غدًا يُرفع اللحم عن الموائد، وقد تلت الكنيسة علينا فصلًا من الإنجيل لا تظهر صلته مباشرة بالصوم ولكن الصلة بينه
وبين الصيام وثيقة لاهوتية روحية.
ما الصوم الذي نمارسه؟ في ظاهره كان إمساكًا عن الطعام، وفي حقيقته كان محبّة للناس لأن المسيحيين الأولين، كما
نقرأ في وثيقة قديمة من القرن الثاني، كانوا يُمسكون لا ليمتنعوا عن اللحم ومشتقّاته، لكن المسيحيين القدامى كانوا بهذا
الصوم يوفّرون الطعام حتى يتصدّقوا على المحتاجين.
هذا الكلام قاله كاتبٌ مُدافع عن النصرانية في رسالة رفعها إلى القيصر قال فيها: "هؤلاء المسيحيين الذين تضطهدهم
صالحون، محبون بعضهم لبعض لأنهم لا يدَعون الفقير يفتقر الى طعام. فإذا وجدوا بينهم من افتقر فإنهم يمتنعون هم عن
الطعام حتى يقدّموا له ليكون مساويا لهم في ما أكل وفي ما شرب".
الصيام غايته المحبة، أن نعطي، أن نتحسس، ولذا تقرأ الكنيسة اليوم إنجيل الدينونة: السيد يسأل فقط سؤالاً واحدًا: "كنتُ
جائعًا فأطعمتموني، عريانًا فكسوتموني…"، فقالوا له: "متى رأيناك جائعًا؟". قال لهم: "إن ما فعلتموه لأحد هؤلاء
الصغار فبي فعلتموه"، فإذا أطعمتم جائعًا فقد أَطعمتموني، وإن كسوتُم عراة فقد كسوتموني. بمجرد إعطائكم مالكم للفقير
والتفاتكم لكل الناس فقد أعطيتموني أنا والتفتم إليّ. فإني قائم بالنفس في المحتاجين، أنا الذي قد وحّدت نفسي بالفقراء
والمعوزين والمعذبين في الأرض. الكنيسة لا تعني الا الكنيسة المتحركة في الأرض، القائمة في الشوارع. حيث كنيسة
الفقراء والمرضى والمنسيين والعراة والمضطهدين هناك كنيسة يسوع. يسوع ممدود في الأرض، ممدود في الصحراء،
قائم في البيت وحيث كنا نحن اليه بالمحبة للآخر.
يقول لنا إنجيل اليوم إن كانت وجوهنا إلى السيد في كل حين فنحن معه، وإن كنا ملتفتين إلى أنفسنا وشهواتنا فليس لنا
مسيح في العالم.
هذا يعني فيما يعني أن المحتاجين ليسوا فقط هذا السائل الذي يسأل درهما هنا وهناك، والمحتاجون ليسوا فقط جارنا
المريض -يجب طبعا ان نفتقده ونهتم به-، ولكن القريب أيضا من كان من غير قريتنا ومن غير بلدنا. الفقير الذي يتحدث
عنه إنجيل اليوم، فيما نستعد للصيام، الفقير إلينا هو كل من كان جائعا، لا مأوى له ولا عمل، كل طفل محروم من
المدرسة، كلّ مُسنّ موحود أو مُهمَل … كل هؤلاء نتحسس حاجاتهم كما هي، كائنة ما كانت انتماءاتهم أو أفكارهم. إن
قرأنا المسيح في وجوههم، نكون قد نفّذنا إنجيل اليوم. المسيح جائع فيهم، فقير، مريض، مُهمل.
فيما نستهل الصيام الأرثوذكسي، نمارسه ليس فقط بالإمساك ولكن بالإمساك الممدود إلى العمل. إذ نتطهر في الصيام،
فلنسعَ مفتّشين عن وجه المسيح في كل فقير وجائع ومشرد ومريض ويائس فنعطيه ليس فقط عطاء ماديا بل محبة السيد
وغناه وامتلاءه.
جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)
الرسالة: 1كورنثوس 8: 8-9: 2
يا إخوة ان الطعام لا يُقرّبنا إلى الله، لأنَّا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص. ولكن انظروا أن لا يكون سلطانكم هذا
معثرة للضعـفاء، لأنه إن رآك أحدٌ، يا من له العلْم، متّكئا في بيت الأوثان، أفلا يتقوّى ضميرُه وهو ضعيفٌ على أكل
ذبائح الأوثان، فيَهلكُ بسبب علْمك الأخُ الضعيف الذي مات المسيحُ لأجله. وهكذا إذ تُخطئون إلى الإخوة وتجرحون
ضمائرهم وهي ضعيفة إنما تُخطئون إلى المسيح. فلذلك إن كان الطعام يُشكّكُ أخي فلا آكل لحما إلى الأبد لئلا أُشكّك
أخي. ألستُ أنا رسولا؟ ألستُ أنا حرا؟ أما رأيتُ يسوع المسيح ربنا؟ ألستم أنتم عملي في الرب؟ وإن لم أكن رسولا إلى
آخرين، فإني رسول إليكم، لأن خاتم رسالتي هو أنتم في الرب.
الإنجيل: متى 25: 31-46
قال الرب: متى جاء ابنُ البشر في مجده وجميعُ الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على عرش مجده، وتُجمع اليه كل
الأمم، فيُميّز بعضَهم من بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء، ويُقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره. حينئذ
يقول الملكُ للذين عن يمينه: تعالوا يا مبارَكي أبي رثوا المُلْك المُعدّ لكم منذ إنشاء العالم لأني جُعتُ فأطعمتموني وعطشتُ
فسقيتموني وكنتُ غريبا فآويتموني وعريانا فكسوتموني ومريضا فعُدتموني ومحبوسا فأَتيتم إليّ. حينئذ يُجيبه الصدّيقون
قائلين: يا رب متى رأيناك جائعا فأطعمناك أو عطشانَ فسقيناك، ومتى رأيناك غريبا فآويناك أو عريانا فكسوناك، ومتى
رأيناك مريضا أو محبوسا فأتينا اليك؟ فيُجيب الملك ويقول لهم: الحق أقول لكم بما أنكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء
الصغار فبي فعلتموه. حينئذ يقول أيضا للذين عن يساره: اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدّة لإبليس وملائكته،
لأني جعتُ فلم تُطعموني وعطشـتُ فلم تسقوني وكنتُ غريبا فلم تؤووني وعريانا فلم تكسوني ومريضا ومحبوسا فلم
تزوروني. حينئذ يُجيبونه هم أيضا قائلين: يا رب متى رأيناك جائعا أو عطشانَ أو غريبا أو عريانا أو مريضا أو محبوسا
ولم نخدمك؟ حينئذ يجيبهم قائلا: الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه. فيذهب هؤلاء
إلى العذاب الأبديّ، والصدّيقون إلى الحياة الأبديّة.