«وأمّا مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكّرةً به في قلبها» (لوقا ٢: ١٩)
يتميّز الإنجيليّ لوقا عن غيره من الإنجيليّين في أنّه يعطي العذراء مريم دورًا أساسيًّا في الإنجيل ككلّ، وبخاصّةٍ خلال سرده طفولة يسوع. ترد هذه الآية الكتابيّة مرّتين في الإصحاح الثاني ضمن سياق طفولة يسوع لكن في خبرين مختلفين. في الخبر الأوّل قبلتْ مريم كلام الملاك المبشّر فحبلَت وولدَت ابنها البكر وقمّطته وأضجعته في مذودٍ (لوقا ٢: ٧)، حينها ظهر الملاك للرعاة وبشّرهم بالفرح العظيم (لوقا ٢: ١٠)، فذهبوا إلى بيت لحم فوجدوا الصبيّ مضجعًا فأخبروا بالكلام الذي قيل لهم عنه (لوقا ٢: ١٦-١٧). في الخبر الثاني لمّا كانت ليسوع اثنتا عشرة سنة، أضاعه والداه في أورشليم ووجداه بعد مرور ثلاثة أيّام في الهيكل يسمع المعلّمين ويسألهم (لوقا ٢: ٤٦). في الخبرين يورد لوقا الإنجيليّ ردّ فعل مريم العذراء عبر استخدام هذه العبارة «كانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكّرةً به في قلبها».
ما هو قصد الإنجيليّ لوقا عبر استخدامه هذه العبارة؟
بغية فهم معنى هذه العبارة لا بدّ لنا من أن ننتبه إلى كلام مريم في الإنجيل لأنّ كلامها لا يرشدنا إلّا إلى أمر واحد وهو حفظ كلمة الربّ والسلوك بحسبها في حياتنا. نرى في الإنجيل أنّ مريم العذراء تكلّمت في ثلاثة أحداث فقط. الحدث الأوّل كان حوارها مع الملاك يوم البشارة يليه نشيد مريم الذي قالته بعد لقائها أليصابات. يشير لنا كلام العذراء في هذا الحوار إلى حفظها كلمة الربّ عبر طاعتها أمر الملاك. الحدث الثاني كان لمّا أضاعت يسوع المسيح في أورشليم ووجدته في الهيكل. الحدث الثالث والأخير كان في عرس قانا الجليل لمّا قالت ليسوع «ليس عندهم خمرٌ» (يوحنّا ٢: ٣)، من بعدها توجّهت إلى الخدّام قائلةً «مهما قال لكم فافعلوه» (يوحنّا ٢: ٥). تلخّص لنا هذه الآية من إنجيل يوحنّا علاقة العذراء مع كلمة الربّ، فهي إذ تدعو الخدّام إلى فعل ما يقوله لهم يسوع إنّما تدعوهم إلى حفظ كلمته والعمل بها. يُظهر لنا كلامُ مريم ما في قلبها، فهي إذ كلّمتنا، نحن البشر، مرّةً واحدة، لم تدعنا في كلامها إلّا إلى حفظ الكلمة وعيشها في حياتنا.
ننتقل الآن لنرى ما قاله يسوع عن أمّه بشكل غير مباشر. كلّما قام أحدهم بالإشارة إلى أمّه يشير يسوع إلى فضيلة أمّه من دون ذكر اسمها. في الإصحاح الثامن من لوقا تأتي مريم مع إخوة يسوع لرؤيته، عندها قال الجمع له: «أمّك وإخوتك واقفون خارجًا، يريدون أن يروك» (لوقا ٨: ٢٠). فقال لهم يسوع: «أمّي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها» (لوقا ٨: ٢١).
في الإصحاح الحادي عشر من لوقا رفعت امرأةٌ من الجمع صوتها وقالت ليسوع: «طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما» (لوقا ١١: ٢٧). فأجابها يسوع: «بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها» (لوقا ١١: ٢٨).
نلاحظ في هذين الحدثين أنّ وصيّة يسوع هي واحدة ويشير عبرها إلى مريم أمّه. فهذا الاستحقاق الذي حظيت به مريم بأن تتطوّب وأن تكون أمًّا للإله يأتي من كونها تسمع كلمة الله وتحفظها.
يندرج استخدام الآية الكتابيّة التي نحن في صددها: «وأمّا مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكّرةً به في قلبها» (لوقا ٢: ١٩) ضمن هذا السياق عينه. نقرأ في (لوقا ٢: ١٨) أنّ الجميع تعجّبوا ممّا قيل لهم من الرعاة أمّا مريم فلم تتعجّب بل كانت زيارةُ الملاك للرعاة، بالنسبة إليها، رابطًا آخر في سلسلة الأحداث العجيبة التي كانت تؤثّر يومًا بعد يوم في حياتها. لربّما لم تستطع في بادىء الأمر استيعاب كلّ شيء، لكن، كما في بدء حوارها مع الملاك جبرائيل، انحنت نفسها بإيمان هادئ وثابت أمام تدبير الله الخلاصيّ الذي سيتمّ بواسطة ابنها. فأصبحت تاليًا تحفظ كلمة الربّ بصمتٍ وتتفكّر بها في قلبها. انطلاقًا من هذا الكلام نفهم موقف مريم من يسوع الطفل لمّا أضاعته ثلاثة أيّام. فهي كانت تطلبه معذّبة لكنّ سؤال يسوع لها «لماذا تطلبانني؟ ألم تعلما أنّه ينبغي أن أكون في ما لأبي» (لوقا ٢: ٤٩) ذكّرها بالعمل الذي أتى يسوع من أجله، عندها وجدت مريم رابطًا آخر في سلسلة الأحداث الإلهيّة فحفظت حينها هذا الأمر في قلبها إذ علمَتْ أنّ هذا كلّه من تدبير الله.
على ضوء ما تقدّم، نفهم من عبارة «تحفظ كلمة الربّ» أن فعل «تحفظ» ليس فعلًا جامدًا ولفترة محدّدة إنّما يتضمّن في معناه الكتابيّ حركة مريم وسلوكها المستمرّ لإتمام مشيئة الربّ. هذه هي دعوتنا اليوم كمؤمنين في ظلّ الأزمة التي تعصف بنا، أن نتّخذ من العذراء نموذجًا لنا كي نكون في حركةٍ دائمة لحفظ كلمة الربّ وعيشها في حياتنا. عندها فقط، نبدأ في استيعاب هذه الأحداث.
مريم والكلمة