...

قيادة البرّ

 

 
   
 
   
 
   
   
   
   
   
   

 

بعد أن دخل يسوع مدينة أورشليم، قال لعظماء الكهنة وشيوخ الشعب: “الحقّ أقول لكم إنّ الجُباة والبغايا يتقدّمونكم إلى ملكوت الله. فقد جاءكم يوحنّا سالكًا طريق البرّ، فلم تؤمنوا به. وأمّا الجُباة والبغايا، فآمنوا به. وأنتم رأيتم ذلك، فلم تندموا آخِر الأمر، فتؤمنوا به” (متّى 21: 32).

ما قضيّة هذا المعمدان الذي يبدو كما لو أنّ الله لا يريد أن ينتهي ذكره؟!

أوّلاً، يجب أن نرى، في هذه الكلمات الإلهيّة، أنّ الربّ يبني مخالفة رؤساء اليهود وشيوخهم على رفضهم يوحنّا المعمدان شخصًا. ربّما كنّا نودّ أن يستند الربّ، دائمًا، في حواراته مع أئمّة اليهود وتوبيخه إيّاهم، إلى مظاهر مخالفتهم كلمة الله. وحسبي أنّه، بما فعله هنا، لم يبتعد عمّا نودّه. فأن تكون الكلمة قاعدة أيّ حوار أو يُستند إلى أشخاص أعطاهم إخلاصهم أن يشبهوا الكلمة، هو، لعمري، أمر واحد! فشأن الكلمة، دائمًا، أن تصير جسدًا يتضوَّع منه عطر الحقّ العابق به، قولاً وفعلاً.

ثمّ يجب أنّ نرى، في كلماته أيضًا، هذه الصدمة: أنّ الجُباة والبغايا آمنوا بيوحنّا! كان اليهود يحتقرون كلّ مَنْ يخلع يدًا من طاعة (الجُباة والبغايا هنا). هذا، من صميم تأمّلنا، يعني أنّ الله لا يقذف أبوابه بوجه أحد، أيًّا كان. سقطت قواعد اليهود التي تلهّوا بها! وكانت القاعدة الحقّ، أي كلمة الله، قائمةً في يوحنّا. قال يسوع: أثمرت الكلمة في يوحنّا. أنتم شوّهتم الحقّ بجعله رسالةً إلى مَنْ تحسبونهم أبرارًا. أمّا يوحنّا، ففهم أنّ كلّ الناس، أمام الكلمة، واحد. البرّ لا ينزل مع الأجنّة، بل تُنجبه حياة الطاعة! هؤلاء الجُباة، أي اللصوص الذين يضطهدون شعبهم ويتأمرون عليهم، وهؤلاء البغايا، أي اللواتي حِدن عن الله بنشرهنّ في الأرض زنًى وفجورًا، أخذهم “طريق البرّ” الذي رأوا يوحنّا يسلكه. أنتم ما هو طريقكم؟ بِمَنْ أتيتم إلى الله؟ “من الثمر تُعرف الشجرة”. ما كان ثمركم؟ عقماء متبجّحون، هذا كلّ ما أنتم؟

لم يكتفِ الربّ بتوبيخه عظماء الكهنة وشيوخ الشعب أنّهم كانوا يزدرون الجُباة والبغايا، بل، إلى هذا وَقَبْلَهُ، أنّهم أقفلوا عيونهم وقلوبهم عن الحقّ أيضًا. قال لهم: “أنتم رأيتم ذلك”، أي تكشفّت توباتٌ أمام عيونكم. ولكنّكم أبيتم أن تُذعنوا لها. ماذا كنتم تنتظرون؟ أين كنتم تثبّتون عيونكم؟ هل تعتقدون أنّ ثمّة أمرًا، يُرضي الله، يعلو أَمْرَ أن يتوب الناس إليه! لماذا لا تفهمون؟ حتّامَ لا تريدون أن تفهموا؟ ما الذي يشغلكم؟ أتشغلكم نفوسُكم! مراياكم! “أحمالٌ ثقيلةٌ تُلقونها على أكتاف الناس، وتأبون تحريكها بطرف إصبع”! كلماتٌ تحوّلونها في أياديكم إلى عصيّ، لتضربوا الناس بها! هذه هي المؤامرة الهدّامة والبغاء النتن. هذه هي الخطيئة الكاملة: أن تفضّلوا أنفسكم على الحقّ الظاهر في أحبّته! كم مرّة قلت لكم إنّ الله لا يقوم، بالضرورة، حيث أنتم تنتظرون؟ كم مرّة قصدتم الهيكل، وكان الله خارجًا؟! والآن، كان الله في يوحنّا، خارجًا! وما دمتم “لم تندموا آخر الأمر، وتؤمنوا به”، يعني أنّكم رفضتم الله. أنتم مرفوضون. لقد “جاءكم يوحنّا”، أي إنّني أرسلتُهُ لا سيّما إليكم. أخذتم فرصتكم. أخذتموها كلّها!

هذا قاله الربّ بعد أن دخل أورشليم. كان يعرف أنّ هذه المدينة العاصية، التي لن يعود إليها ثانيةً، هي “قاتلة الأنبياء”. منها، من رجالها، كانت الأوامر البغيضة، القاتلة، تَصدر. نحن لم نرَ الربّ فيما كان يتلفّظ كلماته. ولكنّنا يمكننا أن نتصوّر أنّ حزنًا شديدًا كان يعتمره. ذكّره ما جرى ليوحنّا بما جرى لأنبياء الله قَبْلَهُ. ثُبّت له أنّه مكروه! يكرهه شعبٌ أتعبه حتّى يرعوي، ولم يفعل! لقد قال الله على لسان نبيّه قديمًا: “الكهنة لم يقولوا: “أين الربّ؟” / وأصحاب الشريعة لم يعرفوني / والرعاة عصوني والأنبياء تنبّأوا بالبعل / وساروا وراء ما لا فائدة فيه (الأصنام)” (إرميا 2: 8). أتى الربّ إليهم، أَرسل يوحنّا قَبْلاً، وأَصرّوا على غيّهم. حزينًا كان. يتكلّم بجرأة إنّما بحزن. وربّما بكى في قلبه. بكى على قساوة قلوبهم!

هل أراد أمرًا آخر في ما قاله؟ أجل! أراد أن يؤكّد، مرّةً أخرى، أنّ ملكوت الله قد حضر. قلنا عن حزنه. ورجّحنا بكاء قلبه. فهل يليق بنا أن نُخفي فرحه؟ هذه: “الجُباة والبغايا يتقدّمونكم إلى ملكوت الله” تحكي، ببلاغة لا تعلوها بلاغة، جَمال هذا الملكوت الذي لا يقوى عليه كلّ رفض وتعسّف. حضر الملكوت، إذًا. والربّ يرى أناسًا، اعتبرهم بنو جلدتهم غرباء عن رعيّة الحقّ، يتقّدمون إليه. يا لَهذا التقدّم الواثق! هل يحقّ لنا أن نرى انتصار الربّ في هذا التقدّم؟ يجب أن نرى. فدائمًا، ذكر يوحنّا ينبئ بما سيجري للربّ. سيموت يسوع أيضًـا. ستقتله المدينة القاتلة، أورشليم. لم يقل الربّ لِمَنْ يُحدّثهم، هنا، إنّكم ستقتلونني. ولكنّنا يجب أن نسمعها هي هي. ويجب، تاليًا، أن نصغي، في كلامه، إلى نغمة انتصاره. ملكًا، في هذا الحديث، بدا الربّ. ومملكته، التي نادى بها يوحنّا، قَبِلَها مَنْ قَبِلَها (الجُباة والبغايا). هذا هو ثمر التمهيد لانتصار الله الذي سيكمّله يسوع في فجر اليوم الثالث. فليبقَ عظماء الكهنة وشيوخ الشعب عظماء وشيوخًا بعضهم على بعض. باتت نهايتهم وشيكة. لا، بل إنّ مملكتهم الوهميّة قد أُزيلت. ها الملك الجديد يعلن، بصوت واثق، مَنْ هم الذين سيرثون معه، وَمَنِ الذين رموا أنفسهم، بإرادتهم، خارجًا!

لماذا ذُكر المعمدان هنا؟ صرنا نعرف. هل أزعجنا أنّ جُباةً وبغابا آمنوا به؟ ليس من إيمان ببشر (بيوحنّا أو بسواه). هذا أراده الربّ، لنؤمن، دائمًا، بأنّه قائم في كلّ برّ يقود الناس، كلّ الناس، إليه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قيادة البرّ