/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / الهدف والوسيلة

الهدف والوسيلة

الهدف والوسيلة

 

 

خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، وجعله في فردوسه، أي جعل الهدف من خلقه أن يكون على صورته في الخصال والمحامد لكي يحقق ما هو أسمى، وهو المثال، أي نتيجةَ نموِّه ورقيه ووصوله الى شيء يسعى إليه.
وكما في الإيمان، يقتضي الجهاد وسائلَ للوصول الى المبتغى، هكذا في كلِّ شيء، في السياسة – الإقتصاد – الحياة الإجتماعية – العلم، هناك تكتيك، وسائل واستراتيجية وهذه هي الأهم.
يتطلب العلم من الطالب الإستيقاظ باكراً، والذهاب الى المدرسة، وحضور الدروس والعودة الى البيت، والإستعداد الى اليوم الثاني. كما عليه أن يشتري الكتب والدفاتر والأقلام، ولماذا كل هذا؟ بالطبع ليتعلم، فلو قام بكل تلك الأمور ولم يتعلم، فلن تساوي شيئاً، بل الذي يعطيها كلَّها قيمتَها، التعلمُ وتقدمُ الإنسان بالمعرفةِ، وتحقيق ما يريد ويهدف إليه، وهنا يصح المثل القائل (النهاية السعيدة تجعل كل ما سبقها من الصعوبات، سعيدة)، وما ينطبق في المجالات العالمية ينطبق في الحياة الروحية.
الهدف من خلق الإنسان أن يصل الى كمال المثال الإلهي. فقد صار الإله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً. إذاً الوسيلة ليصير الإنسان إلهاً كانت بأن يصير الإله إنساناً. فغاية صيرورة الله إنساناً أن يصير الإنسان إلهاً وهكذا صار وهكذا تم.
هنا وبغير أن يصير الله ما هو عليه الإنسان ما كان ليصير الإنسان بالنعمة ما هو عليه الله تعالى بالطبيعة. ولكن بالنسبة للإنسان الطرق متعددة حتى يصل الى غاية التجسد الإلهي.
بحسب القديسين والآباء النساك المجاهدين هناك طرق عديدة ليحقق الإنسان الغاية من وجوده، وخاصة بعد أن أعطانا ربنا وإلهنا يسوع المسيح إمكانية العودة الى ما كنا عليه في الخلق. وأعطونا الدليل تلو الدليل على هذه الإمكانية، ونتمكن من ذلك بالإقتداء بهم فنصير قديسين. ويقول القديس سيرافيم ساروفسكي أن غاية الحياة المسيحية، إمتلاك الروح القدس. وهو ما يعبر عنه آباء آخرون بصيرورتنا قديسين. فبحسب القديس سيرافيم وغيره، غاية الحياة المسيحية ليست الصلاة، ولا حياة الفضيلة، ولا العطاء، ولا المسامحة إلخ، لأن هذه كلها تهيؤنا لنكون مقار ومساكن للروح القدس “أنتم هياكل الروح القدس”.
للأسف هناك الكثيرون من الناس الذين يتلذذون بعمل الفضيلة من غير أن تكون لهم علاقة بالإيمان وإكتساب الروح القدس، وقد يكونون لا يعرفونه. هناك بعض الناس يجاهدون ولكن فقط ليقول لهم الناس حسناً حسناً. يقول لنا ربنا يسوع المسيح “بالحقيقة أقول لكم أن هؤلاء قد نالوا أجرهم على الأرض”.
الإنسان الذي يجاهد حقيقة وبمعرفة تامة لما يصبو إليه هو الذي لا يترك واسطة أو وسيلة إلا ويستخدمها ليصل الى الهدف المتميِّز في ذهنه عن الوسائط والوسائل المؤدية إليه.
فمن اكتفى بالوسائط يصاب بأمراض روحية ونفسية فيصبح الإنسان مثلاً: متكبراً – دياناً – نماماً وهو لا يدري، ويصبح منفصم الشخصية يجاهد جهاداً طيباً ولكن من جهة ثانية لا يتصرف كما يليق بجاهده.
وقد يضيع بالتالي الهدف إذا لم يتوجه إليه توجهاً صحيحاً، ويتلهى الإنسان في الوسائل والوسائط فيضيع بينهما ويسقط في النهاية في وهدة اليأس ووادي ظلاله وظلامه.
كثيرون هم المجاهدون الذين تطلعوا الى ذواتهم من خلال الوسائط فتركوا الجهاد في النهاية وعادوا الى العالم وطرقه وأساليبه.
مرّات كثيرة يسير الإنسان سيراً صحيحاً، ولكن بسبب العناية والتأديب يسقط في ظلامٍ نفسي. فإذا لم يبق مثبِّتاً وجهه نحو نهاية نفق الأتعاب وصعوباتها قد يرنو خائفاً لأنه فقد من ذهنه وفكرة الرابط مع الهدف من خلقه ودعوته ليكون مساكناً الله تعالى في الفردوس.
مرّات كثيرة قد تصبح الوسيلة هدفاً وسطاً ولكن لا تكون (الهدف). مثلاً قد تكون غاية الصوم ترويض الجسم، وهذه مرحلة. وقد يكون لزيادة الشعور بصعوبات المحتاجين والمحرومين، فالصوم له غايات كثيرة، وكذلك الصلاة. أما حياة الإنسان فغايتها القداسة. وماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلَّه وخسِرَ نفسه. لقد أعطانا الله الخليقة بكل ما هو موجود فيها لنتمتع بها مباركين الله في كل حين، ولكن ليس لتسود علينا وتتسلَّط. فالسبت جعل لخدمة الإنسان، وليس الإنسان لخدمة السبت.
أسأل الله أن ينير عقولنا وأذهاننا لكي ندرك بكل تمييز الفرق بين الهدف من حياتنا ووجودنا في هذا العالم الفاني والوسائط المؤدية الى الهدف، فالهدف يشدنا دائماً الى وسائط ووسائل أسمى فنسموا في القداسة والحياة مع المسيح الذي يقوينا حتى نصل الى قامته، فلا يعود من قيمة للوسائط ولا دور للوسائل. لأنه عندئذ هو الذي يقودنا في موكب نصرته، ويكون شمسنا ونورنا له المجد آمين.
باسيليوس، مطران عكار وتوابعها
عن “الكلمة”، كنيسة طرطوس، العدد 43، الأحد 25/10/2015

 

 

 

الهدف والوسيلة