|
|
|
في سياق تعليم المؤمنين في كنيسة كورنثوس، يقول الرسول: “ولمّا كان لنا من روح الإيمان ما كُتب فيه: “آمنت ولذلك تكلّمت”، فنحن أيضًا نؤمن ولذلك نتكلّم” (الرسالة الثانية 4: 13).
مَن له مع الكتب المقدّسة علاقة ودّ، يعرف أنّ الرسول يقتبس قوله (آمنت ولذلك تكلّمت) من كتاب المزامير (115: 1). أوّلاً، ما حكاية هذا المزمور؟ باختصار، إن قرأنا هذا المزمور، لا يفوتنا أنّ ما يشغل صاحبه هو أن يؤكّد أنّ إيمانه بالله لا يمكن أن يخفّ إن في أوان بؤسه، أو متى شاعت المآثم. إنّه يعلّي أنّ مؤمنًا، في الأرض، لا يقدر على أن يردّ خير الربّ الذي يستحقّ، وحده، أن يُدعى باسمه، وتوفى نذورُ الحمد له أمام جميع شعبه. هل هذا يشرّع لنا أن نحسب أنّ بولس، موازاةً مع المرنّم، يرى نفسه بائسًا، أو يأسف على شيوع الإثم في كورنثوس؟ على أنّ أيّ تجمّع بشريّ لا يخلو من خطايا مقيتة، يجب أن نجيب بثقة مكرّرة: لا، لا. فبولس، قارئًا الكتب، يعرف كيف يستعملها. لقد استلّ الآية من سياقها، وأدرجها في سياقٍ أراد منه أن يعزّز أنّ واقع الحياة، أيًّا كان، ألمًا أو شدّةً أو اضطهادًا، لا يغيّر أنّ الله قادر على أن يبدي نصره أبدًا. ثقة المرنّم: “آمنت ولذلك تكلّمت” تبنّاها الرسول، ونقلها إلى أوضاع يعرفها (أنظر: 4: 7-12).
هذا يكشف أنّ الإيمان، الذي يقصده بولس، أي الإيمان الحقّ، إنّما يحرّكه انتصار المسيح على موته وموتنا جميعًا. والبراعة، في هذا القصد، يظهرها قوله: “فإنّنا نحن الأحياء نسلّم في كلّ حين إلى الموت من أجل يسوع، لتظهر في أجسادنا الفانية حياة يسوع أيضًا” (الآية الـ11). ثمّ يمدّ قصده بقوله توًّا: “فالموت يعمل فينا، والحياة تعمل فيكم” (الآية الـ12). ويمكننا، إن تتّبعنا ما نقلناه هنا بدقّة، أن نتبيّن، من دون جهد، أنّ حياة الربّ هي التي تقيم مَن يخدمونه في الجماعة، وتاليًا تنعش المؤمنين الذين يقبلونها.
إذًا، بولس، باقتباسه، لا يتكلّم على إيمان لفظيّ مجرّد، بل على ثمرة “قبر فارغ” خرج منه إلهٌ اصطاده على طريق برّيّة دمشق (أعمال الرسل 9: 1-9). هناك، أظهر له يسوع نفسَهُ حيًّا. وبكلمات قليلة، أقنعه بأن يتخلّى عن حياة عتيقة، ويختار الجديدة. عادت حياته أن يشهد لإله هذا اللقاء الفريد. بعده، لم يصمت لحظةً. عُذِّب، بلى. ضُرب. ضُيّق عليه. أُوقع في مآزق. عُومِلَ كما لو أنّه طريدة. احتُقر. جاع، عطش، وعُرّي. لُطم. شُرّد. شُتم. شُنّع عليه. سُجن. صار شبه أقذار العالم ونُفاية الناس أجمعين. تعرّض للخطر كلّ حين. واجه الموت كلّ يوم. و”حارب الوحوش في أفسس” (العبارة مجازيّة)، بلى، بلى. لكنّه لم يصمت بتاتًا. لقد خطف عينَيْهِ وقلبَهُ إلهٌ لاقاه. وعلى كلّ ما أصابه، كان لا يرى سواه، ولا يتكلّم على سوى ما أفاضه عليه نوره. “آمنت”، أي صدّقت أنّ المسيح حيّ ومحيٍ. وها أنا أتكلّم من صدقي. أنا لا يهمّني شيء في الحياة سوى أن أروي قصّة إله انتشلني من هاوية قذرة إلى رحاب أن أشهد له وحده. هذا إيماني، أي هذه ثروتي، حاضري ومستقبلي. حياتي كلّها باتت أن أزرع الدنيا بحياة إله وهبنا حياته.
لقد غنّى بولس، بما قاله، لفصح الربّ، لامتداد معناه، ولِما يفترضه من مسؤوليّات. فالفصح الفصح أن نعرف أنّنا، أحياء، شهود لإله حيّ. هذا لا يوافقه أن نعتقد، مثلاً، أنّ ما نعرفه من أمور عن الله يكفي، لنشهد له. فالشهادة لله ليست بربرة، بل فعل إيمان شخصيّ بإله وهبنا حياته. لقد تكلّمنا على ما جرى لبولس في تلك البرّيّة الدمشقيّة. ولكن، هل يسمح لنا ما جرى بأن نعتبره أمرًا قد تمّ له، وكفى؟ لا، لا نريد أن نوحي أنّ لقاء الربّ به ليس حدثًا شخصيًّا. ولكنّنا، أيضًا، لا يمكننا أن نوحي أنّ ثمّة شهادةً ممكنة حقًّا إن لم يخصبها لقاء خاصّ بالربّ يتمّه لنا. كلّ منّا مُنح لقاءه. هذا لا يمكن أن يحرمنا الله إيّاه. إن أرادنا شهودًا لفصحه المجيد، فلا بدّ من أن يلاقي كلاًّ منّا في براري وجودنا، لينقلنا إلى جنانه الريَّا. فالله لا يحابي. وهذا لا يغيّره أن ترى معظم الناس قابعين في براريهم. قيمة الرسول أنّه يتكلّم على إيمان يخصّه، ويخصّنا، أو يخصّنا على رجاء أن نعي أنّه يخصّنا. يريدنا، إن هرمت ذاكرتنا، أن ننعشها. لا يريدنا أن نعود إلى خزائن ماضينا فحسب، لنفتّش عن لقاء جرى لنا قديمًا. فالربّ، الذي يعمل في الأمس، أيّ أمس، هو إله الحاضر دائمًا. يبقى أن نذكر، أن ندخل عمق قلوبنا، أو أن نراه الآن أمامنا، ما من فرق.
إن لم نعرف أنّ المسيح حيّ فينا، يكن فصحنا أنشودةً فرحُها عابر. ويجب أن نزداد في هذه المعرفة لا سيّما في ظروف تُتعبنا. أن نثق، دائمًا، بأنّ الربّ غلاّب فينا، هو كلّ أمره معنا في أوان أفراحنا وفي اشتداد أزماتنا ومحننا. سيمضي هذا العالم. سيمضي هو وشدائده. أمّا الرسول، فيريدنا، بقوله، أن نثق بأنّ هذا العالم، مغلوبًا حقًّا، قد مضى فعلاً. هناك كثيرون في الأرض أسرى عالمهم الخاصّ، أسرى مشاكلهم وشكوكهم وأفكارهم السوداء وذاكراتهم المريضة. قول الرسول يضعنا، دائمًا، أمام مسؤوليّة إطلاع العالم على خبر إحيائه، أي يريدنا أن نوجّه كلامنا، من إيمان راهن، إلى كلّ إنسان في الأرض. ليست المسيحيّة أن نعرف أنّ المسيح قام هو، ونكتفي. المسيحيّة، كلّ المسيحيّة، أن ننقضّ على هذا العالم بلقاء، نعلم بأنّه قد تمّ لنا، يُفصح أنّنا نحمل “في أجسادنا حياة المسيح أيضًا” (الآية الـ10)، لنحيا كلّنا به وفيه.
ما قاله الرسول إلى الجماعة في كورنثوس، هو، أبدًا، رسالة الكنيسة التي أرسلت إلى العالم، لتعلن إيمانها بأنّ المسيح قد قام، وأقامنا، حقًّا، من كلّ موت يتربّص بنا أو ينتظرنا، لنحيا، ونحيي.