات وآلاف السّنوات.

   ثمّ في الإنجيل، اليوم، كلام على يوم السّبت: كان يسوع يعلّم في أحد المجامع، يوم السّبت. المجمع هو المكان الّذي يسمّيه اليهود، اليوم، الكنيس. المكان الذي نلتقي فيه نحن هو كنيسة. المعنى، في الأساس، واحد، هو المجمع، أو مكان الاجتماع. في المجمع كان اليهود يحتمعون، في زمن الرّبّ يسوع. وعادة الاجتماع في المجامع تكوّنت، عند اليهود، عندما كانوا مسبيّين في بلاد ما بين النهرين، في بابل. هناك، كانوا بعيدين عن الهيكل. الهيكل، عند اليهود، هو محور العبادة. فحين ابتعدوا عن الهيكل، اضطّروا أن يؤسّسوا ما يسمّى “المجامع”. أصبحوا يلتقون، كلّ نهار سبت، لأنّهم يعرفون أنّ السّبت، حسب سفر التّكوين، هو يوم الرّاحة. القصد كان أنّ الرّبّ خلق الكون في ستّة أيّام، ابتداءً من يوم الأحد (من الأحد إلى الجمعة). ثمّ، في السّبت، استكمل الرّبّ الإله الخلق. طبعًا، هذا كلام رمزيّ. لا نفهمنّ أنّ اليوم، الّذي نعدّه نحن 24 ساعة، هو نفسه اليوم الذي تكلّم عليه سفر التّكوين. لا. هذا، في كلّ حال، موضوعٌ آخر. إذًا، يوم السّبت كان اليوم الّذي استكمل فيه الرّبّ الإله خلق الكون. ثمّ، حسبما ورد في سفر التّكوين، استراح الرّبّ الإله في اليوم السّابع. ربّما، في وقت من الأوقات، كانوا يظنّون أنّ الرّبّ يرتاح كما يرتاح النّاس؛ ثمّ، بعد ذلك، مفهوم الرّاحة تغيّر. اليهود، مثلاً، كانوا يعملون ستّة أيّام، ويوم السّبت كانوا يرتاحون، لا يعملون. فلمّا طُردوا إلى بلاد ما بين النّهرين، وأسّسوا، هناك، المجامع، تركزّت نشاطات هذه المجامع في يوم السّبت. السّبت صار كأنّه العلامة الّتي تعبّر عن هويّة الشّعب العبريّ. هذا صار رمز الشّعب العبريّ. ولكن، استزاد اليهود من الأحكام الّتي فرضوها في يوم السّبت، لدرجة أنّهم منعوا الكثير من الأمور عن الإنسان بخلاف الرّوحيّة الحقّ للسّبت: مثلاً، لا حقّ له أن يشعل نارًا، يوم السّبت، ولا أن يعمل أيّ عمل. وكما ورد في إنجيل اليوم، لا يجوز أن يقوم الإنسان لا بعمليّة شفاء، ولا بمعجزة. هذا كان يُعتبر عملاً. طبعًا، كان مسموحًا للإنسان، فقط، أن يسير، على الأكثر، مسافة لا تزيد عمّا يُعرف بـ”مسافة سبت”. أي لم يكن جائزًا له أن يسير أكثر من خمسمئة متر تقريبًا، وإلاّ يكون قد كسر الحكم الخاصّ بيوم السّبت. إذًا، استزاد اليهود من الأحكام الخاصّة بيوم السّبت، وكانوا يعتبرون أنّهم، بهذه الطّريقة، يشاركون الله في راحته.

   بالإضافة إلى ذلك، يوم السّبت كان اليوم الّذي يسمع فيه اليهود كلمة الله. كانوا يجتمعون في المجمع، يوم السّبت، وليس كلّ يوم، ويقرأون من النّاموس والأنبياء، أي من الشّريعة والأنبياء. ما نسمّيه اليوم عهدًا قديمًا كانوا يسمّونه النّاموس والأنبياء، أي مجموع الكتب الّتي تشكّل النّاموس والأنبياء. كانوا يقرأون من هذه الكتب، وكان هناك دائمًا مَن يفسّر. أحيانًا، إذا كان هناك أشخاص بارزون، كَتَبة، مثلاً، أو بعض المعلّمين المشهود لهم، كانوا يقولون كلمة في القراءة الّتي تتلى. يفسّرون للنّاس ما يريده الله منهم. وفي المجمع، طبعًا، كان هناك خادمان: واحد يسمّونه “رئيس المجمع”، وهو الّذي يضبط الأمور فيه؛ وواحد يهتمّ بنقل المخطوطات، وينظّف، ويرتّب. إذًا، كان هناك رئيس مجمع وخادم. فلمّا عاد اليهود من السّبي، تمسّكوا بهذه العادة، لأنّها كانت راسخة في وجدانهم. ففي زمن الرّبّ يسوع، كان النّاس يصعدون إلى الهيكل، حتّى يقدّموا تقدمات، أو ذبائح، أو حتّى يصلّوا في ساعات معيّنة. كانت عندهم بعض الصّلوات، وهي الّتي نسمّيها نحن، اليوم، السّاعة الثّالثةـ والسّادسةـ والتّاسعة. هذه أخذت من النّظام اليهوديّ. ويوم السّبت، كانوا يلتقون في المجمع. هناك كانوا يسمعون القراءات الكتابيّة، ويتعلّمون من تفسيرها. إذًا، كان الأتقياء يتردّدون، دائمًا، إلى هناك. هذا كلّه، بالنّسبة إليهم، كان جزءًا من قدسيّة يوم السّبت. وكانوا يرتاحون يوم السّبت، لأنّهم كانوا يظنّون أنّهم، بهذه الطّريقة، يحفظون الأمانة  لله، الّذي ارتاح بدوره يوم السّبت.

   هذه المرأة، الّتي أتت إلى المجمع، أغلب الظّنّ أنّها امرأة تقيّة. وهي، في الحقيقة، رمز لكلّ الشّعب العبريّ؛ ورمز، بالأحرى، لكلّ البشريّة. كانت منحنية، منذ ثماني عشرة سنةً، وبها روح مرض. حين يقول الكتاب إنّه كان بها روح مرض، فهذا معناه أنّ كلّ ما تعاني منه كان من الشّيطان. وهذا ما أورده الرّبّ يسوع، في ما بعد، حين قال: “هذه ابنة إبراهيم، الّتي ربطها الشّيطان منذ ثماني عشرة سنةً”. البشريّة، كلّها، في الحقيقة، كانت تحت ربقة الشّيطان، إلاّ، طبعًا، الّذين كانوا يسلكون بأمانةٍ من جهة الوصيّة، من جهة الشّريعة، من جهة الأنبياء. الّذين كانوا يحفظون الأمانة كان الرّبّ الإله يعينهم. لكن، بصورةٍ عامّة، الشّيطان كان أمير هذا العالم.

   وأتى الرّبّ يسوع إلى هذا المجمع. وكأنّ الرّبّ يسوع، بذهابه إلى هناك، دخل إلى هذا العالم. الإشارة، بمعنى، هي إلى تجسّد ابن الله. ابن الله لم يكن قد دخل واستقرّ في العالم، بعد، إلاّ عندما تجسّد من الرّوح القدس، ومن مريم البتول. ساعتئذٍ، دخل إلى هذا العالم، بمعنى أنّه صار إنسانًا، أنّه تجسّد. فبدخول الرّبّ يسوع إلى العالم، اكتمل الدّور الّذي أدّته الشّريعة وأدّاه الأنبياء؛ لانّ الشّريعة والأنبياء، أي كلّ العهد القديم، كانوا يشيرون إلى الرّبّ يسوع، كانوا يعدّون لمجيء مسيح الرّبّ. فمسيح الرّبّ قد أتى، وأتى إلى المجمع. أتى ليجمع، إنّما ليجمع النّاس إليه، وإلى الآب السّماويّ. هنا، دخل الرّبّ يسوع في مشادّاة مع رئيس المجمع. رئيس المجمع يمثّل الفكر اليهوديّ، الّذي كان سائدًا في زمن الرّبّ يسوع. هذا الفكر كان، في الحقيقة، غريبًا عن الله. فقد بالغوا في أحكام يوم السّبت، حتّى إنّ هذا اليوم، بدل أن يكون يوم الرّاحة، بالفعل، صار يوم التّعب، يوم الضّيق، يوم الإزعاج. إذًا، دخل الرّبّ يسوع في مواجهة مع رئيس المجمع، ومن ثمّ مع الفكر اليهوديّ برمّته. وبذلك، أعطانا المعنى الحقيقيّ ليوم السّبت. كلّ المعاني، الّتي سبق أن أعطيت للسّبت، لم تتضمّن الرّاحة الحقّ؛ لأنّ هدف الشّريعة كان معرفة الخطيئة. لكنّ معرفة الخطيئة ليست مريحة أبدًا. معرفة الخطيئة تؤدّي إلى الدّينونة والموت. حين يعرف الإنسان أنّه قد أخطأ، وأنّ الخطيئة تؤدّي إلى الموت، لا يكون قد بلغ الرّاحة الحقيقيّة. لكن، كان لا بدّ، أوّلاً، من أن يعرف الإنسان ما هي الخطيئة. أمّا هنا، فالرّبّ يسوع يقدّم نفسه باعتباره هو السّبت الحقيقيّ، هو الرّاحة الحقيقيّة. البشريّة مدعوّة إليه، لترتاح. “تعالوا إليّ، يا جميع المتعبين والثّقيلي الأحمال، وأنا أريحكم“. أنا أريحكم. الرّاحة، إذًا، تأتي من الرّبّ يسوع. الرّبّ يسوع هو الرّاحة الحقّ!.

   هنا، كيف يُعبَّر عن هذه الرّاحة؟ يعبّر عن هذه الرّاحة بأنّ هذه المرأة، الّتي كانت منحنية وممتلئة مرضًا، أراحها الرّبّ يسوع بوضع يديه عليها؛ وفي الحال، استقامت، أي إنّها شفيت من علّتها. علّة الإنسان الأساسيّة هي الخطيئة. أتت الشّريعة وقالت: هذه خطيئة!. لكنّها لم تقل كيف تُنزَع الخطيئة؟ أتى الرّبّ يسوع، بالضّبط، ليرفع خطايا العالم. جاء ليحرّر الإنسان، ليريحه بنزع الخطيئة من العالم. لهذا، الأمر الأساسيّ، الّذي جاء الرّبّ يسوع من أجله، هو، بالضّبط، أن يستعيد خليقته من سيطرة الشّيطان عليها. هذا معبَّر عنه بالقول إنّ الرّبّ وضع يديه الإثنتين على رأس هذه المرأة المنحنية. في اللّغة العربيّة، حين يقول أحد إنّه وضع يده على أمرٍ معيّن، فهو لا يقصد أنّه وضع يده عليه، فقط. وضع اليد معناه أنّ ما أو مَن أضع يدي عليه أصير أنا سيّدًا عليه. الرّبّ الإله، بوضع يديه على هذه المرأة، وضع يده على الخليقة بأسرها. استردّها من تسلّط الشّيطان عليها. صار هو سيّدها، كما كان في البدء سيّدًا لها. إذًا، الرّبّ وضع يديه الإثنتين على المرأة، واستردّ خليقته. وفي الحال استقامت. استردّت عافيتها. عادت إلى سيّدها الأوّل!.

   إذًا، الرّبّ أتى ليريح النّاس بنزع الخطيئة من جهةٍ، وباستعادة خليقته إليه من جهةٍ أخرى. أضف إلى ذلك أنّه أتى ليعطي الخليقة روحه القدّوس. كيف؟ الرّاحة لا تكتمل، في الحقيقة، إلاّ بإعطاء الرّوح القدس. لفظة “راحة” تأتي من “روح”. الرّاحة من مصدر الرّوح. الرّاحة الحقيقيّة للإنسان معناها أن يسكن روح الله فيه. عندما يسكن روح الله فينا، إذ ذاك، نبلغ الرّاحة الحقّ في حياتنا. لهذا، غاية الحياة المسيحيّة أن يسكن روح الله فينا. إذ ذاك، ندخل في الرّاحة الحقّ، في الرّاحة الحقيقيّة. إذ ذاك، يكون للإنسان فرح، ولا ينزع أحدٌ فرحه منه. لهذا، ما قالته قراءة اليوم، في نهاية النّصّ، كان أنّ الجمع فرح بجميع الأمور المجيدة، الّتي كانت تصدر من يسوع. القصد هو أن يبلغ  الإنسان الفرح الحقّ، الذي لا يُنزع منه. الرّبّ الإله، من البداية إلى النّهاية، يشاء أن يعطينا فرحه. لهذا، يصرخ الرّسول بولس الفرحَ، في أكثر من مكان، في رسائله، كما في الرّسالة إلى أهل فيليبّي: “افرحوا، وأقول أيضًا افرحوا.” هناك من يحاول أن يصوّر أنّ المسيحيّة هي دين الحزن. لا، المسيحيّة هي الفرح الّذي لا يُنزَع من الّذين يؤمنون بالرّبّ يسوع المسيح. حتّى الصّليب لا يشير، أبدًا، إلى الحزن، بل إلى الفرح الكبير. لهذا السّبب، في الكنيسة الأرثوذكسيّة، إذا نظر الإنسان إلى وجه المصلوب، فلا يرى، أبدًا، علامات الحزن وعلامات الموت. انتبهوا للصّليب الأرثوذكسيّ. يرى الإنسان الرّبّ يسوع مسمّرًا، لكنّ عينيه مفتوحتان. هو في سلامٍ عميق. وهذا السّلام يعكس، في الحقيقة، الفرح الّذي حقّقه الرّبّ يسوع، لمّا أعطى حياته للبشريّة باقتباله الموت على الصّليب. حين تعطي الأمّ لياليها لأولادها وتتعب، هل هذا يشير إلى الحزن؟ لا بل هذا يشير إلى الفرح، فرح الحبّ الكبير!. هذا يشير إلى العطاء العظيم!. لكن، طبعًا، في هذا العالم، لا يمكن البشريّة أن تفرح إلاّ إذا أحبّت!. ولا يمكنها أن تحبّ إلاّ إذا بذلت نفسها!. بكلام آخر، الصّليب هو الّذي يأتي بالفرح إلى كلّ العالم. لا أحد يحبّ، بمعنى الكلمة، إن لم يكن مستعدًّا لأن يتعب، ولأن يبذل نفسه لأجل الآخرين. إن لم يكن الإنسان مستعدًّا لأن يبذل حياته للرّبّ الإله، فلا يمكن، أبدًا، أن يسكن فرح الرّبّ فيه. هنا، لا بدّ لنا من أن نعاني، لا بدّ لنا من أن نتألّم، حتّى نتمكّن من أن نحبّ. ومتى أحببنا، إذ ذاك تكون لنا حياةٌ أبديّة. لذا، الصّليب، بالنّسبة إلينا، علامة الفرح، لا علامة الحزن، أبدًا. ليس الصّليب، أبدًا، علامة الاندحار، كأنّ الرّبّ خسر المعركة. الصّليب هو علامة الانتصار؛ لأنّ بقاء الرّبّ يسوع مسمّرًا على الصّليب حتّى الموت يعني أنّه أحبّ البشريّة حتّى الموت. لو كان الموضوع موضوع مواجهة بالقوّة بينه وبين اليهود، لما كان قد صُلب، ولكان قادرًا أن يطلب من أبيه السّماويّ، كما قال، إثنتي عشرة فرقةً من الجنود السّماويّة. كان قادرًا، بسهولةٍ، بكلمةٍ واحدة، أن يبيد كلّ الشّعب العبريّ وكلّ البشريّة. لكن، هو جاء ليخلّص ما قد هلك. جاء ليبذل نفسه من أجل البشريّة، ليخلّص البشريّة؛ لأنّه أحبّ البشريّة. لم يكن الرّبّ مَن اختار الصّلب. فقط قبله!. النّاس ابتعدوا عنه لدرجة أنّهم أصبحوا غرباء عنه، لدرجة أنّ مَن أتى لأجلهم اعتبروه مضرًّا لهم. لهذا، صلبوه، وهو قَبِل الصّليب. قَبِل الصّليب، لأنّه أحبّهم، ولم يشأ أن يعاملهم بالمثل. “اغفر لهم، يا أبتاه، لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون”!.

   لهذا، أعود فأقول: بالصّليب أتى الفرح إلى كلّ العالم. نحن أبناء الفرح. ولكن، لا نأتي الفرح بأن نصنع حفلةً، ونعزف، ونغنّي، ونرقص… هذا لا يأتي بالفرح. هذا يأتي ببعض المسرّات العابرة. لكنّ الفرح الّذي ينبع من القلب المحبّ، الفرح الّذي لا يمكن لأحد أن ينزعه منّا، الفرح الّذي نستمدده من فوق، من عند أبي الأنوار، هذا الفرح لا يمكننا أن نحصل عليه إلاّ إذا أحببنا، إلاّ إذا بذلنا أنفسنا من أجل الإخوة. لهذا، الوصيّة الوحيدة، الّتي أعطاها الرّبّ يسوع، هي: “أحبّوا بعضكم بعضًا، كما أنا أحببتكم”. نحن أبناء المحبّة. إذًا، نحن أبناء الصّليب؛ لأنّه لا يمكن الإنسان أن يحبّ ما لم يكن مستعدًّا لأن يموت من أجل الآخرين، لأن يبذل نفسه عن الآخرين. إذا لم تربِّ الأمّ أولادها بالمحبّة، إذا لم تتعب، إذا لم تُعطِ دمًا، إذا لم تُعطِ روحًا، فلا يمكنها أن تنشّئ أولادها على المحبّة. في الحرب العالميّة الأولى، قاموا باختبار. أتوا بفئتين من الأطفال. قسم وضعوه في عنبر، وأمنّوا له كلّ حاجاته. والقسم الثّاني أمّنوا له كلّ العناية الأمّهيّة: الحنان، والعطف، واللّطف، بالإضافة إلى حاجاته المادّيّة. بعد فترةٍ من الزّمن، رأوا أنّ كلّ الأطفال في العنبر الأوّل ماتوا. أمّا الأطفال الّذين كان لهم مَن يعتني بهم، مَن يحبّهم، مَن يحنّ عليهم، فقد فعاشوا كلّهم!.

   إذًا، الإنسان، في الحقيقة، لا يحيا إلاّ بالمحبّة. ولكي يحبّ، لا بدّ له من أن يحمل صليبه، كلّ يوم، ويتبع المعلّم؛ أي لا بدّ له من أن يسلك كما سلك المعلّم بمحبّته للبشريّة. كما سلك هو، هكذا نسلك نحن، من جهة بعضنا البعض. على هذا النّحو، نأتي إلى المحبّة، ومن ثمّ إلى الحياة، فإلى الفرح. وفرحنا يدوم إلى الأبد. آمين.

الأرشمندريت توما (بيطار)، رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي ، دوما – لبنان

عن “نقاط على الحروف”، 4 كانون الأول 2016

 

 

 

الحلقة المفقودة: صليب المحبّة.