...

كلمة الراعي حكمة الغفران والمصالحة في خدمة المديونين

يرسم مثل محاسبة المديونَين معالم طريقنا الصاعد إلى الله أو بالحريّ النازل منه إلينا، والطريق الذي يصلنا الواحد بالآخر وبحياة الجماعة بأشكالها المختلفة، سواء البيتيّة أو الرعويّة أو الديريّة أو الكنسيّة. رسمت خبرة العبد الشرّير سلسلة من الملاحظات التي تعيننا؟ في تحمّل أعباء حياة الشركة، وكيفيّة نموّها وسبل الحفاظ عليها. فما هي الحكمة التي غابت عن أفق العبد الشرّير والتي يجدر بنا أن نتعلّمها ونقتنيها ونشهد لها؟

أوّلًا، غاب شكر الله على إحساناته من أعماق قلبه. متى تأصّل هذا الشكر فينا، يصير منطلقًا لحياتنا الجديدة. لم يدرك العبدُ الشرّير عظمَ غفران الملك على خلفيّة إعفائه إيّاه من دين كبير جدًّا. لم تلامس نعمةُ الحياة الجديدة هذه كيانَ العبد، لربّما لأنّ عينه شرّيرة، أو روحه جشعة، أو قلبه قاسٍ. عمومًا لم يفعم قلبه بمحبّة الملك، – والمقصود هنا هو الله-، بل كان ممتلئًا بدَين زهيد لأحد أترابه عليه! لقد غاب الشكر عن قلبه!

ثانيًا، غاب اعتبار أنّ الغفران الممنوح له من الله أُعطي على سبيل النعمة ولا يشكّل حقًّا مكتسبًا. اكتفى العبد الشرّير بنجاحه في استمالة عطف الملك وبشطب الدَين، بيد أنّ الملك أعطاه أمرًا أعظم، وهي فرصة الانتقال من بليّة حالته القديمة إلى نعمة حالته جديدة عبر العمل على استثمار هذه النعمة للتحرّر من العلّة التي قادته إلى تكوين هذا الدَين، أي من الشهوات والشرّ المعشّش فيه. فما ظنّه حقًّا كان فضلًا من جهة، ونعمة مجّانيّة بغية استثمارها، من جهة أخرى. غابت هذه الحكمة عن وجدانه!

ثالثًا، غاب الإحساس بخطيئته. بدا العبد الشرّير منغمسًا في المادّيّات وتحصيل حقوقه. نسي حقيقة وضعه، فهو ما زال عبدًا لدى الملك الغفور، وحياته الجديدة هي هبة. فلو كانت خطيئة هذا العبد أمامه في كلّ حين، لكان ساعده هذا التدريب الروحيّ على ضبط ذهنه وشهوة قلبه عن طلب ما هو ثانويّ،

ولكان الاتّضاع الذي هزّه إبّان محاسبة الملك له قد تأصّل أكثر في أعماقه، ولكان دخل في سياق روح الغفران الممنوح له. هكذا غابت عنه حقيقته أمام الله!

رابعًا، غابت محاسبة الذات ولومها. حاسب الملك عبده الشرّير، وهذا الأخير حاسب أحد رفاقه في العبوديّة. ما غاب هنا هو أن يحاسب العبد الشرّير ذاته على ماضيه، أي ما أدّى به إلى تكوين دَين عظيم، وعلى حاضره، أي أنّه قائم اليوم بفضل القادر على أن يجعله قائمًا، وليس بفعل قدرته الذاتيّة. فلوم الذات ومحاسبتها يهذّبان مَن يرغب في أن يعيش على إيقاع عطيّة الله الممنوحة لها. فمحاسبة الملك كانت المدخل ليتعلّم العبد أن يحاسب نفسه. هكذا غابت عنه حقيقة نفسه!

خامسًا، غاب الانفتاح على واقع الحال الجديد. بغياب الشكر، والإحساس بالفضل، والإحساس بالخطيئة، ومحاسبة الذات ولومها، نصل إلى حالة انغلاق العبد الشرّير على معطيات واقعه القديم، من دون أن ينفتح على الواقع الجديد الذي ظهر في حياته، وأن يلاقي هذه العطيّة بخطوات تعكس قبولها لها. آثر أن ينزوي على ما كان عليه، فلا هو انفتح على الملك ولا على رفاقه، ولا اجتهد في أن ينطلق إلى الأمام. صحّ فيه القول: «ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله» (لوقا ٩: ٦٢). غابت عنه حقيقة الجماعة بالروح التي زرعها الملك فيها!

سادسًا، غاب الفرح الشخصيّ وفرح الجماعة بالواقع الجديد. طمر العبد الشرّير النعمة مذ تلقّاها، فحرم منها نفسه ولم يفرح بها، ولا شارك أحدًا فيها، فحرم أترابه منها بمحاولته محاسبة أحدهم بطريقة عنيفة جدًّا. هكذا وضع نفسه تحت طائلة العقوبات: «فإنّ مَن له سيُعطى ويُزاد وأمّا مَن ليس له فالذي عنده سيؤخَذ منه» (متّى ١٣: ١٢)، وفَقَد «النصيب الصالح الذي لن يُنزَع منه» (لوقا ١٠: ٤٢).

وأخيرًا، غاب تقديم العبادة الحقيقيّة عن حياة العبد الشرّير. بالحقيقة هو سجد أمام الملك، لكنّ حركة السجود-العبادة كان يلزم أن ترافقها الخطوات الآنفة الذكر ليدخل في حركة تسبيح الله وشكره وتمجيده والتي تميّز القائمين في ملكوت الله. غياب الغفران في قلبه وأن يمارسه مع أترابه أقصاه عن هذه الجماعة، فأقصى تاليًا نفسه عن هذا الملكوت. فالعبادة هي تتويج لهذه الخبرة، خبرة الغفران والمصالحة. استهتر العبد بالزرع الإلهيّ المعطى له، فحصد ما زرعه استهتاره وانغلاقه والشرّ المستحوذ عليه!

ساعدنا سلوك هذا العبد المدين الشرّير على اكتشاف عناصر الحكمة، التي يجدر بها أن تزيّن معشرنا وعلاقاتنا وتربيتنا وحياة الجماعة والعبادة التي نقدّمها لله. إنّها الحكمة التي دلّ عليها الربّ والكامنة في انتهاره لهذا العبد: «أفما كان ينبغي أنّك أنت أيضًا ترحم العبد رفيقك كما رحمتُك أنا؟» (متّى ١٨: ٣٣). هلّا طلبنا إلى الربّ أن يهدينا سبيلها؟

+ سلوان مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

 

الرسالة: ١كورنثوس ٩: ٢-١٢

يا إخوةُ إنَّ خاتَمَ رسالتي هو أنتم في الربّ، وهذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني. ألعلَّنا لا سلطانَ لنا أن نأكل ونشرب، ألعلَّنا لا سلطانَ لنا أن نجول بامرأةٍ أختٍ كسائر الرسل وإخوة الربّ وصفا، أم أنا وبرنابا وحدَنا لا سلطانَ لنا أن لا نشتغل؟ مَن يتجنَّدُ قطُّ والنفقة على نفسه؟ مَن يغرس كرمًا ولا يأكل من ثمره؟ أو من يرعى قطيعًا ولا يأكُل من لبن القطيع؟ ألعلّي أتكلّم بهذا بحسب البشريّة أم ليس الناموس أيضًا يقول هذا؟ فإنّه قد كُتب في ناموس موسى: لا تَكُمَّ ثورًا دارسًا. ألعلَّ اللّه تُهِمُّهُ الثيران، أم قال ذلك من أجلنا لا محالة؟ بل إنّما كُتِبَ من أجلنا. لأنّه ينبغي للحارث أن يحرُثَ على الرجاء، وللدارس على الرجاء أن يكون شريكًا في الرجاء. إن كُنّا نحن قد زرعنا لكم الروحيّات أفيَكون عظيمًا أن نحصُد منكم الجسديّات؟ إن كان آخرون يشتركون في السلطان عليكم، أفلسنا نحن أولى؟ لكنَّا لم نستعمل هذا السلطان بل نحتمل كلّ شيء لئلّا نسبّب تعويقًا ما لبشارةِ المسيح.

 

الإنجيل: متّى ١٨: ٢٣-٣٥

قال الربُّ هذا المثل: يُشبه ملكوت السماوات إنسانًا مَلكًا أراد أن يحاسِبَ عبيدَه. فلمّا بدأ بالمحاسبة أُحضر إليه واحد عليه عشرة آلاف وزنةٍ، وإذ لم يكن له ما يوفي، أمر سيّدُهُ بأن يُباعَ هو وامرأتُه وأولادُه وكلُّ ما له ويُوفَى عنه. فخرَّ ذلك العبد ساجدًا له قائلًا: تمهّل عليّ فأُوفيك كلَّ ما لك. فَرَقَّ سيّدُ ذلك العبدِ وأطلقه وترك له الدَّين. وبعدما خرج ذلك العبد وجد عبدًا من رُفَقائه مديونًا له بمئةِ دينارٍ، فأمسكه وأخذ يَخنُقهُ قائلًا: أوفني ما لي عليك. فخرَّ ذلك العبد على قدميه وطلب إليه قائلًا: تمهّل عليّ فأُوفيك كلّ ما لك، فأبى ومضى وطرحه في السجن حتّى يوفي الدَّين. فلمّا رأى رُفَقاؤُه ما كان، حَزِنوا جدًّا وجاؤوا فأعلموا سيّدهم بكلّ ما كان. حينئذٍ دعاه سيّده وقال: أيّها العبد الشرّير كلّ ما كان عليك تركتُه لك لأنّك طلبت إليَّ. أفما كان ينبغي لك أن ترحم أنت أيضًا رفيقك كما رحمتك أنا؟ وغضب سيّدُه ودفعه إلى المعذِّبين حتّى يوفي جميع ما له عليه. فهكذا أبي السماويُّ يصنع بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كلُّ واحدٍ لأخيه زلاَّتِهِ.

 

Raiati Archives

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                          كلمة الراعي

حكمة الغفران والمصالحة في خدمة المديونين