...

“إنّه قد قام، ليس هو ههنا”

تُعيد الكنيسة تذكيرنا، عبر القراءة الإنجيليّة لليوم الأحد الثاني بعد الفصح، بالدور الذي أدّاه القدّيس يوسف الرامي الذي أنزل المسيح عن الصليب وقام بدفنه؛ وبدور النسوة الحاملات الطيب، أولى الشاهدات والمبشّرات بالقيامة.

يمدح الإنجيليّون جرأة يوسف الرامي وشجاعته، في الوقت الذي يتحدّثون فيه عن خوف تلاميذ الربّ يسوع وجبنهم. فالقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم (+٤٠٧) يعلّق على عمل يوسف بالقول: “كان يوسف تلميذ يسوع الخفيّ. أمّا الآن فقد أصبح جريئًا بعد موت يسوع. إنّه لم يكن شخصًا مجهولاً أو منسيًّا، بل كان أحد أعضاء المجلس البارزين. وكما نرى، كان شجاعًا أيضًا. فتعرّض للموت متّخذًا على عاتقه عداوة الجميع حبًّا بيسوع. فاجترأ وطلب جسد يسوع ولم يكفّ عن طلبه حتّى أعطي له. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وضعه في قبره الجديد مظهرًا محبّته وشجاعته”.

يقدّم القدّيس أفرام السريانيّ (+٣٧٣) انطلاقًا من اسم “يوسف الرامي” هذا التأمّل المدهش: “كان اسم الشخص الذي طلب جسد يسوع هو يوسف. لقد كان يوسف الأوّل رجلاً بارًّا لم يرد أن يشهر أمر مريم. وكان يوسف الثاني رجلاًّ بارًّا لم يذعن للأثمة. يتّضح من هنا أنّ الربّ عند ولادته عُهد إلى رجل اسمه يوسف. وعند موته سُمح لشخص يحمل هذا الاسم أن يجهّزه للدفن. ينال حامل الاسم أجرًا كاملاً على أداء خدمته ليسوع عند ولادته في مغارة، وعند دفنه في القبر”.

يجري أحد المفسّرين القدماء، الشهيد مكسيموس التورينيّ (+٢٣٥)، مقارنة رائعة ما بين البتولية ونقاوة القبر الذي وُضع فيه يسوع، فيقول: “قبر يوسف حفظه بلا فساد، مثلما حفظه بطن مريم في ولادته. القداسة والبتوليّة تحيطان بذاك الجسد المبارك. بطن جديد حُبل به، وقبر جديد أغلق عليه. البطن هو بطن للربّ. إنّه بتوليّ. أما يحسن أنّ نقول إنّ القبر ذاته هو بطن أيضًا؟ هناك تشابه كبير بينهما. فكما جاء الربّ من بطن أمّه حيًّا، كذلك قام حيًّا من قبر يوسف. وكما وُلد من بطـن لـيعلـن البشـارة، كـذلك وُلـد ثـانيـة مـن القبـر ليبشّـر بالإنجيل”… أمّا العلاّمةأوريجنّس (+٤٥٠) فيقول في هذا السياق: “القبر الجديد الذي وُضع فيه جسد يسوع فيشير إلى نقاوته. إنّه لم يكن مبنيًّا من حجارة مرصوفة، بل كان منحوتًا في صخر واحد متماسك الأجزاء”.

يستغرب بطرس خريسولوغس (+٤٥٠)، أسقف رافينا، تساؤل النسوة اللواتي أتين إلى القبر ليدهنّ جسد يسوع بالطيب: “مَن يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟”، فيقول: “هل عن باب القبر أو عن باب قلوبكنّ؟ هن القبر أم عن أعينكنّ؟ فإنْ أردتنّ رؤية المجد فاسكبن الطيب لا على جسد الربّ، بل على بصائر قلوبكنّ. فبنور الإيمان سترين ما هو محجوب عنكنّ في الظلام من جرّاء ضعف إيمانكنّ”. ويلاحظ أحد المفسّرين أنّ الملاك لم يدحرج الحجر ليفتح أمام الربّ الطريق للخروج، بل ليعطي دليلاً للناس على أنّه خرج من القبر، “فإذا دخل إلى العالم في أثناء ولادته، مع أنّ رحم العذراء كان مختومًا، فلا شكّ في أنّه ترك العالم في قيامته من خلال القبر المختوم”.

يلاحظ القدّيس كيرلّس الإسكندريّ (+٤٤٤) أنّ الملائكة “بشّرت الرعاة في بيت لحم بولادة الربّ المفرحة، والآن تبشّر بقيامته”. ويتابع كيرلّس قائلاً: “جاءت النسوة إلى القبر، فما وجدن جسد المسيح، لأنّه كان قد قام، فارتعبن. لكنّهن استأهلن أن يرين ملائكة قدّيسين يبشّرونهنّ بأنباء القيامة المفرحة إنّ كلمة الله حيّ أبد الأبد، وهو حياة بطبيعته. لكنّه تواضع وأخلى ذاته ليكون مثلنا، فذاق الموتز وهذا كان إماتة للموت، لكنّه قام من بين الأموات ليكون الطريق الذي نعود به نحن، لا هو، إلى عدم الفساد”. لقد ارتأى ابن الله أن يصير إنسانًا ليجعل من المؤمنين به أبناء لله.

يعلّق القدّيس يوحنّا الدمشقيّ (+٧٥٠ ) على الآية الإنجيليّة: “أنتنّ تطلبن يسوع الناصريّ المصلوب” مشدّدًا على أهمّيّة رمز الصليب، فيقول: “نحن نسجد لرسم الصليب الكريم المحيي، لأنّنا لا نكرّم المادّة، بل الرسم، كرمز للمسيح. من هنا قول ملاك القيامة للنسوة: أنتنّ تطلبن يسوع الناصريّ المصلوب. والرسول بولس يقول: نحن نبشّر بالمسيح مصلوبًا. وهو لم يقل المطعون بحربة، بل المصلوب. وعليه، يجب السجود لعلامة المسيح، لأنّه حيثما تكون العلامة يكون هو نفسه أيضًان حتّى لو كانت المادّة المعمول منها رسم الصليب، ذهبًا أو حجارة كريمة، فيجب أن لا نسجد لها إن أُبيد الرسم”.

يرد في “دساتير الرسل القدّيسين” (القرن الرابع الميلاديّ) أنّ القيامة التي نؤمن بها قد ظهرت في قيامة ربّنا، “فهو الذي أقام لعازر بعد أن كان له في القبر أربعة أيّام، وأقام ابنة يايرس وابن الأرملة. وهو الذي قام من بين الأموات بأمر الآب بعد ثلاثة أيّام. إنّ يسوع هو ضمان قيامتنا، فمَن أخرج يونان من جوف الحوت بعد ثلاثة أيّام حيًّا سليمًا، وأنقذ الفتية

الثلاثة من أتون بابل ودانيال من فم الأسود لا يعجز عن إقامتنا من بين الأموات”. قيامة المسيح أعلنت افتتاح الملكوت السماويّ، فاجعلنا، يا ربّ، من أهل الملكوت.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

“إنّه قد قام، ليس هو ههنا”