عندنا في إنجيل اليوم قصة زكّا العشار الذي كان بطبيعة عمله رجلا خاطئا لأن العشارين كانوا يلتزمون جمع الضرائب التزاما ويفرضون أعباء باهظة على الناس ويسرقون الكثير. رجل منهم، زكّا، سمع بأن المسيح يمرّ في القرية وأراد ان يعلم من هو المسيح، فصعد إلى جميزة لينظر الرب لأنه كان قصير القامة. تجاوز الحدود التي كانت تحُول بينه وبين يسوع.
في قلب كل إنسان حواجز تمنعه من رؤية الرب. هناك قفزة من القلب إلى قلب الله حتى نتمتع بوجه السيد ونحيا.
رآه يسوع، وكأن الكتاب يقول ان الله رتّب هذا اللقاء: نفس تحنّ إلى المعلّم الجديد، والمعلّم يطلب هذه النفس المعذّبة.
لما مرّ المسيح عند الشجرة رفع عينيه وحدّق به وقال له: «يا زكّا أَسرع انزل، فاليوم ينبغي لي أن أَمكُث في بيتك». لم يقُل الكتاب «انزل»، لكنه قال «أسرع انزل». يسوع يأمر، يسوع لا يترجّى الناس لأنه يعطي الحياة. يأمر لأنه هو صاحب الأمر.
ونحن، أنريد المسيحَ أن يأمرنا، أم أننا نتسلّى معه؟ نأتي إلى الكنيسة من وقت إلى آخر. نتمّم الفضائل عندما تكون سهلة، ونهملها عندما تكون صعبة. يسوع لا يريد هذا. يقول يسوع: انزل الآن فلي شأن معك، سأقضي على خطاياك. لم يقل الكتاب: «نزل زكّا»، لكنّه قال: «أَسرع ونزل» أي انه نفّذ بالضبط ما أراده السيد، نفّذه بسرعة.
وكان اللقاء طوال الليل. الفادي والخاطئ يتحدثان بعظائم الله، وزكّا يستمتع بأقوال المعلّم وبوجهه حتى كانت التوبة. لما دخل يسوع إلى بيته، رأى زكّا انه أمام دعوة كبيرة، عندما أحس أن هذا المعلم العجيب ليس كبقية الناس ولكنه يستطيع أن يعطي الخلاص وأن يشفي وأن يُطهّر وأن يُقوّم اعوجاجا، عندما عرف زكّا انه أمام حياة عظيمة، شعر ان سرقاته لا تنفعه فقال للمعلّم: «ها أنذا أُعطيك أموالي».
رجل تحوّل بكلمات يسوع. هل نحن في موقف زكا؟ هل نفتش عن جميزة نصعد اليها لنرى يسوع مارّا في حياتنا، أَم نسدّ الأُذن حتى لا نسمع ونُغمض العين حتى لا نبصر؟ هل نسرع وننزل من علوّ مكانتنا الاجتماعية واكتفائنا بذاتنا وصداقاتنا الدنيوية لنستقبل يسوع في بيتنا فيصبح هو مُضيفَنا ويصبح وجودُنا معه كل شيء؟ هل نسعى لكي نتحوّل اليه فعلا؟ هل نطلب ان نتحدث اليه فيتحدث الينا؟ وأين نجده؟ أين نُناجيه؟
الرب يأتي الينا في الكنيسة، يتحدث الينا ونتحدث اليه. هل نأتي إلى الكنيسة لنتمم «واجبات»، أَم نأتي مثل زكا ولسان حالنا يقول للسيد: «أنا هنا، ماذا تريد مني؟ تحدّث إلي». القلب يناجي اذ ذاك القلب ويستمد من الرب طهارة ونورا وحياة. نستغني اذ ذاك مثل زكّا عن كل شيء آخر لأن من له المسيح يملك الدنيا، من كان فقيرا إلى ربه يستغني به عن كل شيء.
جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)
الرسالة: عبرانيين 7: 26-8: 2
يا إخوة إنّا يلائمنا رئيس كهنة مثل هذا بارّ بلا شرّ ولا دنس مُتنزَّه عن الخطأة قد صار أعلى من السماوات، لا حاجة له أن يقرّب كلّ يوم مثل رؤساء الكهنة ذبائح عن خطاياه أولا ثمّ عن خطايا الشعب، لأنه قضى هذا مرّة واحدة حين قرّب نفسه. فإن الناموس يُقيم أناسًـا بهم الضُـعف رؤساء كهنة، اما كلمة القَسَم التي بعد الناموس فتقيم الابن مكملاً إلى الأبد. ورأس الكلام هو أنّ لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس عن يمين عرش الجلال في السماوات وهو خادم الأقداس والمسكن الحقيقي الذي نصبه الربّ لا إنسان.
الإنجيل: لوقا 19: 1-10
في ذلك الزمان فيما يسوع مجتاز في أريحا اذا برجل اسمه زكّا كان رئيسًـا على العشّارين وكان غنيا. وكان يلتمس أن يرى يسوع من هو، فلم يكن يستطيع منَ الجمع لأنه كان قصير القامة. فتقدّم مسرعًا وصعد إلى جمّيزة لينظره لأنه كان مزمعا أن يجتاز بها. فلما انتهى يسوع إلى الموضع رفع طَرْفه فرآه فقال له: يا زكّا أَسرع انزل فاليوم ينبغي لي أن أَمكُث في بيتك. فأَسرع ونزل وقَبِله فرحا. فلما رأى الجميع ذلك تذمّروا قائلين: إنه دخل ليحلّ عند رجل خاطئ. فوقف زكّا وقال ليسوع: ها أنذا يا ربّ أُعطي المساكين نصف أموالي، وإن كنتُ قد غبنتُ أحدًا في شيء أَرُدّ أربعة أضعاف. فقال له يسوع: اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت لأنه هو أيضا ابنُ ابراهيم، لأن ابن البشر إنّما أتى ليطلب ويُخلّص ما قد هلك.