/ مقالات وعظات / كلمة الراعي

كلمة الراعي

كلمة الراعي

لما كانت الكنيسة تشمل الجميع بالمحبة، لم تدَّعِ أن الذين جاؤوا بعد يسوع المسيح وآمنوا به، والذين شملهم خلاصه فقط هم الذين ينتمون الى ملكوت الله أي الكنيسة بتمامها وكمالها، ولم تدَّعِ أن الذين جاؤوا قبل يسوع المسيح سيسكنون في فردوس من نوع آخر. بل الجميع الى معرفة الحق يقبلون وينالون الخلاص ذاته بدون تفريق أو تمييز لأنهم جميعاً يصبحون ورثة لله الآب بربنا يسوع المسيح. إذاً كما الذين مع يسوع المسيح وبعده هكذا الذين جاؤوا قبله، وعنهم يقول السيد له المجد إنهم إشتهوا أن يروا يوماً واحداً مما ترون وقد عاينوها من بعيد وحيَّوها.
من هؤلاء أنبياء العهد القديم، أي أنبياء الزمن الذي قبل المسيح ومنهم يوئيل النبي الذي نعيّد له اليوم مع شهيد من شهداء الكنيسة مما بعد مجيء المسيح، ويعتبر النبي يوئيل نبي العنصرة إذ قد ورد في كتابه أي نبؤته ما يلي: “وَيَكُونُ بَعْدَ ذلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى. وَعَلَى الْعَبِيدِ أَيْضًا وَعَلَى الإِمَاءِ أَسْكُبُ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، دَمًا وَنَارًا وَأَعْمِدَةَ دُخَانٍ. تَتَحَوَّلُ الشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ، وَالْقَمَرُ إِلَى دَمٍ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمُ الْمَخُوفُ. وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَنْجُو. لأَنَّهُ فِي جَبَلِ صِهْيَوْنَ وَفِي أُورُشَلِيمَ تَكُونُ نَجَاةٌ، كَمَا قَالَ الرَّبُّ. وَبَيْنَ الْبَاقِينَ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ” (يوئيل28:2-32). وقد تحقق الكلام بسر الفداء والصليب ثم بأحد العنصرة، وتستعمله الكنيسة على أن ما حدث صار كما شهد له الأنبياء في الكتب.
إضافة الى كلمات يوئيل النبويّة إلا أنه يستخدم صورًا زراعية لكي يتنبأ عن غضب الله على الشعب الذي أكل مال اليتيم والأرملة وضاق الإخوة ذرعاً ببعضهم البعض فنشبت الخلافات والصراعات.
وطالما أنَّ سكان أورشليم واليهوديّة قد استكبروا بسبب خصب أرضهم وشمخت أنوفهم رفعة وكبرياء سيعاقبهم الله بآفة من أشهر العلل الزراعية والتي كانت حتى وقت قريب ترعب الفلاحين وبالأحرى كانت ترعب الدول لأن الجراد لكثرته ما كان يبقي لا على أخضر ولا على يابس يتلف الزروع والمحاصيل فيعم الفقر والجوع والعوز.
سلوا الذين قبلكم من كان منهم على قيد الحياة ماذا تعني هجمة الجراد في الصيف أو أواخر الربيع. كانت أسرابه تحجب نور الشمس. تنبأ يوئيل النبي للناس الذين قست قلوبهم بسبب وفرة محاصيلهم وازدياد ثرواتهم بأنهم بكبريائهم وقساوة قلوبهم يتسببون بضربة الجراد، وجفاف الأرض وإرتفاع النعمة عنهم. “هو يوم تزحف فيه أمَّة قوية وعظيمة كما يزحف الظلام على الجبال. أمَّة لم يكن لها شبيه في سالف الزمان ولن يكون لها نظير من بعدها… الأرض قدامها كجنة عدن وخلفها صحراء موحشة ولا شيء ينجو منها منظرهم كالخيول وكأفراس الحرب يركضون. يثبون على رؤوس الجبال في جلبة كجلبة المركبات، كفرقعة لهيب نار يلتهم القش وكجيش عات مصطفٍ للقتال…”.
وطالما أن النبي يوئيل يصف الدا بقوله “الآن يقول الرب، إرجعوا الى الرب إلهكم لأنه رؤوف ورحيم بطيء الغضب وكثير الرأفة ولا يسر بالعقاب” هذا الكلام ذاته يصف الدواء لكي يعود الناس الى زمن البراءة والنزاهة والمحبة وفوق هذا والأهم منه تعود النعمة الى الناس كافة بلا تمييز.
نعم هذه هي مكافأة التوبة التي شهد لها الكثيرون في حياتهم أمثال مريم المصريّة والقديس موسى الحبشي. وكما تصح التوبة بالنسبة للأفراد هكذا تصح على الأمم. فقد تنبأ النبي يونان لأهل نينوى فتابوا بالمسوح والرماد وعادوا الى الله وعبادته عبادة صحيحة فعاد الله عن غضبه عليهم.
لقد صار كل من موسى الحبشي ومريم المصرية صانعي عجائب، وتصالحوا معذواتهم، ومع الناس، ومع الطبيعة، وذلك بنعم الروح القدس الذي لولاها لا يستطيع الناس أن يعملوا فضيلة ولا يأتوا فعلاً روحياً، ولا ينجحوا في مصالحة داخلية، ولا يكتسبوا فرحاً داخلياً. ويشهد الكثيرون أن أعمال التوبة تأتي بثمار وفيرة على مستوى الحياة الشخصية والحياة الإجتماعية . فعندما يقرر إنسانٌ ما أن يعود عن طريق الخطيئة، ويعترف بكل قلب صادق يشعر بأن حملاً ثقيلاً قد نزل عن كاهله واتسعت الدنيا من حواليه، وكثيرون يشعرون بأن سبل الحياة بكافة مجالاتها قد إنفتحت أمامه.
نعم أيها الإخوة الأحباء: إن المجتمع يجرفنا بتياراته بعيداً عن ذواتنا ويغذي نفوسنا بالكبرياء والأنانية والمركزية الشخصية، ويرمينا في مجال الاهتمامات الكثيرة. بينما الحاجة الى واحد وهو ما أدركه آباؤنا وأجدادنا والى زمن قريب من زمننا ولا زال بعضه يعاصرنا. والحاجة الى واحد أي الى الله تعالى. هذا ما أكَّده ربنا يسوع المسيح بقوله لمرتا “مرتا مرتا إنك مهتمة بأمور كثيرة وإنما الحاجة الى واحد”. “اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه وهذا كله يعطى لكم ويزاد”.
النبوّة ذاتها أراد النبي يوئيل أن ينبّه الشعب إليها أن لا يتباهى بما هو ملكٌ له، بل أن يتباهى بمن له ملك كل شيء بالحقيقة ليكون حراً وسيداً لا عبداً ومسوداً عليه من أشياء كثيرة إما تزول بذاتها، وإما تزيها الطبيعة أو نزول نحن عنها ونلتحق بمن عنده ما لا يزول.

باسيليوس (منصور)، مطران عكار وتوابعها

عن نشرة “الكلمة”، تصدرها كنيسة طرطوس (أبرشيّة عكّار، مطرانيّة طرطوس)، السنة 13،  العدد 42، الأحد 19/10/2014

كلمة الراعي