/ مقالات وعظات / نُور المعرفة

نُور المعرفة

نُور المعرفة

 

لقد أَطلع العيدُ من جديد نُور المعرفة. فلَيْلَتُنا ضوءٌ كلها، ارتقاء إلى أعماق الله. وُلد المخلّص في صميم مأساة الدنيا، في برد وعراء وإجحاف. وأثار مولده حسد هيرودس، وبلغ الحقدُ عليه مبلغ الصلب. الأيقونة التقليدية للميلاد تجعل الطفل في المذود مقمّطًا وكأنّه في كفن، وكأنه رُمي في المذود على الألم والموت إذ احتمل عليه كل ألم وموت.

لا يبغي صاحب العيد أن نغضّ الطرف عن الراهن حولنا، عن تمزُّق الناس. المسيح أبدًا وليدُ هذا التمزق، طريحُه إلى الأبد. الجراح معشرُه وفيها يقرأ السلام. السلام الذي أَنشدَته الملائكة يعطيه يسوع إلى العطشى إلى المرضى، الذين يزهق الباطل بحضرتهم لأنهم يُعلّون الحق ويسلكون في سبيله طريق الجراح.

تلك القلّة المخْلصة التي تتقبّل في الأرض انحناء السماء تشهد أننا رماد ونُور بآن، رماد مدعوّ أن يكون وهّاجًا، حياة تنبعث من الموت، وسيادة تنبثق من انسحاق كلّي. في الميلاد أتى الله إلينا بصورة عبد. بهذا الانسحاق، مارسَ سيادته على العالم، سطع في العالم نُورًا. لا سبيل سوى هذه المسكَنة إلى الرفعة وهذا الاتضاع إلى الكِبَر وهذا الموت إلى الحياة. نُور العالم وجماله وخلاصه من الفناء هو في أن يسكنه مُسَحاء يعكسون ضوء المسيح، يولدون كل يوم بحنان الله وغفرانه.

فالمسألة لم تبقَ تَذَكُّر يسوع في زمن الناس وكأنه مجرّد دمية تُزيَّن بها البيوت. المسألة غدت أن نكون أو لا نكون مع المسيح وفيه، أن ينجو العالم بصبغته وبالمصطبغين بموته. بهم وحدهم ينجو الكون من الظلمة والموت وينبعث في نور القيامة.

محبّو المسيح الأبكار يَرعَونه والبرّ الذي ينشده منهم أو يولّوا وجوههم، في دوام الإخلاص إلى نهوض الله فيهم ضوء عقل وشعور ومسلك والتزام.

فيما أسعى إلى الإخلاص أراك يا سيّد بهاء للعالمين ولذا أستر وجهي لأني رجل دنس الشفتين، متجذّر في العالم، غارق في نفسي أَلتهي بسحرها الكذوب. أدور فيها فأَختنق كأن رجائي يندحر. إزاء ما تعطيه يا رب أنا صفر اليدين. هلاّ قبلتَ فقري هدية؟ وُجودُك الوضيع في المذود كل غناي. ذكِّرْني بذلك إن استكبرتُ أو حاولت الامتلاك. قُلْ انك الملِك يا سيد.

إلامَ أَصيرُ في ضعفي والعالم فينا شهوةُ جسدٍ وشهوةُ عينٍ وانتفاخُ وجودٍ. هذه كلها تستعر في خفايا النفس. ميلادُك يبوح بأنك مُلقى في هذا الأتون الرهيب الذي هو القلب لتُحوّله بندى حضورِك إلى مسكن نعيم.

هذه الخطيئة الملحاح المعشّشة فينا لا تَدَعْها تعصف حتى الدوار فنلتهي بعذابنا عنك. لا تُسمّرنا على الحسرة والتندّم بل حوّلنا إلى وجهك الغفور فنكون، إذا تأمّلناه، بمنأى عن القبائح.

اللهم لا تَدَع الآثام تستعصي ولا النفوس بها تتأزّم. أَعطنا دموعًا بها نغتسل ونرتوي. مُسَّ أفواهنا بجمرة المحبة حتى تألف رحمتك وتتوب اليك بالفرح.

جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

عن “رعيّتي”، العدد 52، الأحد ٢٥ كانون الأول ٢٠١٦

 

 

نُور المعرفة