|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قيامة المسيح هي أساس بشارة العهد الجديد، وهي قلب كرازة الكنيسة وعبادتها وحياتها الروحية.
يقول الرسول بطرس، في أوّل عظة أُلقيت في تاريخ الكنيسة المسيحية: “أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال. يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قِبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضًـا تعلمون. هذا أخذتموه مسلّمًا بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه. لكن الله أقامه ناقضًـا أوجاع الموت إذ لم يكن ممكنًا أن يُمسك منه” (أعمال الرسل 2: 22-24).
كلّ المستمعين إلى كلام بطرس كانوا يعرفون قصّة يسوع الناصري، لكنّ الجديد في ما قاله هو أن الله أقامه من بين الأموات، هذه هي البشارة الجديدة. هذه البشارة يعتبرها بولس الرسول أساس الإيمان حين يقول لجماعة كورنثوس: “وإنْ كان المسيحُ ما قام، فتبشيرُنا باطل وإيمانكم باطل” (1كورنثوس 15: 14).
سؤال مهمّ يطرح نفسه: لماذا قيامة السيد هي أساس إيماننا؟
لم يتجسّد الله لينشئ نظامًا للتعايش بين الناس، ولا ليؤسس مملكة أرضية يسودها بنفسه، ولا حتى لكي يطلق ديانة جديدة نعبده من خلالها؛ لكنّه أتى لكي يخلّص البشر. والخلاص، حصرًا، خلاص من الخطيئة، أي من كل ما يُبعدنا عن الله.
قيامة السيد أزالت القلق حول المصير وأجابت عن السؤال الذي طالما حيّر الإنسانية: وماذا بعد الموت؟ ذلك أننا عالمون “أن المسيح بعد ما أُقيم من الأموات لا يموت أيضا، لا يسود عليه الموت بعد” (رومية 6: 9). القيامة إذًا أَعطت الوجود الإنساني معناه وأدخلتنا في عهد الرجاء، وهذا ما يدفعنا إلى القول في دستور الإيمان “وأترجّى قيامة الموتى والحياةَ في الدهر الآتي، آمين”. فقد كشفت لنا أننا لسنا مُعَدّين لموت نهائيّ، لكننا مُعَدّون لحياة أبدية ليس الموت سوى حدث بيولوجيّ ينقلنا من هذه الحياة اليها. “فإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضًـا بروحه الساكن فيكم”. (رومية 8: 11). تُحرّرنا قيامة المسيح من الخطيئة التي ملكت في الموت (رومية 5: 21).
قيامتنا تعني إذًا عبورنا إلى الحياة الأبدية في الله، إلى الملكوت الذي استبقه المسيح بقيامته “في اليوم الثالث كما جاء في الكتب”، معطيًا إيّانا أن نتذوق منذ الآن فرحة القيامة العامة التي ننتظرها. يعيدنا الحديث عن القيامة في اليوم الثالث إلى النبي هوشع القائل: “هلمّ نرجع إلى الرب لأنه هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبِرُنا. يحيينا بعد يومين وفي اليوم الثالث يُقيمنا فنحيا أمامه” (هوشع 6: 1-2).
اتخذ هذا القول، في زمن المسيح، معنى لاهوتيًا يدل على يوم القيامة العامة في نهاية العالم. فالترجوم يُفسرّه بقوله: “إن الله سيعيدنا إلى الحياة في يوم التعزيات الآتية، وفي اليوم الذي يعيد الأموات إلى الحياة، سيقيمنا فنحيا أمامه”. و يرد لدى بعض الربانيين قولهم: “اليوم الثالث، أي اليوم الذي فيه تُردّ الحياة إلى الأموات، كما ورد في هوشع: في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه”. ما كان التلاميذ، في تشديدهم على اليوم الثالث، يقصدون لحظة معيّنة. ليس واضحًا، في شهادات الأوّلين، متى جرى حدث القيامة. فنصوص الكتاب المقدس تُصرّح بأن النسوة وجدن القبر فارغًا يوم الأحد صباحًا، بينما يسوع قال للص “اليوم تكون معي في الفردوس”، لذلك نجد في مطلع القرن الثاني تعييد الفصح يوم الأحد في حين أنّ كنائس آسيا الصغرى تعيّده يوم الجمعة المقدس. كان قصد التلاميذ بالأحرى من عبارة “اليوم الثالث” أن يُذيعوا بشرى أن المسيح بقيامته أتى بيوم القيامة العامة، استبقه، صائرًا بذلك “البِكر من بين الأموات” (كولوسي 1: 18). لهذا السبب، أي لأنه دخل في القيامة العامة، قيامته أبدية وتعلن قيامتنا الأبديّة.
ليست القيامة في اليوم الثالث إذًا أمرًا محصورًا بلحظة أو بشخص، أنّما قوة قيامة المسيح تمتدّ إلى سائر الناس وتتخطّى الأزمنة والأوقات. لعل هذا ما جعل نصوص العهد الجديد لا تقول شيئًا عن لحظة القيامة وعن كيفية حدوثها؛ والأيقونات تتبع بأمانة هذا الحرص على عدم تصوير القيامة. لم يعرف التقليد الأرثوذكسيّ سوى أيقونتين للقيامة، واحدة تُظهر القبر فارغًا والثانية تُصوّر نزول السيد إلى الجحيم لكي يقيم الجدّين الأوّلين وجميع الأبرار.
نحن إذًا مدعوّون إلى الوقوف أمام هذا الحدث بذهول على مثال القديس غريغوريوس اللاهوتي القائل “إنّ الأفكار تخلق أصنامًا لله، الذهول وحده يُحدث شيئا”. وهذا يَفترض بكل من يؤمن ويجاهر أن “المسيح قام حقًا قام” أن يعي وأن يعيش على أساس أن الخطيئة قد ديست وأن الموت قد قُهر، وهذا يعني أن الإنسان بإمكانه أن لا يخطئ.