...

كلمة الراعي طريق الصّلاح: من المنطلَق إلى التجسيد فالإثمار

 

للصلاح أوجه كثيرة وذلك تبعًا لتعدّد الفضائل وطريقة التعبير عنها وعيشها بمحبّة وتواضع. هذا نعرفه من مشاهدتنا الكنيسة الظافرة وكيف استبانت أوجه الصلاح في أعضائها القدّيسين. ونحن نعلم أنّ إشراق هؤلاء ليس منهم بل من الله الذي يشرق عليهم بنوره الإلهيّ ويشركهم به، وأنّ الله هو الصالح الأوحد وهو نبع كلّ صلاح وملهمٌ له ومؤازرٌ في تحقيقه ومنيرٌ صاحبه. أَليس هذا ما طالعنا به الربّ في حديثه مع الشابّ الغنيّ: «ليس أحد صالحًا إلّا واحد وهو الله» (لوقا ١٨: ١٩)؟

لم يحجب اللهُ صلاحَه عن الإنسان. فهو كشف للمؤمن به الطريق الذي، إن سار فيه، يمكنه أن يقتني الصلاح الإلهيّ. ففي معرض الإجابة عن سؤال الشابّ الغنيّ: «ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟» (لوقا ١٨: ١٨)، وجّه يسوعُ محدّثه إلى كلمة الله التي كشفت لنا طريق الصلاح عبر وصايا: «أنتَ تعرف الوصايا: لا تزنِ. لا تقتلْ. لا تسرقْ. لا تشهدْ بالزور. أكرمْ أباك وأمّك» (لوقا ١٨: ٢٠). أشار إلى بعض الوصايا وليس إلى كلّها، على سبيل الاستعاضة عن الكلّ بالجزء. فإن ابتغَيتَ الصلاح، لا يسعك أن تبتغي ما يعاكسه أو يخالفه أو يبعدك عنه. فابتغاء الصلاح يعني ابتغاء كينونة الإنسان الجديد.

طريق الصلاح نجده في التربية المنزليّة التي نتلقّاها منذ نعومة أظفارنا، وفي التنشئة الروحيّة التي ترافقها ونختبرها في البيئة التي ننشأ فيها سواء ضمن العائلة أو الرعيّة أو المدرسة أو الكنيسة عمومًا. كانت هذه الخلفيّة جليّة حاضرة في تعليق الشابّ جوابًا عن معرفته بالوصايا: «هذه كلّها حفظتُها منذ حداثتي» (لوقا ١٨: ٢١). وجود مثل هذه البيئة الحاضنة وهذه الخبرة يطمئن صاحبها إن كان راشدًا، وذويه إن كان فتيًّا بعد. فوجود هذه البيئة ووجود أشخاص يجسّدون الصلاح في حياتهم، بالقول والفعل، هو المناخ الذي نطمح إلى أن نعيش فيه وأن نوفّره لغيرنا.

صعد يسوع من هذه الدرجة من عيش الصلاح إلى درجة أخرى، يبدو أنّها تتناسب ووضع السائل وإمكانيّاته ومرماه. أراد يسوع أن يعطيه دفعًا حتّى لا يبقى في بدء الطريق بل يبلغ إلى نهايته، فقدّم له هذه الكلمة الصالحة: «يعوزك أيضًا شيء. بعْ كلّ ما لك ووزّعْ على الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعالَ اتبعْني» (لوقا ١٨: ٢٢). هوذا يدعوه إلى سلوك طريق جديد عليه، طالما أنّه مهتمّ إلى هذا الحدّ بأن يرث الحياة الأبديّة. ولكنّ الجديد في هذا الطريق ليس ما يوحيه من الزهد والتخلّي عن كلّ شيء وتوزيعه على الفقراء، فهناك مَن يعيش هذا الزهد الكبير من مؤمنين وغير مؤمنين، بل هو كامن، في العمق وفي نهاية المطاف، في اتّباع يسوع: «تعالَ اتبعْني». هوذا الميراث الحقيقيّ والصلاح الحقيقيّ والحكمة الحقيقيّة!

نعرف من الإنجيل أنّ هذا الشابّ لم يستطعْ أن يجتاز العتبة الأولى من كلام يسوع «لأنّه كان غنيًّا جدًّا» (لوقا ١٨: ٢٣)، فالحزن الذي اعتراه ممّا يقتضيه منه العمل بتلك الكلمة حجب عنه ما يفتقر إليه ويعوزه بعد. لأنّه حريّ أن تقودنا هذه الخبرة إلى أن نختبر كيف يقودنا هذا الطريق من كوننا خُلقنا على صورة الله إلى كينونتنا على مثاله. هذه الصيرورة هي طريق الصلاح وميراث الحياة الأبديّة، وتحقيقها يستدعي من طالبها تجرّدًا وتخصّصًا، فلا يسعه أن يتلهّى بشؤون تشتّته عن تحقيق هدفه. لقد قصد يسوع أن يجيّش هذا الشابّ كلّ قواه لتحقيق الوصيّتَين العظميَين: محبّة الله من كلّ الكيان ومحبّة القريب كالنفس (متّى ٢٢: ٣٧ و٣٩)، وذلك باتّباعه يسوع من جهة، وببيعه كلّ شيء وتوزيعه على الفقراء من جهة أخرى. أَليس هذا هو الصلاح الذي يعيشه يسوع ويقدّمه لكلّ مَن ابتغى العُلى؟

وإن لم ينفذ كلام يسوع إلى قلب هذا الشابّ، إلّا أنّه نفذ إلى عدد من الشباب الذين لمعوا بالقداسة حينما طالعتهم هذه الآية في بدء بحثهم عن العُلى، فعاشوا بمقتضاها وقدّسوا حياتهم وإخوتهم بخبرتهم. هؤلاء هم الجواب الحيّ عن تساؤل البعض حول إمكانيّة الخلاص وعن حقيقة التزام الربّ الوصول بجهاد هؤلاء إلى ذروته وكماله، وإن بدا مستحيلًا تحقيقه للمشاهد من الخارج. هذا ما قصده يسوع بقوله: «غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله» (لوقا ١٨: ٢٧). هذا لأنّ صلاح الله يغلّف الطريق المؤدّي إلى ملكوته، فهو كامن في بدئه لأنّه يضع منطلقاته؛ وفي وسطه، لأنّه يواكب جهاد عبيده فيه؛ وفي نهايته، لأنّه يبرز ثماره ويقدّمها للمتّكلين عليه والمبتغين إيّاه. هلّا سبّحنا إذًا صلاح الله وطلبناه بالقدر الذي يمكننا أن نعطي ذواتنا فيه؟

+ سلوان
مطران جبيل والبترون وما يليهما
(جبل لبنان)

 

الرسالة: أفسس ٤: ١-٧

يا إخوة أطلب إليكم، أنا الأسير في الربّ، أن تسلكوا كما يحقّ للدعوة التي دُعيتم بها، بكلّ تواضع ووداعة وبطول أناة محتملين بعضكم بعضًا بالمحبّة ومجتهدين في حفظ وحدة الروح برباط السلام. فإنّكم جسد واحد وروح واحد كما دُعيتم إلى رجاء دعوتكم الواحد. ربّ واحد وإيمان واحد ومعموديّة واحدة وإله أب للجميع واحد هو فوق الجميع وبالجميع وفي جميعكم. ولكلّ واحد منّا أُعطيت النعمة على مقدار موهبة المسيح.

 

الإنجيل: لوقا ١٨: ١٨-٢٧

في ذلك الزمان دنا إلى يسوع إنسان مجرّبًا له وقائلًا: أيّها المعلّم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟ فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحًا، وما صالحٌ إلّا واحدٌ وهو الله. إنّك تعرف الوصايا: لا تزنِ، لا تقتلْ، لا تسرقْ، لا تشهد بالزور، أكرمْ أباك وأمّك. فقال: كلّ هذا حفِظْتَهُ منذ صبائي. فلمّا سمع يسوع ذلك قال له: واحدة تعوزُك بعد: بِعْ كلّ شيء لك ووزّعه على المساكين، فيكون لك كنزٌ في السماء وتعال اتبعني. فلمّا سمع ذلك حزن لأنّه كان غنيًّا جدًّا. فلمّا رآه يسوع قد حزن قال: ما أعسر على ذوي الأموال أن يدخلوا ملكوت الله. إنّه لأسهل أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة من أن يدخل غنيٌّ ملكوت الله. فقال السامعون: فمن يستطيع إذًا أن يخلص؟ فقال: ما لا يُستطاع عند الناس مستطاع عند الله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كلمة الراعي طريق الصّلاح: من المنطلَق إلى التجسيد فالإثمار