...

كلمة الراعي من صورتنا الجميلة عن أنفسنا إلى صورة المصلوب فينا

 

 

أن تتبع الربّ يسوع مغامرة لها حلاوتها، يكتشفها شبابنا في الخدمة والعطاء، في الخلوة والصلاة، في الغيرة والاندفاع، في الأخلاق الحميدة والتربية الحكيمة، في الدراسة والاعتراف. يكشف لنا إنجيل اليوم وجهًا آخر لها، حيث مثال الشابّ الغنيّ الذي «مضى حزينًا، لأنّه كان ذا أموال كثيرة» (متّى ١٩: ٢٢) يشكّل مثالًا واقعيًّا. فماذا جرى يا تُرى؟

عبر توصيف الإنجيل، نفهم أنّ هذا الشابّ قد حقّق اكتمالًا كبيرًا في شخصيّته. يبدو أنّه تمتّع بحسن الأخلاق والروحانيّة والمعيشة، فهو «حفظ الوصايا»، التي عددّها الربّ، «منذ حداثته» (متّى ١٩: ٢٠)، وهو شابّ غنيّ كما تَبيَّن لنا من الحادثة. لقد جمع في شخصه ما يحلم به كلّ إنسان: الغنى الروحيّ والغنى المادّيّ، هذا بالإضافة إلى ما يتمتّع به من شباب، أي الغنى الذي تمثّله الصحّة والعزم وإمكانيّات النموّ في اتّجاهات مختلفة.

يلفت نظرنا أنّ هذا الشابّ يحمل هاجسًا طرحه على يسوع ويغيب عنّا في خضمّ اهتمامنا بشؤون هذا العالم وشجونه. هوذا يسأل الربّ: «أيّها المعلّم الصالح، أيّ صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبديّة؟» (متّى ١٩: ١٦). فما هي دوافعه الحقيقيّة؟ هل كان الأمر يتعلّق بفقدان الرضى عن الذات، أم الرغبة في تأكيدها؟ هل كان يبتغي، عبر سؤاله عن بلوغ الصلاح المرتبط بالحياة الأبديّة، تجديدًا للذات أم تلميع صورتها؟ أيًّا يكن من أمر، فقد شدّنا هذا الشابّ بسؤاله، وأسرنا بما يطمح إليه. نخال أنفسنا معه، في موكب النجاح الروحيّ والمادّيّ الذي يتجلّى أمامنا والذي لربّما يُكتب له سموّ آخر أو رفعة جديدة من الآن فصاعدًا.

لا شكّ في أنّ الحوار بين الشابّ ويسوع كشف عن العمل الداخليّ الذي قام به هذا الشابّ، منذ نعومة أظفاره وحداثته. وهذا أثار إعجابنا. لكنّنا لم نفهم لماذا لم ينتهِ الحوار على شاكلة النهايات السعيدة في الأفلام بتتويج هذا الشابّ المثاليّ؟ لقد كشف هذا الحوار عن أمر آخر نخشاه عندما لا ننظر في مرآة أنفسنا، بل إذا ما نظرنا في مرآة الإنجيل. لربّما نخشى متطلّبات الإنجيل إذا ما سُلِّط ضوؤه على سلوكنا ورغباتنا، الواعية وغير الواعية، الظاهرة والخفيّة، بحيث يقودها كلام الربّ إلى الاكتمال الصالح.

فهل يصطدم شبابنا بالمسيح، كما اصطدم هذا الشابّ، ويغادرون حزانى من جرّاء قول المسيح لـمَن تجنّد أو أراد أن يتجنّد في سبيل الإنجيل ما قاله لهذا الشابّ؟ فبين سؤال الشابّ: «هذه كلّها حفظتُها منذ حداثتي. فماذا يعوزني بعد؟» وجواب يسوع: «إن أردتَ أن تكون كاملًا فاذهْب وبعْ أملاكك واعطِ الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعالَ اتبعْني» (متّى ١٩: ٢٠ و٢١)، هوّة تحتاج إلى مَن يجتازها. فمَن سيفعل؟ 

الصدمة التي تتولّد أمامنا من مقابلة هاتَين الصورتَين تضعنا على محكّ أن نزهد بصورتنا الجميلة عن أنفسنا لنتصوّر على صورة يسوع، حتّى ولو كانت صورته مزدانة بإكليل الشوك واللطم والتعيير. العالم يشدّنا إلى أن نتحلّى بالصورة الأولى، بينما الإنجيل يشدّنا إلى أن نتكوّن على أساس الثانية. هذا مع العلم أنّه، بالنسبة إلى البعض منّا، صورتنا الجميلة عن أنفسنا، أو الصورة الجميلة التي نظهّرها عن أنفسنا أمام الآخرين، تمثّل أكبر غنى ممكن أن نحصل عليه أو أن نبتغيه.

أن تتخلّى عن كلّ شيء من أجل المسيح ليصير هو كلّ شيء بالنسبة إليك هو الصلاح الحقيقيّ. هذا ما يقودنا إليه هذا الحوار. وهذا ما يضعنا على المحكّ في صَبْونا إلى الكمال. فمَن تخلّى عن والدَيه وأبنائه وعن ممتلكاته من أجل المسيح، عليه أن يتخلّى عن كلّ جزئيّات الجمال وفتات الصلاح، لكي يطلب الصالح الوحيد. ألا يذكّرنا يسوع بذلك في مطلع الحديث: «ليس أحد صالحًا إلّا واحد وهو الله» (متّى ١٩: ١٧)؟ 

لقد وجد التلاميذ أنفسهم في موقع صعب في نهاية الحادثة إلى درجة أنّهم سألوا يسوع: «إذًا مَن يستطيع أن يخلص؟»، فكان جوابه لهم هو الجواب الشافي: «هذا عند الناس غير مستطاع ولكن عند الله كلّ شيء مستطاع» (متّى ١٩: ٢٥ و٢٦). نعم، لا نبلغ الصلاح الإلهيّ وحدنا، بمفردنا، بل بالتخلّي والزهد عن كلّ ما يعيق تصوّر المسيح فينا. وهذا إنّما هو عمل الروح القدس فينا إن وضعنا مشيئتنا تحت مجهر نور مشيئة الله واهتدينا بهديها. الحمد لله أنّ سحابة من الشهود أظهرت أنّ كثيرين التقوا المسيح ولم يذهبوا حزانى، بل أفرحوا الربّ وكنيسته، وساعدوا إخوتهم بطرائق مختلفة في عمليّة اتّباعهم الربّ. هلّا شكرناهم وقمنا بقسطنا من التخلّي عن بهاء نُسَرُّ به وقتيًّا من أجل البهاء بامتياز الذي سُرَّ الله بأن يعطينا إيّاه أبدًا؟

سلوان
مطران جبيل والبترون وما يليهما
(جبل لبنان)

 

الرسالة: ١كورنثوس ١٥: ١-١١

يا إخوة أُعرّفكم بالإنجيل الذي بشّرتُكم به وقبلتموه وأنتم قائمون فيه، وبه أيضًا تخلُصون بأيّ كلام بشرتكم به إن كنتم تذْكُرون إلّا إذا كنتم قد آمنتم باطلاً. فإنّي قد سلّمتُ إليكم أوّلًا ما تسلّمته أنّ المسيح مات من أجل خطايانا على ما في الكتب، وأنّه قُبر وأنّه قام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وأنّه تراءى لصفا ثمّ للاثني عشر، ثمّ تراءى لأكثر من خمس مئة أخ دفعة واحدة أكثرُهم باقٍ حتّى الآن وبعضُهم قد رقدوا، ثمّ تراءى ليعقوب ثمّ لجميع الرسل، وآخر الكلّ تراءى لي أنا أيضًا كأنّه للسقْط، لأنّي أنا أَصغرُ الرسل ولستُ أهلًا لأن أُسمّى رسولًا، لأنّي اضطهدتُ كنيسة الله، لكنّي بنعمة الله أنا ما أنا. ونعمتُه المعطاةُ لي لم تكن باطلة، بل تعبتُ أكثر من جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي. فسواء كنت أم أولئك، هكذا نكرز وهكذا آمنتم.

 

الإنجيل: متّى ١٩: ١٦-٢٤

في ذلك الزمان دنا إلى يسوع شابّ وجثا له قائلًا: أيّها المعلّم الصالح ماذا أَعمل من الصلاح لتكون لي الحياة الأبديّة؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحًا وما صالح إلّا واحد وهو الله؟ ولكن إن كنت تريد أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. فقال له: أيّة وصايا؟ قال يسوع: لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أَكرمْ أباك وأُمّك، أَحبب قريبك كنفسك. فقال له الشابّ: كلّ هذا قد حفظتُه منذ صبائي، فماذا ينقصني بعد؟ قال له يسوع: إن كنتَ تريد أن تكون كاملًا فاذهب وبع كـلّ شيء واعطه للمساكين فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني. فلمّا سمع الشابّ هذا الكلام مضى حزينًا لأنّه كان ذا مالٍ كثير. فقال يسوع لتلاميذه: الحقّ أقول لكم إنّه يعسر على الغنيّ دخول ملكوت السماوات؛ وأيضًا أقول لكم إنّ مرور الجمل من ثقب الإبرة لأسهل من دخول غنيّ ملكوت السماوات. فلما سمع تلاميذه بُهتوا جدًّا وقالوا: من يستطيع إذًا أن يخلص؟ فنظر يسوع إليهم وقال لهم: أمّا عند الناس فلا يُستطاع هذا، وأمّا عند الله فكلّ شيء مستطاع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كلمة الراعي

من صورتنا الجميلة عن أنفسنا
إ
لى صورة المصلوب فينا