في الأسبوع المقبل سوف يبدأ صعودنا مع ابن الانسان إلى سرّ آلامه ثم إلى جمال قيامته. ولكن ماذا سيكون شعورنا؟ أيكون شعور يوحنا ويعقوب ابني زبدى اللذين أرادا أن يجلسا معه في مجده؟ انهما سمعا شطرًا من النبوءة فحسب. لم يسمعا ان ابن الإنسان سوف يُسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة ويقتلونه، ولكنهما سمعا فقط انه سيقوم فأرادا ان يتمتعا بهذه القيامة دون أن يعبُرا بالآلام، وتصوّرا ان انتصار السيد سوف يُعيد المُلك لإسرائيل، وأنهما قادران أن يصبحا وزيرين في المملكة الجديدة التي سيكون الرب مليكها.
أراد السيد ان يُفهم تلميذيه أن من أراد أن يصل إلى المجد في الكنيسة لن يصل إلى المجد الذي يعرفه أهل العالم. ولهذا سأل يسوع تلميذيه: “أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أَشربُها أنا وأن تصطبغا بالصبغة التي أَصطبغُ بها أنا؟”، أي أقادران أنتما على الموت؟ واذا كنتما مؤهلَين للموت بالشهادة، شهادة الدم، فتستطيعان أن تشاركا في القيامة أي أن تنالا فرحًا روحيًا لا علاقة له بالملوك ولا بالأغنياء ولا بالمثقفين. كل هؤلاء ينالون مجدا عابرًا في أجسادهم، في دنياهم، في عقولهم، ولكن تلاميذي وُعدوا بالموت، ومن بعد موت الشهادة ينالون الظفر.
نحن نعلم من سفر الأعمال أن يعقوب مات موت الشهادة في أيام هيرودوس، ونعلم من تراث الكنيسة أن يوحنا الحبيب عُذّب في جزيرة بطمس ولم ينل موت الشهادة ولكنّه تألم بالزيت المغليّ ونجا منه. في كل حال أراد يسوع، قبل أن يصعد إلى أورشليم، أن يعلّم تلاميذه جميعا أن الموت هو هذا: ان يكون الإنسان منسحق القلب متواضعا لا يؤمن أن له شيئا في ذاته، ان يكون منسحقا أمام الرب وأمام الإخوة. ولذلك لفت تلاميذَه إلى أن “رؤساء الأمم يسودونهم وعظماءهم يتسلطون عليهم. واما أنتم فلا يكُن فيكم هذا. ولكن من أراد ان يكون فيكم كبيرًا فليكن لكم خادمًا، ومن أراد ان يكون فيكم أول فليكن للجميع عبدا”.
الناس دائما في مسعى إلى الظهور. الكل يفتش عن أن يكون ذا سلطة، ويريد أن يعترف الناس به، وأن له تأثيرًا. من يقبل ان يكون لا شيء، ألاّ يتكلموا عنه، ألاّ يظهر في المجالس؟ من يحزن اذا مدحوه؟ باسيليوس الكبير يقول: “اذا مدحك أحدٌ فأَسكِته”.
من أراد ان يكون بينكم كبيرا فليكن صامدا، صافيا، لا أمجاد له. هذا هو النموذج. ولهذا في العشاء الأخير جمع يسوع تلاميذه وغسل أرجلهم واحدا واحدا، أي ان الإله العليّ تنازل ليس فقط إلى الإنسان ولكن إلى أسفل ما في الانسان، إلى قدميه وإلى وسخ قدميه. جاء ليخدم ويبذل نفسه فداء عن كثيرين.
يوحنا ويعقوب أرادا أن يكونا سيّدَين، وزيرَين في مملكة المسيح. أَسكتَهما المسيح. من أراد ان يكون وزيرا يجب أن يصطبغ بصبغة الموت.
“اننا صاعدون إلى أورشليم”، إلى الموت، لا إلى المطالبة بالحقوق، إلى الموت، إلى ان نفنى خدمةً وانسحاقا وتواضعا.
جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)
الرسالة: عبرانيين 9: 11-14
يا إخوة، ان المسيح إذ قد جاء رئيس كهنة للخيرات المستقبلية فبمَسكن أعظم وأكمل غير مصنوع بأيدٍ ليس من هذه الخليقة، وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل الأقداس مرة واحدة فوجد فداء أبديا، لأنه إن كان دمُ ثيران وتيوس ورماد عِجلةٍ يُرشُّ على المنَجّسين فيُقدّسهم لتطهير الجسد، فكم بالأحرى دمُ المسيح الذي بالروح الأزليّ قرَّب نفسَه لله بلا عيبٍ يُطهّرُ ضمائركم من الأعمال الميتة لتعبدوا الله الحيّ.
الانجيل: مرقس 10: 32-45
في ذلك الزمان أخذ يسوع تلاميذه الإثني عشر وابتدأ يقول لهم ما سيتعرض له: هوذا نحن صاعدون إلى أورشليم، وابنُ البشر سيُسلَم إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت ويُسلمونـه إلى الأُمم فيهزأون به ويبصقون عليه ويجلدونه ويقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم.
فدنا اليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدى قائلَين: يا معلّم، نريد أن تصنع لنا مهما طلبنا. فقال لهما: ماذا تريدان أن أصنع لكما؟ قالا له: أَعطنا أن يجلس أحدنا عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك. فقال لهما يسوع: إنكما لا تعلمان ما تطلبان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أَشربها أنا، وأن تصطبغا بالصبغة التـي أَصطبغ بها أنا؟ فقالا له: نستطيع. فقال لهما يسوع: أما الكأس التي أَشربها فتشربانها وبالصبغة التي أَصطبغ بها فتصطبغان، وأما جلوسُكما عن يميني وعن يساري فليس لي أن أُعطيَه الا للذين أُعدَّ لهم. فلما سمع العشرة ابتدأوا يغضبون على يعقوب ويوحنا.
فدعاهم يسوع وقال لهم: قد علِمتُم أن الذين يُحسَبون رؤساء الأُمم يسودونهم، وعظماءهـم يتسلّطون عليهم. وأما أنتم فلا يكون فيكم هكذا. ولكن من أراد أن يكون فيكم كبيرا فليكن لكم خادما، ومن أراد أن يكون فيكم أوّل فليكن للجميع عبـدا. فإن ابن البشر لم يأت ليُخدَم بل ليَخدم وليبذُل نفسه فِداءً عن كثيرين.