...

كلمة الراعي هكذا أحبّ الله العالم

في أيقونة الصليب التقليديّة نرى المسيح معلّقًا على الصليب. عيناه المغلقتان تشيران إلى حقيقة الموت الجسديّ، ولكنّ رأسه المنحني قليلًا نحو والدة الإله يؤكّد أنّ «الحياة رقدت والجحيم تنهّد مرتعدًا» (خدمة جنّاز المسيح). رقاد المخلّص أصبح مدخلًا لنا إلى الحياة. ومنذ تلك اللحظة ننتقل جميعًا بالمسيح يسوع، وعلى مثال العذراء مريم «من الحياة إلى الحياة». وكأنّ السيّد في الأيقونة يتفوّه على الصليب بما تنشده الكنيسة في خدمة جنّاز المسيح: «يا أمّي إنّ الأرض حجبتني بإرادتي، وأمّا بوّابو الجحيم فارتعدوا لمشاهدتهم إيّايّ… لأنّي قهرت الأعداء بالصليب بما أنّي إله».

والصليب في الأيقونة ذو ثلاثة أصعدة: الصعيد الأفقيّ الأسفل، تحت قدمي يسوع يرمز إلى «عصا قوّة الربّ» (مزمور ١٠٩: ٢)، ميزان العدالة، صلة الوصل بين الملكوت والجحيم. لذلك فإنّ الخشبة السفلى تبدو منحنية قليلًا إلى أسفل «النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه… كان في العالم… والعالم لم يدركه» (يوحنّا ١: ٥ و١٠). المسيح يسوع أدين عنّا أمام عدل الآب فرفع عنّا صكّ المعصية «إلى خاصّته جاء وخاصّته لم تقبله وأمّا كلّ الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله» (يوحنّا ١: ١١-١٢).

أمّا الصعيد العموديّ فينطلق من مغارة سوداء، من الجحيم، من مكان دفن آدم الأوّل حسب التراث، ويرتقي إلى السماء. والمصلوب مشدود على الخشبة حملًا مجنّحًا يرتقي الصليب سلّمًا إلهيّة من الجحيم إلى السموات: «لم يصعد أحد إلى السماء إلّا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء» (يوحنّا ٣: ١٣) وحسب ما نقل بولس الرسول قول السيّد هذا: «الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكلّ» (أفسس ٤: ١٠)، وبه نُنتَشل نحن من جحيمنا ونرتقي إلى عرش الآب. الابن يمثّل الحدّ الفاصل، ميدان المعركة، في عمليّة انفصال العالم عن الله واتّصاله بالله.

ثمّ نرى في الأيقونة خلف الصليب أسوار أورشليم إذ إنّ المسيح صُلب خارج الأسوار ليُظهر لنا أنّه «ليس لنا هنا مدينة باقية لكنّنا نطلب العتيدة» (عبرانيّين ١٣: ١٤). ويدا المصلوب ممدودتان فوق أسوار المدينة تأكيدًا للبعد الكونيّ للصليب: «قد بسطتَ كفّيك يا مخلّص فجمعت المتفرّقات منذ القديم» (الأودية الثالثة من خدمة الجنّاز). عند أسفل الصليب إحدى نساء أورشليم وقائد المئة يمثّلان الإنسانيّة التي جُمعَت هكذا إلى الآب إذ دخل الابن، الكلمة الأزليّ ظلمة الموت «متسربلًا بالنور كالسربال».

وعن يمين المخلّص تقف والدة الإله في ثوب أحمر قاتم ثوب النفس العذريّة المتألّمة، وهي تشير إلى المصلوب وكأنّها ترى عبر الصليب، فجر القيامة: «إنّ التي ولدتك بغير زرع رأتك معلّقًا على عود هتفت بمرارة.. لست احتمل مشاهدة صلبك ظلمًا، فانهض مسرعًا لأشاهد قيامتك (خدمة أناجيل الآلام). ويوحنّا الحبيب يبدو منتصبًا إلى يسار الصليب، ورأسه منحنٍ قليلًا نحو المخلّص، وعيناه لا تتّجهان إلى من يمتثل أمام الأيقونة، بل إلى الداخل، إلى صحراء غير منظورة حيث تبع التلميذ سيّده في ألم التخلّي الإلهيّ مرتقبًا فجر القيامة.

في الصليب، ابن الله الوحيد يأتي أمام عرش الآب «ابن الإنسان» مثلنا. آدم الثاني يتّخذ على نفسه دينونة آدم الأوّل في معاناة الجثسمانيّة: «الآن نفسي قد اضطربت… ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة» (يوحنّا ١٢: ٢٧). المسيح يسوع يصبح بملء اختياره دينونة لأجلنا.

جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

 

الرسالة: غلاطية ٦: ١١-١٨

يا إخوة، انظروا ما أعظم الكتابات التي كتبتُها إليكم بيدي. إنّ كلّ الذين يريدون أن يُرضُوا بحسب الجسد يُلزمونكم أن تَختتنوا، وإنّما ذلك لئلّا يُضطهدوا من أجل صليب المسيح، لأنّ الذين يختتنون هم أنفسهم لا يحفظون الناموس بل إنّما يريدون أن تختتنوا ليفتخروا بأجسادكم. أمّا أنا فحاشى لي إن أفتخر إلّا بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلِب العالم لي وأنا صُلبت للعالم؛ لأنّه في المسيح يسوع ليس الختان بشيء ولا القلف بل الخليقة الجديدة. وكلّ الذين يسلكون بحسب هذا القانون فعليهم سلام ورحمة، وعلى إسرائيلِ اللهِ. فلا يجلبْ عليَّ أحدٌ أتعابًا في ما بعد فإنّي حامل في جسدي سِماتِ الربّ يسوع. نعمة ربّنا يسوع المسيح مع روحكم أيّها الإخوة، آمين.

 

الإنجيل: يوحنّا ٣: ١٣-١٧

قال الربّ: لم يصعد أحد إلى السماء إلّا الذي نزل من السماء، ابن البشر الذي هو في السماء. وكما رفع موسى الحيّة في البرّيّة، هكذا ينبغي أن يُرفع ابن البشر لكيلا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة، لأنّه هكذا أَحَبَّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد لكيلا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة. فإنّه لم يرسل الله ابنه الوحيد إلى العالم ليدين العالم بل ليخلِّص به العالم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كلمة الراعي

هكذا أحبّ الله العالم