...

مداواة التجربة من اليمين ومن اليسار

 

 

 

هل يحقّ للربّ أن يغضب علينا من سلوكنا أو ضعفنا أو عجزنا؟ هوذا يسوع في حادثة شفاء الابن المصروع يتفوّه بكلمة نادرة: «أيّها الجيل غير المؤمن الملتوي، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟» (متّى ١٧: ١٧). يبدو أنّها كلمة تحذيريّة ، وصلتنا عبر الأجيال المتعاقبة، من خطر أن نقع ضمن دائرة هذا القول، والذي يتضمّن توصيفًا لواقعنا الروحيّ الواهن، من جهة، ولمساعي الربّ العديدة تجاه الإنسان بصدد شفائه وتجلّيه، من جهة أخرى. بيد أنّ المحصّلة أتت مخيّبة في هذه الحادثة، فأعرب الربّ عن ألمه هذا وعن ثقته بأنّه، إن تعهّد المؤمن واقعه على ضوء الإيمان، فلا بدّ أن يتيقّن من فاعليّته: «ولا يكون شيء غير ممكن لديكم» (متّى ١٧: ٢٠).

الحادثة الإنجيليّة أظهرت أنّ الطريق ممكن وسط الأزمات والكوارث. فالولد المصروع لم يبقَ كما كان، إذ أمر يسوع بأن يُحضر إليه بنبرة حازمة وعزم أكيد: «قدِّموه إليَّ إلى ههنا» (متّى ١٧: ١٧). استمع إلى انكسار الوالد وعاين عجز التلاميذ وشعر بألم هذا المصروع المعذّب. شفى يسوع هذا الأخير بكلمة، فتغيّر الواقع من علّة إلى صحّة، من عبوديّة إلى الانعتاق، من انهيار روحيّ إلى تثبيت للإيمان، من ضياع إلى معرفة الحقّ.

على مستوى آخر، استبانت حادثة الشفاء فرصة يسكب من خلالها الربّ ما يبني تلاميذَه على صخرة الإيمان. فسؤال التلاميذ له عن سبب عجزهم شكّل نقطة انطلاق له ليؤكّد من خلالها قدرة المؤمن على أن يواجه بعزم ورجاء سائر الأوضاع التي تعترضه إن كان متسلّحًا بالإيمان به. في هذا السبيل، استخدم يسوع صورة حبّة الخردل من أجل أن يصوّر لنا من خلالها كيفيّة تحرّرنا مـمّا يجثم على صدورنا من مشاعر إخفاق أو كسل أو توانٍ أو ازدواجيّة أو ضياع، بحيث لا يأسرنا واقعنا الشخصيّ بل ننطلق في مقاربته من كونه قابلًا للشفاء بنعمة الله. ألعلّ هذا ما قصده الربّ بقوله: «لو كان لكم إيمان مثل حبّة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل: انتقلْ من هنا إلى هناك فينتقل» (متّى ١٧: ٢٠)؟ إن تحلّينا بإيمان كهذا، نواجه ساعتها واقعنا المريض والمزمن أحيانًا، بالعزم والصبر الضروريَّين، إلى أن يتجلّى على الصورة التي يشاؤها الربّ أن تصير عليه، وأن تأتي بالنفع والصلاح على صاحبها.

يحتاج هذا الإيمان إلى ما يغذّيه، عبر تنشيط الدورة الدمويّة والتنفسيّة «الروحيّة» الشخصيّة بشكل مستمرّ، وذلك من خلال امتهان الرياضة الروحيّة بامتياز، أي الصلاة والصوم. فنقل الجبال يحتاج إلى قوّة دافعة ورافعة وناقلة هي نعمة الروح القدس التي تؤازر المؤمن في تعهّده لواقعه الراهن والتزامه في تجلّيه. حريّ بالصلاة والصوم أن يضعا المؤمن في مناخ عمل الله وإرادته، في توبة صادقة واستدعاء دائم للروح، في تجديد للنيّة وتعميق للتواضع وتنقية للمحبّة.

بالطبع لم يتركنا يسوع من دون مثال. خِدمته العلَنيّة تشي بالكثير، وإن بخفر، لأنّ روح الاستعراض والتّباهي غريبة عنه وعن الذين نقلوا إلينا البشارة الإنجيليّة. فهو قرَن الأفعال بالأقوال وعلّمنا أن نحذو حذوه حتّى نَنهَض ونُنهِض سوانا. هكذا نفهم إشارته، في نهاية الحادثة، إلى مسيرته ومصيره بقوله: «ابن الانسان سوف يُسلَم إلى أيدي الناس فيقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم» (متّى ١٧: ٢٢ و٢٣). هذا هو تعهُّد المسيح لواقعنا والتزامه إيّانا ليخلّصنا.

تبقى مشكلة أخيرة يجدر بنا معالجتها، وتتعلّق بالسؤال الذي طرحه التلاميذُ على يسوع: «لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟»، والذي أجابهم عليه مباشرة: «لعدم إيمانكم» (متّى ١٧: ١٩ و٢٠). المشكلة تكمن في أن تنفصل مسيرة تلمذتنا عن يسوع بعد خبرة معه واختبار لقوّة الإيمان، بحيث نظنّ أنّ «نجاحنا» أو «إنجازاتنا» إنّما الفضل فيها يعود إلى برٍّ فينا أو قدرة لدينا أو حكمة اكتسبناها. ساعتها لا نسلك بحسب الإيمان بأنّ نعمة الله هي التي تُحقّق فينا كلّ خير وصلاح، وأنّنا مجرّد معاونين في هذا السبيل، وليست لدينا «حقوق مكتسبة» في كنيسة الله. ساعتها نتعلّم أن نزيل جبال الغرور والاعتزاز والتباهي بما نكون وبما ننجز، وتتحوّل أنظارنا إلى يسوع حقيقة. أَلعلّ هذا هو طريق تلميذ يسوع في معارج تلمذته ونموّه فيها وتمثّله بمعلّمه؟ ألعلّه بذلك ينجو من مخاطر التجربة من اليسار التي تمثّلها حالة العجز، ومن مخاطر التجربة من اليمين التي تمثّلها حالة الاعتزاز بالقدرة، كما ظهر في هذه الحادثة؟ فلنطرحْ أنفسنا أمام المسيح، سواء أقمنا في عجزنا أو في اعتزازنا، ولنطلبْ إليه باتّضاع أن يعتقنا من هاتَين التجربتَين ويشفي نفوسنا.

سلوان
مطران جبيل والبترون وما يليهما
(جبل لبنان)

 

الرسالة: ١كورنثوس ٤: ٩-١٦

يا إخوة إنّ الله قد أَبرزَنا نحن الرسل آخري الناس كأننا مجعولون للموت، لأنّا قد صرنا مشهدًا للعالم والملائكة والبشر. نحن جهّال من أجل المسيح، اما أنتم فحكماء في المسيح. نحن ضعفاء وأنتم أقوياء. أنتم مكرَّمون ونحن مُهانون. وإلى هذه الساعة نحن نجوع ونعطش ونعرى ونُلطَم ولا قرار لنا، ونتعب عاملين. نُشتَم فنبارِك، نُضطهَد فنحتمل، يُشنّع علينا فنتضرّع. قد صرنا كأقذار العالم وكأوساخ يستخبثها الجميع إلى الآن. ولستُ لأُخجلكم أَكتب هذا وإنما أَعظكم كأولادي الأحباء، لأنه ولو كان لكم ربوة من المرشدين في المسيح ليس لكم آباء كثيرون، لأني أنا ولدتُكم في المسيح يسوع بالإنجيل. فأَطلب اليكم ان تكونوا مُقتَدين بي.

 

الإنجيل: متى ١٧: ١٤-٢٣

في ذلك الزمان دنا إلى يسوع إنسان فجثا له وقال: يا رب ارحم ابني فإنّه يُعذَّب في رؤوس الأهلّة ويتألّم شديدًا لأنه يقع كثيرًا في النار وكثيرًا في الماء. وقد قدّمتُه لتلاميذك فلم يستطيعوا أن يشفوه. فأجاب يسوع وقال: أيها الجيلُ غيرُ المؤمن الأعوجُ، إلى متى أكون معكم؟ حتى متى أَحتملكم؟ هلم به إليّ إلى ههنا. وانتهرَه يسوع فخرج منه الشيطان وشُفي الغلام من تلك الساعة. حينئذ دنا التلاميذ إلى يسوع على انفراد وقالوا له: لماذا لم نستطع نحن أن نُخرجه؟ فقال لهم يسوع: لعدم إيمانكم. فإني الحق أقول لكم، لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقلْ من ههنا إلى هناك فينتقل ولا يتعذّر عليكم شيء. وهذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة

والصوم. وإذ كانوا يترددون في الجليل، قال لهم يسوع: إن ابن البشر مزمع أن يُسلَّم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مداواة التجربة من اليمين ومن اليسار