/ مقالات وعظات / الكهنوت في زمن الآلام

الكهنوت في زمن الآلام

 

الكهنوت في زمن الآلام

 

جاء ربنا يسوع المسيح ليخفف عن الناس آلامهم وآثامهم، وبالرغم من الهدف العظيم الذي كان سبباً لتدبير التجسُّد والخلاص العام والخاص. قام خلال حياته بأعمال جليلة وكثيرة، شفى المرضى، طهّر البرص، أقام الموتى، أطعم الجياع، عزّى الحزانى، علّم بالكلمة والمحبة واللطف والقدوة الصالحة، والثبات في القول الذي صيّره عملاً في حياته.

وعلى خطاه سار الرسل، فاهتموا بالأرامل والأيتام، وشفوا المرضى وصنعوا العجائب، ووضعوا رتبة الشموسيّة لخدمة الموائد، أي لخدمة الأرامل والفقراء، واستمرّ الحال على ما عمله السيّد ورتبه الرسل في كل مراحل العصور المسيحيّة، تارة بازدياد وتارة بتلكؤ بحسب العصر، حتى صار عندنا في العصور البيزنطية مجموعات مكرّسة كان هذا هدفها، خدمة الناس في ضيقاتهم لأن الروح يقول على لسان الرسول يعقوب: “الديانة المقبولة عند الله هي إفتقاد اليتامى والأرامل في ضيقاتهم”. وأيُّ من الآباء لم يكتب ويحضّ الكهنة والإكليروس عامة على العناية بالمتألمين والمحتاجين والفقراء. لأنه بحسب تعليم السيد، ماذا يفعل السيد يوم الدينونة الرهيب، وماذا سيسأل الذين عن يمينه ويساره، سيسألهم عن أعمالهم تجاه المرضى والحزانى والمحتاجين، والذين في الضيقات المتنوعة، وعلى هذا الأساس ينال كل واحدٍ أجرته اما نعيماً مقيماً، واما جحيماً دائماً. يكتب القديس يوحنا الذهبي الفم في كتابه الكهنوت وصفاً بليغاً حول عمل الكهنة في ضيقات الشعب ومآسيه، وحاجات الناس. ولما هدّد الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير، انطاكيا، والانطاكيين، استدعى القديس الرهبان والآباء من مناسكهم للوقوف الى جانب الشعب ليشددوا من عزيمتهم. وطالب البطريرك الانطاكي فلابيانوس بالتوجه نحو القسطنطينية لمقابلة الإمبراطور والحصول على العفو العام عن المدينة وسكانها. وكانت عظاته الناريّة خير منبه للشعب على أهمية الرهبنة وفضائلها. لأن الرهبان ينزلون الى الساحات عند إشتداد الشدائد، وإنتشار البؤس، ويعودون الى أديارهم ومناسكهم ليتابعوا الجهاد والترقي في مراقي الفضيلة. في الغرب والشرق كان همُّ الكنيسة بعد الخدمة الروحية والصلوات، الإهتمام بالناس وحاجاتهم، ويخصصون جزءاً هاماً من ميزانياتهم لمثل هذه الأعمال، وأول من طالب بتحرير العبيد كان الرهبان الذين عملوا في بلاد العالم الجديد، ولهذا قامت ضدَّهم دول غربية كثيرة، ومنعتهم من التبشير حيث تستعمر.

في أيام الإستعمار المتعدِّد الأنواع على بلادنا من مناطق مختلفة وأديان متعدِّدة ومذاهب. كان الإكليروس شريك الشعب في سرّائه وضرّائه، في حزنه وفرحه على غرار ما قال الرسول بولص: “من يفرح ولا أفرح أنا، من يبكي ولا أبكي أنا”. هكذا كان الإكليروس الأرثوذكسي خاصة والشرقي المتوسطي عامّة والى هذه الساعة، تتماهى حياة الآباء مع الناس، يعيشون معهم وبينهم كيفما كانت الأحوال.

وبالرغم من الجهات العديدة التي قامت بالإقلال من شأن الحياة الروحية، وأنزلت من إحترام الآباء الكهنة خاصة، ورجال الدين عامّة، الى مستويات غير لائقة إلا أن الله كان دائماً يصرخ وينبّه ويقول: “لقد تركت لي سبعة آلاف لم تنحني لبعل”.
ففي أيام الشدائد هذه، إن ما تقوم به كنيستنا الإنطاكية المقدَّسة من تلاحم مع الناس وآلامهم، وتصنع المستحيل لإيصال كل الإمكانيات المتوفرة. يدعوها ومع السيّد البطريرك كل الإكليروس على إختلاف مواهبه، إعتبار التعليم المسيحي المستقى من سير القديسين، أن الفقراء هم كنز الكنيسة الأثمن والأقرب الى الله إذا أخذنا تسمية المسيح لهم الإخوة الصغار.

وعلى هذا عندما طلب الإمبراطور الروماني من القديس الفتاريوس بابا روما أن يأتيه بكنوز الكنيسة، وكان القديس يكرر كلمة كنوز الكنيسة على مسامع الناس وفي عظاته خاصة، فنقلت الكلمة بواسطة البصاصين الى مسامع الإمبراطور فطلب من القديس أن يأتيه بهذه الكنوز لكي يعفو عنه وعن المؤمنين، فأحضر له القديس الفقراء والمهمشين والمرضى والمعوزين وأصحاب العاهات، وقال له: هذه هي كنوز الكنيسة، فلم يصدق الإمبراطور، ومات القديس شهيداً تحت ضربات غضب الإمبراطور.

نعم إن أوان الشدَّة هو عصر النعم الإلهية، وفيه يظهر الأقوياء الشجعان حقيقة.

وفي أبرشية عكار، وخاصة القسم السوري، يقوم الأساقفة أجنحة النعمة مع الآباء الأجلاء بالخدمة الدؤوب ويلبون إحتياجات الناس على قدر الاستطاعة، وأحياناً متجاوزين الإمكانيات المتوفرة. ولا يفرِّقون بين إنسان وإنسان مقتدين بالسلف الصالح.
ولا زال الرب له المجد يرسل أنواره على قلوب مستعدَّة لخدمته. فتتكاثر الدعوات الكهنوتية، ويسرع إليها شباب أصحاب علم وإمكانيات، ويلبون النداء، ولا يكاد يمر شهر في أبرشية عكار إلا وعندنا، سيامة معيّنة، وبالرغم من رحيل بعض الكهنة مع عائلاتهم الى أماكن إنتشار المؤمنين في الغرب. فالشباب والحمد لله يتسارعون الى الخدمة والعمل بين الناس. قبل أسابيع نال لاونديوس درجة الشموسية شماس في صافيتا، وكذلك في شدرا، رقي الأخ يوسف جبر الى رتبة الشموسية، ويوم السبت في 21 تشرين الثاني تمت سيامة الشماس اليعازر كاهناً على مذبح الرب ليخدم رعية عين الباردة. وكذلك في السبت الذي يليه تتم سيامة كاهن لخدمة كنيسة مشتى عازار.
ويوم عيد دخول السيدة تتم ترقية الأب نيقوديموس المشرقي الى رتبة الأرشمندريت في دير سيدة عربايا. ويوم عيد القديس نيقولاوس تتم سيامة الأخ فيكتور نادر شماساً في كنيسة الحميرة ولخدمة رعية ديردلوم. بعد إستقالة كاهنها الأب حاتم عكاري. وهؤلاء كلهم من الذين برهنوا على محبتهم لله، وعكسوا هذه المحبة أعمالاً صالحة وغيرة كبيرة، وضمائرة حيّة، لإعلان الكلمة الإلهية واقعاً بين الناس، مؤدّين شهادة لا تضحد على أن الله محبة. وأن الصدق في محبة الله يتجلى من خلال محبة القريب. بالحقيقة قد اختاروا خدمة الله بأقصر الطرق وأنجعها. واختاروا الخدمة التي فيها يتفوقون على الملائكة إقتراباً من الله. ويعون أنهم بأشخاصهم يحملون المسيح، لطفاً ومحبة ورعاية للناس. كان بإمكان هؤلاء كما يفعل الآخرون أن يرحلوا و”يتعللوا بعلل الخطايا”، ويختلقوا الأعذار، ولكنهم كشباب مؤمنين يحبون الله، أكّدوا أن الكهنوت كالذهب لا تستبان قيمته ونقاوته إلا بالنار، وهنا نار الشدائد وزمن الضيقات.

ولن ننسى العدد من الشباب العكاريين من القسمين السوري واللبناني الذين يدرسون في دير البلمند، وكذلك لن ننسى عدد الرهبان والآباء العكاريين المنتشرين في أبرشيات الكرسي الإنطاكي.

أيها الآباء، إن خدمة الكهنوت خدمة سامية، مجتمعنا بحاجة إليها، كما هو بحاجة للطبيب والمحامي والأستاذ والعسكري. وفي الكنيسة الإنطاكية اتخذت القرارات بأن لا يدخل الكهنوت من لم يكن حاصلاً على درجات علمية متقدِّمة، وذلك إحتراماً لقيمة هذه الخدمة، وإحتراماً لمشاعر الناس تجاه حَمَلَة هذه الموهبة على تعدُّد مراتبها. ولم يعد بالإمكان العودة الى الوراء. فشجّعوا أولادكم على هذه الخدمة ليكونوا لكم بركة وخلاصاً كما يقول القديس باسيليوس الكبير. ولكي تستقيم مجتمعاتنا بآباء قادة يعون ماذا يفعلون، ويدركون أبعاد هذه الخدمة، وخاصة بإعلانهم للكلمة تعليماً صحيحاً ومستقيماً. وليكونوا في حضورهم تشديداً للرّكَب المخلّعة، والنفوس اليائسة والمريضة، وفرحاً في المجتمع، ورفعة رأس حيث الكرامات والمقامات، وسرور حيث يحتاج للُّطف والوداعة واللين.

هكذا وعى آباؤنا هذه المهمّة في الماضي. حيث أن الوجيه يصبح كاهن البلدة، أو كاهن البلدة يصبح هو وجيهها. قال لي أحدهم أن الكاهن الإنطاكي في الغرب هو وجه الكنيسة ومحياها فيعبر عنها كما تكون أحواله.

نسأل الله أن يقوّي الآباء في خدماتهم، ويشدد من قوّتهم للعمل الأفضل والأنجع، وأن يرسل لكنيسته كهنة وآباء بحسب قلبه. مباركين لمن ذكرنا، وداعين لهم بخدمة مباركة تكون على حسب قلب الله ورضاه. فبالصليب الذي حملوه يجسّرون ما بين العالم والمسيح، ونعمته لتكن معكم جميعاً. آمين.

باسيليوس، مطران عكار وتوابعها

عن “الكلمة”، العدد 47، السنة 14، الأحد 22/11/2015

 

 

 

 

 

 

 

الكهنوت في زمن الآلام