/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / على مَن تحلّ نعمة الله؟

على مَن تحلّ نعمة الله؟

poulakiM

لمـَن تزقزق العصافير؟

   على مستقيم القلب!. مَن هو مستقيم القلب؟ مَن لا يحتضن نيّة سيِّئة تجاه أحد!. لا ظنًّا ولا خداعًا ولا استغلالاً ولا إلغاء!. مَن لا يظنّ السّوء في سواه لا يمكنه إلاّ أن يرى فيه خيرًا!. ولا يمكنه أن يتظاهر بالخير لأنّه غريب عن الخداع!. ولِمَ لا يَخدع؟ لأنّه لا يروم استغلال أحد!. ليس ثمّة مَن يخدع لأجل الخداع!. وهو ليس في وارد استغلال الغير لأنّه يربأ بنفسه أن يلغيهم!. إلغاء الآخرين هو في عمق كلّ ظنٍّ سيّء بهم، وهو أساس العمل على خداعهم، ومآل استغلالهم!. ثمّ إلغاء كلِّ أحد مؤشّرٌ لتأليه الذّات!. فمَن ألّه ذاته ما أحبّ، حتّى العشق، إلاّها!. ومَن عشق نفسه ألغى، في العمق، ما عداها!. كلٌّ، إذ ذاك، يصير تهديدًا، وكلّ يُتعاطى عدوًّا!. تأليه الذّات أحديٌّ حتّى العزلة الكاملة والموت!. وجود عدميّ!. وجود يتوق إلى ذروة العدم!. انحرافٌ أقصى!. لذّته في الموت وإحداثِ الموت!. كلُّه وهمٌ وإيهام!. كلُّه كذب!. كلُّه خطيئة!. لذلك يمجّ سواه ويموت في خطيئته!.

   أمّا استقامة القلب فبذرتها الاتّضاع!. لا تأتي، في العمق، إلاّ من تواضع!. التّواضع، في القلب القويم، يبدأ انعطافًا صوب الآخرين!. والانعطاف يشقّ طريق الصّدق!. والصّدق يُنتِش الخير!. والخير يُفرِع حفظ الأمانة!. وحفظُ الأمانة يُبرعِم البذلَ!. والبذل يُزهِر الوداد!. والوداد يُثمِر الحبّ!. وبالحبّ تُجنَى العِشرةُ!. وبالعشرة تُبلَغ الصّداقة!. ومن ثَمَّ، على الصّداقة تنزل الألوهة!. وكان أن كلَّم الرّبّ الإله موسى كما يكلِّم الصّديق صديقه!. التّواضع، متى اكتمل، رَفَع، والألوهة، متى استقرّت في متواضعي القلوب، أفرغت ذاتها وأخذت صورة عبد!. في التّواضع، أبدًا، توقُ ألوهةٍ في الحقّ، وفي الألوهة عَبَقُ محبّةٍ حتّى البذل الكامل للذّات!. وأحبَّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلُّ مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة!. إله ينزل وإنسان يصعد على سلّم الاتّضاع!. يعقوب تكلّم!. والدة الإله حكت!. لأنّه نظر إلى تواضع أمته، فها منذ الآن تطوِّبني جميع الأجيال!. والرّبّ يسوع كرّس!. تعلّموا منّي فإنّي وديع ومتواضع القلب!.

   لا تقول استقامة القلب في الحقّ باطلاً ولا في الباطل إنّه حقّ!. هي الاستقامة تعلّم وترسِّخ الاستقامة!. لذا تحفظ الأمانةَ، تلقاءً، في زمن اليسر؛ ومتى اشتدّت الأحوال تشدّدت وتثبّتت؛ ومتى بلغت في الشّدّة حدَّ الاختناق جاهد مَن هي عروسَه حتّى الموت وما ارتدّ!. يصير اسم صاحبها الحقّ أمينًا!. فبعدما يقال له: لا تخف البتّة ممّا أنت عتيد أن تتألّم به، يقال له: كن أمينًا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة!. ثمّ متى جاهد وثبت وغلب يقال له: كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح ربّك!.

   على هذا، لا تدّعي استقامةُ القلب ما ليس فيها!. تعترف، بلا تردّد، صراحةً وبلا مراوغة، بأنّها لا تعرف إذا ما كانت من غير العارفين!. هذا لا يكدِّرها!. العكس يكدِّرها!. لا كرامة لها في ادّعاء ما لا تعرف!. كرامتها في أن تبقى إيّاها، في الظّاهر وفي الخفاء، أمام الله، أوّلاً وأخيرًا، وأمام النّاس حيثما دعت الحاجة والبنيان!. في هذا الإطار، تبادر، بسرعة، إلى الاعتراف بخطئها متى أخطأت!. لا تقبل الاستقامةُ الزّغل!. تمجّه وتلقيه خارجًا، كما يمجّ الجسد كلّ غريب عن نسيجه ويطرحه بعيدًا!. لا ترتاح الرّغبةُ الحقُّ في استقامة القلب، إلاّ للنّقاوة!. النّقاوة، إذ ذاك، تمسي مطلَبًا متطلِّبًا لا يَقبل الإشراك، حاجةً أحشائيّة، حاجةَ الجسد إلى الماء!. إذ ذاك تسكن الاستقامةُ في القلب قريرةَ العين كالطّفل في حضن أمّه!.

   ولا تعترف الاستقامةُ بالزّلل وحسب، أي لا تدفع صاحبَها، فقط، إلى الاعتراف بالزّلاّت؛ تسأل، بالأكثر، العفو بانكسار، ولا تستكين حتّى تحظى به!. مغفورة لك خطاياك!. اذهب ولا تعُد تُخطئ بعد!. أعظم القول لديها أن تبادر بالطّلب: سامحني!. لا تفسِّر ولا تبرِّر!. وِقفة المستعفي بصمتٍ وخشعةٍ، مطأطئ الرّأس، أبلغُ الكلام!. حتّى إن ظُلمتَ تَحسبُ نفسَك مستأهِلاً ولا تدافع عن نفسك!. تأخذ على عاتقك ما تُرشَق به بفرح، ككسب، تكفيرًا عن بادرات سابقات منك فاتتك ملاحظتُها، وتخفيفًا عن العالم أحمالَه، إحقاقًا لشركة المحبّة، وتمثُّلاً للقول السِّيّديّ أن احملوا بعضكم أثقال بعض، وهكذا أتمّوا ناموس المسيح!. مسيحك جعلك، نظيرَه، بالمحبّة، شريكًا في حمل خطايا الآخرين، دون أن تكون شريكًا فيها، حتّى يكون للآخرين بك، كامتداد لتدبير ربِّك، خلاص!. لذا لا تَصعد الاستقامة إلى فوق وحسب، بل تنعطف، في آن، على العالمين، تمدّ قلب الإله!. مؤشِّرُ أنّها أصيلة إلى ربّها، حَرْقتُها، بخاصّة، على الضّالين، وتوسّلُها من أجل “أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك وابنك يسوع المسيح”!!.

   هل الاستقامة، استقامة القلب، نعمة؟ كيف تكون، إذ ذاك، نعمة، ولاستقامتها تحلّ عليها النّعمة؟.

   هي نعمةٌ، أوّلاً، لأنّه لا تُقتنى النّعمةُ إلاّ بالنّعمة!. ماذا يعني ذلك؟ نحن بالنّور نعاين النّور، بالرّوح نأخذ روحًا!. هي النّعمة المؤازرة تقدِّمنا إلى الله، لأنّ الإنسان الطّبيعيّ، على قولة بولس الرّسول، لا يقبل ما لروح الله!. غير أنّ النّعمة المؤازرة لا تحابي!. كلٌّ برسم النّعمة!. أمّا آخذُها فالمشتاق إليها، فطالبُها، فالملحّ في طلبها!. كلٌّ، في العمق، مفطور على طلب النّعمة!. الطّبيعة، تلقاءً، مشدودةٌ، من داخلها، في ناموسها، إلى الشّمس الحسّيّة؛ والطّبيعة البشريّة إلى الشّمس العقليّة!. الخطيئة غيوم سوداء تتكثّف وتحول بين العين والمعاينة، لكنّها قلّما تحجب النّور الإلهيّ بالكامل!. فكلّما تاقت النّفس إلى المعالي، أو أنّت العون الإلهيّ، نفخ الشّوقُ الغيمَ، كريح من الرّوح، يمينًا ويسارًا لتستبين زُرقة الفلك ويسطع البهاء!. ليس غيرُ بلادة القلب ولا مبالاتِه تُبقيان الخطيئةَ رابضةً كالطّود في أفق القلب!. فإن انتفض القلب وارتجّ سؤْلاً للنّور أو وجعًا، وهو منه وإليه، فإنّ القلبَ والنّورَ، إذ ذاك، يشلِّعان بنيان الظّلمة!. وإن ثبت القلبُ وثابر، انجَلتْ آفاقُ الكيان بالكامل، وانسكب النّور، وحلّت النّعمة، بلا حرج، وبلا عائق، لتستقرّ في القلب!. توقُ روحِ الله إلى قلب الإنسان، من كَونِ قلب الإنسان مبروءًا ليستودع في ذاته روحَ الله!. الّذي بَرَأنا ثمّ سقطْنا، يُبرئنا بالنّعمة ليخلِّصنا!.

   إذًا، الكلّ مدعو إلى النّعمة، وبرسم مؤازرة النّعمة!. تعالَوا!. يشاء ربُّك أنّ الجميع يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبِلون!. الأمر رهن بكيان ينفتح على الله أو لا ينفتح!. بقلبٍ كالحيتان تعود إلى الموضع الّذي خرجت منه – رحلة آلاف الأميال – لا لتموتَ حيث وُلدت، بل لأنّ حركة الكيان هي، أبدًا، إلى الحضن الأوّل، إلى الحبيب الأوّل، إلى حيث انقدحت الحياة أوّلاً، إلى ملء الحياة!. لا يرتاح القلب إلاّ في النّعمة، في الله، لأنّه إليه أبدًا!. بِلاها يقيم في اضطراب!. حتّى في السّيكولوجيا، اكتشفوا أنّ حركة الآدميِّين، في توتّرات تفاصيل العمر، هي إلى الحشا!. والعودة إلى الحشا، ولو استبانت، في عالم السّقوط، موتًا، فإنْ هي، في عمقها، سوى توق إلى استعادة ملء الحياة الضّائعة!. الّذي قال: في يدَيك أستودع روحي، قام في اليوم الثّالث!. إنّما الحشا، في آخر المطاف، رَحِمُ الله، اللهُ عينُه!. الله رحِمٌ لأنّه محبّة!. لذا مُقامُ الخليقة حشاه!. في السّقوط يَخرج الإنسان من الحشا، وبالتّوبة يستقرّ فيه إلى الأبد!. وإنّما الحشا والقلب في الله واحد!.

   لمَن تزقزق العصافير، إذًا؟ للشّمس متى طلعت!. لجدّة الحياة متى أشرقت!. في العتمة تنام… نومة الموت!!.

 

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي، دوما – لبنان

“نقاط على الحروف”، 26 تشرين الأول 2014

على مَن تحلّ نعمة الله؟