...

2 كلمات روحية

 

24- “الحياة الأكثر وفرةً” (يو10: 10)  الّذي يُظهِرُها لنا القُدّاس الإلهيّ هي حياة الله بالذات. لا بل إنّها الله نفسه  الّذي يسمح لنا بمشاركته، ويعطي العالم وحياتنا معنى إيجابيًّا. فبفضل القدّاس الإلهيّ في الكنيسة، يصبح وجود كُلٍّ منّا مرقاةً إلى الشركة الأبديّة مع “المطلَق”، لا “وهمًا كَونيًّا” كما يُصَوِّرُه الشرق الأقصى. وهذا “المُطلَق” هو شخص، وليس شيئًا. إنّه كائنٌ فائق السموّ، ولكنّه يحبّني. هذا المفهوم لا يمكن أن تقبلَه حركات التصوّف الشرقيّة الّتي تقول بالحُلوليّة، وبذوبان الشخص في محيط اللامتناهي. وحدَها المسيحيّة تجرؤ وتنادي الله عن حقٍّ “أبانا”. في الحضارات الأخرى، هذا الاسم له معنى الاستعارة.

25- إنّ المسيح لم يأتِ ليؤسّس ديانةً أُخرى، لها أنظمتها ومحرَّماتها، تُسْهِمُ في حُسْنِ سَير المجتمع. لا، أتى أوّلاً ليُحَرِّرَنا من الموت، أي من عُزلة الفَردانيّة (individualisme) والخِناق  الّذي تُطوِّقُنا به. أتى ليفتحَ لنا طريقَ السماء، طريقَ الشركة مع الله، والاشتراك في جسده المقدّس.

26- ليست المسيحيّة “مؤسَّسة” من مؤسَّسات هذا العالم، بل هي حدَث الخلاص  الّذي أتمّه شخص الإله المتأنّس. إنّها حدَثٌ وَقَعَ في مكان وزمان محدَّدَين، في فلسطين المحتلّة من الرومان، ولكنّها حدثٌ مستمِرٌ في سرّ الكنيسة.

27- يؤكّد الأب بورفيريوس أنّ المسيح لم يأتِ ليسود علينا، أو ليفرض علينا شريعةً، إنّما ليصيرَ “أخانا” و”صديقنا الحميم”. أتى لِيصِلَ بنا إلى ذَوقِ حَضرةِ الله في صَميم جَسَدِنا. ليس المسيح حكيمًا من حُكماء هذا العالم، ولا مُتنفِّذًا جبّارًا، إنّما هو مِلْءُ العذوبة والمحبَّة  الّذي يُقَرِّبُ لنا ذاته لنتناولها.

28- تتألّهُ طبيعتُنا البشريّة بأسرها في المسيح يسوع، ، فبعد أن انتصر المسيح مرّةً وإلى الأبد. أعتقَنا ابنُ الله المتأنِّس من الموت بقيامته، بل أكثر من ذلك، لقد رَفعَ جسدَ الإنسان إلى كرامةِ الجلوس عن يمين الآب معَه، فوق الملائكة وسائرِ القوّات السماويّة.

29- إذا عرفنا أن ننظر بعيون الإيمان المتجلّيّة، يمكننا أن نرى القدّيسين حاضرين في نشاطات الكنيسة كلّها، سواءٌ من خلال أيقوناتهم، أو باستدعاء أسمائهم، أو بتذكاراتهم السّنويّة، أو في أسمائهم الّتي نُطلقها على الأولاد، وعلى القُرى، وعلى الأشياء، طلبًا لشفاعتهم. يستحيل على المرء أن يكون مسيحيًّا أرثوذكسيًّا من غير أن يكون في شركة “القدّيسين جميعًا”، كما يقول القدّيس يوستينوس بوبوفيتش (†1979).

30- وعى المسيحيّون شركتهم هذه مع القدّيسين، فسُمّوا “قدّيسين” لأنّهم مدعوّون إلى القداسة في جملة سلوكهم (1كور1: 2). نحن ندعو بعضُنا بعضًا “إخوة”، من غير تكلّفٍ عاطفيّ، لأنّنا أضحينا أبناء الآب السماويّ الواحد بالروح القدس مع المسيح،  الّذي “هُوَ بِكْرٌ بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ” (رو8: 9).

31- في الكنيسة، ليست علاقاتنا بشريّةً أخويّةً فحسب، تظهر من خلال التعاون والمحبّة -وقد باتا نادرَين في المجتمع العلمانيّ  الّذي تَحكُمُه المَصالحُ الشَّخصيّة-، إنّما أضحتْ هذه العلاقاتُ مَراقيَ تَصعدُ بي شخصيًّا إلى الله. إنّها مملوءةٌ من طاقات التألُّه الّتي تصِلُ بي إلى “القداسة” بدَوري، من خلال اختبار الروح القدس اختبارًا حيًّا.

32- أن نحيا مسيحيًّا يعني بالتالي أن نستجيب لنداء المسيح ونتبعه في صعوده إلى السَّماء، ليصير كلٌّ منّا إلهًا بمشاركة مواهب الروح القدس. ويذهب الآباء أبعد من ذلك، فيُعلّمون أنّ الإنسان مدعوٌّ ليصير كلّيًّا كما هو الله، أي أن يشاركه الأبديّة والخلود، والأزليّة، لا بالطبيعة، بل بالمشاركة. “مُّتَّحِدًا كلُّه بالله كُلِّه، في تداخل تامّ، وصائرًا كلّ ما هو لله، ما عدا المساواة بالجوهر، ومتلقِّيًا الله كلًّه بدلاً عن ذاته”.[1]

33- كيف نصير قدّيسين؟ الأمر سهل: يكفي أن نؤمن بأنّه ممكن، وأن نتبع الطريق الّتي رسَمَها السالِفون، فنسيرَ في خطى تراث القداسة في الكنيسة، وهو خبرة الروح القدس تتناقلها الأجيال.

34- لم يكن القدّيسون كائنات غريبة من كوكب آخر، بل بشرًا مثلنا، أَشْغَفَهم عشقُ الله، والاقتداء بالمسيح. فقرّروا أن يُضحّوا بكلّ ما لديهم من أجل الانصراف إلى هذا الحبّ، من غير أن يتنازلوا لقِيَم هذا العالم الزّائلة. إنّهم أناسٌ عَزَموا على اتّباع الحَمَل حتى موتِه على الصليب، من أجل أن يختبروا قيامته وحياته الإلهيّة.

35- الطريق إلى القداسة تبدأ بأن نَعي بُطلان ما يمكن أن يُوَفِّره لنا العالم، وأن نُدرك حالة انفصالنا عن الله. و”التوبة” هي الرغبة في التغيير، في أن نعطي معنًى لحياتنا.

36- أن نحيا كتلاميذ للمسيح في عالم بعيد عن الدّين، يعني أوّلاً ألاّ نخجل باختلافنا عن الآخرين، وأن نعترف بإيماننا من غير تَردُّد عند الحاجة، ولو تعرّضنا لهُزء الآخرين. “طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ … وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي” (متى5: 11).

37- الاعتراف بالإيمان عمليًّا في حياتنا اليوميّة يتضمّن أيضًا رفض المساومات لروح العالم والخطيئة. من أجل ذلك علينا أوّلاً أن نعرف المبادئ الخُلُقيّة والرّوحيّة للكنيسة لكي نستطيع أن نُمَيِّز ما لا يوافق هويّتنا المسيحيّة في المجتمع المحيط بنا. فمعظم أبناء عصرنا يتجرّعون من غير تمييز كلّ ما يُعرَض عليهم في الإعلام، من غير أن يُدركوا ما فيه من المعاني المضادّة للمسيحيّة كُلَّ التضادّ، إلى حدّ التجديف أحيانًا.

38- لنتحرّر من الأصنام الّتي صنعها الفرعون الجديد، أي الإعلام. فالمسيح يدعونا إلى الحرّيّة الحقيقيّة. ومهما يتحتّم علينا مِن تعاطٍ مع التِّكنولوجيا، فعلاقتنا بوسائل الإعلام والتواصل ينبغي أن تنتظم وفق مبدأ الحاجة، لا المُتعة، ولا الكسل. فالصوم عن المعلومات أهمّ من الصوم عن الطعام.

39- ينطوي العيش في الكنيسة على مشاركة سرّ التألّه، سرّ التقديس. فكلُّ تحجيمٍ لأَبعاد المسيحيّة إلى مستوى الخُلُقيّات البَحْتَة هو انحراف. المسيحيّة ليست ديانةً، بل هي الذَّهاب إلى أقصى الحدود، هي ثورة جذريّة، هي النار الّتي جاء الربّ ليُلقيها على الأرض. ومَن شَعَرَ بهذه النار في قلبه يصير مجنونًا من أجل الله، لا ليهدم نواميس المجتمع، بل ليُكمّلها ويسمو عليها.

40- من صفات الشباب المسيحيّ الشَّجاعة ورفض المساومة إزاء روح العالم. لا ينبغي الجزع والخوف، بل التصدّي بثبات لإغراءات الدُّنيا. فهروبُ الشابّ من أمام التجربة ليس علامة جُبن بل عنوان مَجده. وعلينا اتّخاذ بأس الشّباب من الشّهداء مثالاً.

41- أن يكون المرء مسيحيًّا يعني أن يقتني رُقيًّا خُلُقيًّا لا يسمح له بإبرام الصَّفقات مع سفاهة الحياة الدّنيويّة وما فيها من ابتذال، ولكن من غير أن يُعادي المجتمع.

42- التحرُّر الجنسيّ المزعوم لا يَنتُجُ عنه إلاّ وقوع الإنسان في حلقة مُفرَغَة لتعاقُب اللّذّة فالشَّهوة. كلُّ تلذّذ جَسديّ يولِّدُ فيه شهوة جديدة ويُغلِق عليه في الموت.

43- الانتباه إلى حاجة القريب والمحبّة في تفاصيل الحياة “اللطف ونبل الأخلاق” ميزة القدّيسين وعنوان المناقبيّة المسيحيّة في وجه السّفاهة والبذاءة الّتي يروّجها عالمنا المعاصر.

44- إنّ مثالنا الأعلى ومَنشأ الجهاد في حياتنا هو أن نذوق الحياة الأبديّة وننشر حولنا فرح انتصار المسيح على سائر أشكال الموت. فالمسيح لا ينفكّ يقرع باب قلبنا، منتظرًا أن نفتح له.

45- فلنتعلّم أن نستغلّ الوقت حسنًا، لأنّ الفُرص الّتي نُفوّتها لا تتكرّر. كلّ لحظة من حياتنا محمّلة بالأبديّة، ويمكن أن تصير سُلَّمًا إلى ملكوت الله. أن نفتدي الوقت، يعني أن نجد الفرَص المناسبة لاقتحام ملكوت السماوات، فنغدوَ ورثةً له “مع القدّيسين جميعًا”.

منشورات دير مار ميخائيل

بقعاتا – نهر بسكنتا

 

[1] القديس مكيسموس المعترف، “الغامضات” 41، مجموعة كتابات الآباء اليونان Patrologia graeca (PG 91 1308).

 كلمات روحية