/ مقالات وعظات / الظهور الإلهي

الظهور الإلهي

 

الظهور الإلهي

 

 في البدء كان روحُ الله يُرفرف على وجه المياه، وانتظم الروح على المياه بكلمة الله وكانت الخليقة (تكوين: الإصحاح الأول). هذه الخليقة الأولى كما أرادها الله عذراء عفيفة بلا عيب. ثم كان السقوط وطرد الانسان من الجنة، ومعه أصبحت الأرض تُنبت شوكًا وحسكًا (تكوين ٣: ١٨). ومن بعد السقوط أصبحت الخليقة بحاجة الى تجديد، فجاء الآب ثانية بكلمته الخلاقة ليقول: “هذا هو ابني الحبيب”.

 في البدء قال الله: “ليكن نور فكان نور” (تكوين ١: ٣). وفي المسيح يسوع كلمة الله المتجسد، كانت الحياة من جديد مع الله في فردوس مستعاد. كان النور الحقيقي الذي ينير كل انسان والذي به أُعطي الانسان ثانية سلطانًا أن يصير ابنًا للعليّ (يوحنا ١: ١-١٨).

في معمودية يسوع جاء الروح القدس يُرفرف من جديد على وجه مياه الاردن ليصنع الكون الجديد بالمعمودية وبالإيمان بالإنجيل. كان مظهر الله الحق في هذا الحبيب الذي تجسد.

في الظهور يتجلّى الله لنا آبًا وابنًا وروحًا قدسًا بعد أن ظهر طفلا في بيت لحم. ان الذي وُلد من أحشاء البتول ظهر لنا مخلّصا، محورًا للكون، بل كان الكون فيه خليقة جديدة، مسكن الله مع الناس.

في الظهور الإلهي نحن نقول شيئًا أساسيًا وهو أن الله ظهر في الجسد وان أجساد المؤمنين الذين يقفون في الكنيسة ويقيمون القداس الإلهي ليست ككل الأجساد التي خارج الكنيسة. الجسد المعمّد ليس ككل الأجساد لأن الله قائم فيه. الإنسان المسيحيّ واعٍ بآن معًا أنه من تراب وأنه من ضياء، وأن التراب فيه يتحوّل الى ضياء. نحن لا نتغنّى بالله. نحن إلهنا قائم فينا، في عيوننا، في لحومنا، في عظامنا. نحن نأكل الله أكلاً، ونشرب دمه شربًا.

المعمودية التي لنا بالروح القدس تجعلنا نُقيم جسرًا بين كل شيء والمسيح. كل شيء جميل في هذا العالم، كل شيء طاهر وجليل، كل حقيقة في هذه الدنيا، كل خلجة حلوة في قلوب الناس، كل ومضة فرح في عيونهم، كل هذا مصدره المسيح يسوع. إن أحببنا كل حقيقة في الكون وكل بهاء فيه، فنحن بذلك نحيا في المسيح يسوع لأننا نُقرّ أنها منه تجيء، وأنها منه تتّخذ معناها. المسيحيون موحّدون لأنهم يربطون كل شيء بالإله الواحد الظاهر في الابن. كيف يكون هذا؟ هذا ممكن اذا عدنا لشهادة يوحنا المعمدان القائل: “هذا هو حَمَلُ اللهِ الرافع خطايا العالم”.

هذا الكلام يعني لنا اليوم اننا نؤمن أن الله ليس ذلك البطاش المستأثر بالسماء والأرض، ليس ذلك الذي يسود ليستعبد الناس. انه تنازل حتى الناس، حتى الموت، موت الصليب. في الصليب والقبر والقيامة، انسكب روح الله على الخليقة من جديد ينبوعا متدفقا يغمر هذا العالم. اي عندما سكن الله في الناس وانسكبت حياته من أجلهم على الصليب، تدفّق روح الله من جديد على المسكونة.

نحن نصطبغ بماء المعمودية لكي نتقبّل عطية الله هذه. في المسيح يسوع، بقوة الروح القدس، نكسر الجسم الترابي فينا لكي نُدخل كل شيء الى المسيح ولا يبقى من تمييز بين المسيح والدنيا لأن المسيح وحده هو الدنيا. في المعمودية يولد المسيح فينا طفلا وعلينا أن نسعى لكي ينمو فينا ويكبر الى ملء قامته. في المعمودية ينال الانسان بدء الحياة الروحية، ينال بذار الخلاص وعليه ان يُنمي هذا البذار، أن يسقيه، أن يتعهده، أن يبقى على معمودية مستمرة كأن الكنيسة تُعمّده كل يوم. أن نصطبغ بالروح القدس يعني أن نكون مثل ابن الله حِملانا لله، حملانا متواضعين، مقدّمين ذواتنا باللطف والوداعة من أجل الآخرين. اذا استطعنا أن نتنازل، أن نحب، أن نبذل النفس والحياة من أجل الإخوة، من أجل الناس جميعا، نكون قد أدّينا مثل يوحنا الصابغ شهادة للمسيح. نشير اليه بحياتنا قائلين: “هذا هو حَمَلُ الله” فيراه من هم حولنا ويُقبلون اليه تائبين.

 

جاورجيوس، مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

عن “رعيّتي”، العدد 1، الأحد 5 كانون الثاني 2014