وُلد القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ، المعروف أيضًـا بالنَّزيَنزيّ، حوالى عام 326 في نزيَنزة، وهي مدينة صغيرة في منطقة كبّادوكية في آسيا الصغرى (تركيا الحالية). حاز غريغوريوس على ثقافة عالية، فبرع في اللاهوت والفلسفة والخطابة والبلاغة والشعر وأدب الرسائل. انتُخب بطريركًا على مدينة القسطنطينيّة عام 380، لكنّه استقال من منصبه بعد سبعة أشهر، وانصرف ليعيش حياة نسك حتّى توفاه الله عام 390. اكتسب صفة «اللاهوتيّ» عن استحقاق، كما أُطلق عليه لقب «مُرنّم الثالوث»، لكونه نظم بعض مؤلّفاته اللاهوتيّة شعرًا صوفيًّا، منها «المسيح المتألّم». تعيّد الكنيسة له اليوم، في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني، وفي الثلاثين من الشهر ذاته مع القدّيسين باسيليوس الكبير (+379) ويوحنّا الذهبيّ الفم (+407) (عيد الثلاثة الأقمار).
لاهوت القدّيس غريغوريوس يستند أساسًا إلى الكتاب المقدّس من دون إغفال التقليد الكنسيّ الشريف والآباء القدّيسين الذين أَتوا قبله. لذلك يجمع لاهوته ما بين العقل والقلب، ما بين العلم والتأمّل. فهو يقدّر العقل تقديرًا كبيرًا، لكنّه لا ينسى أبدًا أنّ النور الإلهيّ هو فوق كلّ نور، وأنّ العقل البشريّ محدود لا يستطيع الإحاطة بلامحدوديّة الله، فيتساءل: «هل لديهم جواب أولئك الذين يريدون أن يقيسوا البحر بقدح، محاولين أن يقيسوا اللامحدوديّة الإلهيّة بعقولهم المحدودة؟». ثمّ يتابع تساؤله قائلاً: “فكيف وُلد الابن؟ فأقول: فلتكرَّم الولادة الإلهيّة في صمت. وإنّه لأمرٌ عظيم بالنسبة إليك أن تعرف أنّه قد وُلد. أمّا كيف تمّت الولادة، فلنعترف بأنّ الملائكة يجهلونه، فكيف بك أنت”.
يحرص غريغوريوس دائمًا على نقل الحقائق الإلهيّة وتقريبها من إدراكنا، والتي تعجز التشبيهات والتعابير البشريّة عن نقلها بأمانة، فيقول: «إنّ الله أرفع من أن يُعبَّر عنه: إنّه فوق كلّ تصوّر بشريّ وكلّ تعبير بشريّ، كما أنّه فوق كلّ ما تستطيع عيون البشر أن تتأمّله في مجالنا الأرضيّ». لذلك يخلُص غريغوريوس إلى القول: “لقد انتهى بي الأمر إلى إهمال الصور والظلال الخدّاعة والبعيدة عن الحقيقة، وآثرتُ البقاء على الأفكار الأشدّ ملاءمة للتقوى، مكتفيًا بالقليل من الألفاظ ومسترشدًا الروح، لكي أُحافظ إلى النهاية على النور الذي أتاني منه، ثمّ أعبد الآب والابن والروح القدس، أُلوهة واحدة، وقدرة واحدة، ينبغي لها المجد والإكرام والتعظيم إلى دهر الداهرين، آمين”.
قبل المجمع المسكونيّ الثالث في أفسس (431) الذي أقرّ عقيدة القدّيسة مريم والدة الإله بنحو خمسين عامًا، وقبل المجمع المسكونيّ الرابع في خلقيدونية (451) الذي أقرّ عقيدة الطبيعتين والشخص الواحد في الربّ يسوع بنحو سبعين عامًا، يدافع القدّيس غريغوريوس عن هاتين العقيدتين، بقوله: “إنْ لم يعتقد أحد أنّ القدّيسة مريم هي والدة الإله فهو مفصول عن الألوهة. وإذا قال أحد بأن المسيح لم ينشأ منها إلهيًّا وبشريًّا معًا، فهذا الإنسان غير إلهيّ. وإذا قال أحد بأنّ الإنسان صيغَ أولاً ثمّ انسلّت إليه الأُلوهة، فهو جدير بأن يكون محرومًا. وإذا تكلّم أحد عن ابنين، أحدهما من الله الآب، والآخر من مريم، بدلاً من الابن الواحد نفسه، فليُسقط من الإيمان القويم. ثمّة طبيعتان، طبيعة الله وطبيعة الإنسان، ولكن ليس هناك ابنان ولا إلهان، وليس هناك إنسانان”.
سار غريغوريوس على خطى الآباء القدّيسين الذين تكلّموا على تألّه الإنسان الذي هو هدف التجسّد وغايته. وفي هذا السياق يقول: «آمنوا أنّ ابن الله، الكلمة الأزليّة، تنازل إلى درجة البشريّة حتّى ترتفع أنت، أيّها الإنسان، إلى عتبات الألوهة». وفي مكان آخر يرى أنّ الدعوة إلى تألّه الإنسان إنّما تتأسّس على كون «أنّ الطبيعتين في المسيح متّحدتان اتّحادًا كاملاً، إذ إنّ الأُلوهة تأنست، والإنسان تألّه». وإذا كان تألّهنا ثمرة التجسّد ومن عمل الروح القدس، فهو يتحقّق باشتراكنا في حياة الصليب الذي يُشركنا في مجد القيامة.
تصدّى غريغوريوس لمكدونيوس الذي أَنكر أُلوهة الروح القدس معتبرًا أنّ الروح القدس هو «أحد الأرواح الخادمة، وأنّه لا يختلف عن الملائكة إلاّ بالرتبة»، فأكّد على أُلوهة الروح القدس بقوله: «هل الروح القدس هو إله؟ – نعم، دون جدل. – ومن الجوهر الواحد؟ – نعم، بما أنّه إله». وهو نفسه يقول أيضًا في موقع آخر: “لنرتعد أمام عظمة الروح الذي هو أيضًا إله. فبالروح عرفْنا الله. إنّه إله بأجلى بيان، هو الذي يؤلّهني، وكلّيّ القدرة وموزّع المواهب الإلهيّة، يعطي الحياة للكائنات السماويّة والأرضيّة، هو الذي يحيا في الأعالي وينبثق من الآب. إنّه القوّة الإلهيّة، ومع ذلك يعمل من تلقاء نفسه. ليس هو بالابن، لأنّ للآب السماويّ ابنًا وحيدًا مملوءًا من صلاحه، ولكنّه ليس بغريب عن الإله غير المنظور، بل يتمتّع بمجد مماثل لمجده”.
استحقّ غريغوريوس أن يُسمّى «اللاهوتيّ» بسبب وضوح تعاليمه واستقامتها، فكان معلّمًا للأرثوذكسيّة. وقد اعتبره العديد من آباء الكنيسة في الشرق والغرب معلّمًا لهم، ولا سيّما القدّيس مكسيمُس المعترف (+662)، والقدّيس يوحنّا الدمشقيّ (+750)، والقدّيس إيرونيمُس (+420) الذي كان يعدّ غريغوريوس أستاذًا له ومرشدًا، ويرى أنّ «لا مثيل له بين الآباء اللاتين». وما زال غريغوريوس، إلى يومنا الحاضر، ركنًا عظيمًا من أركان المسيحيّة الأرثوذكسيّة.
القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ