في إنجيل المديونَين حلقتان مترابطتان. الحلقة الأولى هي المحاسبة التي تجري بين مَلِك وعبده، ثمّ تلك التي تحدث بين هذا الأخير وزميل له. والحلقة الثانية هي القضاء بإخلاء السبيل (المسامحة) أو الإدانة، والتي انعكس وجهها الأوّل بين الملك وعبده عندما سامحه بالدَين وأخلى سبيله، بينما انعكس وجهها الثاني بين العبد وزميله عندما قاضاه وسجنه (متّى ١٨: ٢٧ و٣٠).
يقدّم لنا هذا المثل صورة عن عالمنا بإزاء عالم الله، عن ملكوت هذا الدهر وقواعد العيش والتعامل فيه، وعن ملكوت الله وقواعد الانتساب إليه والنموّ فيه. يصطدم هذان العالمان في هذا المثل، وأبرز يسوع هذا التضاد الصارخ بينهما لأنّ خلاص الإنسان على المحكّ. فإمّا أن يتكوّن المؤمن بناء على مُثُل هذا العالم ويغرق في مقارباته الدنيويّة، وإمّا أن يرتفع عنه، وهو فيه، لكنّه يتمثّل بـمُثُل الله، فينتقل بالفعل من الصورة إلى المثال الذي دعاه إليه خالقه.
في المثل، هناك تصوير لمقاضاة مُحقّة من الجهة القانونيّة لكنّها تأخذ منحيَين مختلفَين. في المقاضاة الأولى، يتخلّى الملك عن حقّه ويذهب مذهب الرحمة، فيُعتق عبده من دَينه له من بعد أن يتوسّل إليه هذا الأخير ويطلب الرحمة. أمّا في المقاضاة الثانية، فيُصرّ هذا العبد على حقّه ويقاضي زميله، فيودعه السجن حتى يوفي كلّ ما له عليه. لا شكّ أنّ الحالة الأولى نادرة في التعامل البشريّ، بينما الثانية أكثر شيوعًا في واقعنا. فالعالم الجديد الذي يدعونا الربّ إلى بنائه له معايير ومُثُل تضعنا في تضادّ مع الممارسة الحاصلة في البيئة المحيطة بنا.
كيف يستطيع مَن يسير في إثر يسوع وتعليمه ووصيّته أن يواجه هذه المعاناة مع محيطه، ولربّما شعوره بالوحدة والغبن وتهكّم البعض عليه؟ هل هناك ما يقابل هذه المعاناة فيكسر من حدّتها ويعطيها معنى يساعده على التحرّر منها؟ ما الذي يمكنه أن يحلّي عليه المسير ويزيده عزمًا وشجاعة ونزاهة فيها؟ هوذا الربّ يعطينا، على لسان الملك، الدافع والقاعدة والضمانة المثلى: «أَفَما كان ينبغي أنّك أنت أيضًا تَرحم العبد رفيقك كما رحمتُك أنا؟» (متّى ١٨: ٣٣).
هذا الكلام يضعنا أمام الربّ الذي يدعونا إلى أن نفحص علاقتنا الشخصيّة بالآخرين من منظار علاقتنا الشخصيّة به هو، وعلى أساس خبرتنا معه. فما يجنيه المرء من نعمة على صعيد الأولى حريّ به أن يلوّن ويطعّم الثانية بمكتسباتها. هذا يدخل في سياق ما عبّر عنه الربّ مرّة: «مجّانًا أخذتم، مجّانًا أَعطوا» (متّى ١٠: ٨).
نعم، المجّانيّة عكس المقاضاة وعلى نقيضتها. لا يتجاوران ولا يتحاوران، فالواحدة تُقصي الأخرى. إن أفلت المرء من حضن الأولى وراحتها، وقع في براثن الثانية فقضت عليه. إنّها بالضبط الحالة التي وصفها الربّ مرّة: «لا يقدر أحد أن يخدم سيّدَين، لأنّه إمّا أن يُبغض الواحد ويحبّ الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال» (متّى ٦: ٢٤). المجّانيّة هي تعبير عن عبادتي لله وخدمتي له الحقيقيّتَين، بينما تُخفي المقاضاة تعلّقًا بالمال أو بما لي. ها نحن إذًا واقعون بين فكَّي كمّاشة المجّانيّة والمقاضاة، فتعصرنا عصرًا حتّى تستخرج من تلميذ المسيح موقفًا من مقاضاة أترابه. فماذا سيكون جوابه يا تُرى؟
لقد شهر يسوع في نهاية المثَل مبدأ المعاملة بالمثْل: «هكذا أبي السماويّ يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كلّ واحد لأخيه زلّاته» (متّى ١٨: ٣٥)، وذلك على خلفيّة ما قام به الملك بالعبد غير الغفور إذ «سلّمه الى المعذِّبين حتّى يوفي كلّ ما كان له عليه» (متّى ١٨: ٣٤). فهل هو يُرهبنا بهذا الكلام لننصاع له؟ لربّما نستدرك الجواب بلفت النظر إلى عبارة «أبي السماويّ» وليس القاضي السماويّ التي وردت في تنبيه الربّ. أَليس مواطنو ملكوت الله هم بالضبط أبناء على شاكلة الابن الوحيد للآب الذي «يُشرق شمسَه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار والظالمين» (متّى ٥: ٤٥)؟ ألا يقصد الربّ بمبدأ المعاملة بالمثل أن يعطينا قوّة دفع داخليّة وتصميمًا ثابتًا للمضيّ في إثره بحيث تشحذ كلمتُه همّتَنا في مواجهة محتومة مع معايير العالم ومنطلقاته بشأن طريقة التعاطي الفضلى بين بعضنا البعض؟
مَن سلك وفق المعيار الذي وضعه الربّ نال منه نعمة ونصيبًا وفق العدالة الإلهيّة. العديدون تخلّوا عن عدالة الأرض وسلّموا أمرهم إلى عدالة السماء، فكان نصيبهم مجدًا وعزّة وكرامة لا تشبه غنى وكرامات أهل الأرض. هذه الشهادات التي نعرفها في تاريخنا القديم والحديث ختمتْ على قول الربّ الأخير في المثل. هذه تحثّنا على السير قدمًا في إثر الربّ، والاقتداء بهؤلاء الذين سبقونا في عيش هذه الخبرة، بحيث يكون لنا نصيب معهم بعد أن صار لهم نصيب مع الربّ. ألا يحتاج عالمنا اليوم إلى مثل هذه الخميرة الصالحة لتخمّر العجين كلّه؟ الشكر، كلّ الشكر، للذين هم مثال لنا ومربّون ومرشدون في هذا الطريق، إذ يصبرون علينا حتّى يصلب عودنا عبر تجارب الحياة فنصير خميرة صالحة بدورنا. هلّا كنّا رفقاء درب فنتشجّع ونتعاون في حَمْل «نِير» المسيح هذا حتّى النهاية؟
سلوان
مطران جبيل والبترون وما يليهما
(جبل لبنان)
الرسالة: ١كورنثوس ٩: ٢-١٢
يا إخوة إنّ خَتم رسالتي هو أنتم في الربّ، وهذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني. ألعلّنا لا سلطان لنا أن نأكل ونشرب؟ ألعلّنا لا سلطان لنا أن نجول بامرأةٍ أختٍ كسائر الرسل وإخوة الربّ وصفا؟ أَم أنا وبرنابا وحدنا لا سلطان لنا أن لا نشتغل؟ من يتجنّد قطّ والنفقة على نفسه؟ من يغرس كرمًا ولا يأكل من ثمره؟ أو من يرعى قطيعًا ولا يأكل من لبن القطيع؟ ألعلّي أتكلّم بهذا بحسب البشريّة، أَم ليس الناموس أيضًا يقول هذا؟ فإنّه قد كُتب في ناموس موسى: لا تكُمّ ثورًا دارسًا. ألعلّ الله تهمّّه الثيران، أو قال ذلك من أجلنا لا محالة؟ بل إنّما كُتب من أجلنا. لأنّه ينبغي للحارث أن يحرث على الرجاء وللدارس على الرجاء أن يكون شريكًا في الرجاء. إنْ كنّا نحن قد زرعنا لكم الروحيّات، أفيكون عظيمًا أن نحصد منكم الجسديّات؟ إن كان آخرون يشتركون في السلطان عليكم أفلسنا نحن أَولى؟ لكنّا لم نستعملْ هذا السلطان بل نحتمل كلّ شيء لئلاّ نُسبّب تعويقًا ما لبشارة المسيح.
الإنجيل: متّى ١٨: ٢٣-٣٥
قال الربّ هذا المثل: يشبه ملكوت السماوات إنسانا ملكًا أراد أن يحاسب عبيده. فلمّا بدأ بالمحاسبة أُحضر إليه واحد عليه عشرة آلاف وزنة، وإذ لم يكن له ما يُوفي، أَمَرَ سيّدُه بأن يُباع هو وامرأته وأولاده وكلّ ما له ويوفى عنه. فخرّ ذلك العبد ساجدًا له قائلاً: تمهّل عليّ فأُوفيك كلّ ما لك. فرقّ سيّد ذلك العبد وأَطلقه وترك له الدَين. وبعدما خرج ذلك العبد وَجد عبدًا من رفقائه مديونًا له بمئة دينار فأمسكه وأخذ يخنقه قائلاً: أَوفني ما لي عليك. فخرّ ذلك العبد على قدميه وطلب إليه قائلاً: تمهّل عليّ فأوفيك كلّ ما لك، فأبى ومضى وطرحه في السجن حتّى يوفي الدين. فلمّا رأى رفقاؤه ما كان حزنوا جدًّا وجاؤوا فأعلموا سيّدهم بكلّ ما كان. حينئذٍ دعاه سيّده وقال: أيّها العبد الشرّير كلّ ما كان عليك تركتُه لك لأنّك طلبتَ إليَّ. أفما كان ينبغي لك أن ترحم أنت أيضًا رفيقك كما رحمتُك أنا؟ وغـضب سيّده ودفعه إلى المعذِّبين حتّى يوفي جميع ما له عليه. فهكذا أبي السماويّ يصنع بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كلّ واحد لأخيه زلاّته