/ مقالات وعظات / الرحمة

الرحمة

 

الرحمة

 

يختم السيد له المجد هذا الحوار مع الناموسي الذي جاءه مجرباً بالتشديد على الرحمة، سأله قائلاً: “فأيّ هؤلاء الثلاثة تحسب صار قريباً للذي وقع بين اللصوص. فقال الذي صنع إليه الرحمة فقال له يسوع إمض فاصنع أنت كذلك”.
عبارتان متوازيتان وردتا في هذا النص (فقال له بالصواب أجبت إعمل ذلك فتحيا) وفي النهاية قال له: (إمض فاصنع أنت كذلك) إذاً عمل الرحمة يوازي الإيمان، والإيمان الذي لا يقود القلب للتواضع والثقة والرحمة يكون كاذباً أو بلا فحوى.
وإذ أن الرحمة اسم عظيم، وفضيلة عميقة أغوارها يسمى الله بالرحوم. نؤكد على ذلك في كل طلبة نقولها صباحاً وظهراً ومساءً. إن كانت في الصلوات العادية كالسحرية والقداس والأسرار، كالزواج والمعمودية وسر الكهنوت، وغيره نطلب الى الله الرحمة ونختم قائلين: “يا رب ارحم”.
واذ ليس لرحمته حدود نقول في صلاة (يا من في كل وقت وفي كل ساعة): “الذي يحب الصديقين ويرحم الخطأة”، ونَصِفُه قبلاً بالجزيل التحنن والكثير الرحمة، وإذ برحمته الكثيرة ندخل ملكوت السماوات، وبرحمته يقوم العالم، نطلق عليه صفة الرحيم.
فداود النبي يصرخ من أعماق قلبه بعد أن عرف قوة الخطيئة التي اجترأ على فعلها صرخ نحو الله، وقال: “ارحمني يا الله كعظيم رحمتك”، ونحن في كل وقت وخاصة في السحرية قبل قراءة الإنجيل نقول: “يا رحيم إرحمني يا الله كعظيم رحمتك”. يكرر هذا الدعاء داود النبي أيضاً في مزامير عديدة، ويكرر طلب الرحمة إما برموز، وإما بكلمات مرادفة وأعمال تحمل ذات الصفة.
وإذ ان الإنسان هو صورة الله فهو يعمل الرحمة على قدر الوزنة التي أعطيت له، أو بحسب إمكانياته، ويصبح رحوماً، وربنا يسوع المسيح يقول: إن الذين يصنعون الرحمة يرحمون (طوبى للرحماء فانهم يرحمون). يكرر القديس يعقوب الرسول ذات الآية فيقول: (والدينونة تكون بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة، ومن عرف الرحمة لا يمكن أن يثبت في قلبه شر على أحد).
وقد جاء في قصة القديس يوحنا الرحوم كيف ان رحمة صغيرة جلبت النجاة من الدينونة للذي فعلها. وسمى القديس يوحنا بطريرك الاسكندرية بيوحنا الرحوم لكثرة الرحمة التي صنعها مع الذين سباهم الفرس إبان اجتياح بلاد الشام ومصر سنة 611، وتتفوق الرحمة على العدل بحسب يعقوب الرسول. وكما يرحم الإنسان البشر والطبيعة وما فيها، هكذا هو مطالب بأن يرأف ويرحم ذاته فلا يحمّل نفسه أكثر مما تحتمل. فاذا قسى عليها بالجهاد الروحي الذي لم يتعود عليه ولم يصل الى قامته بعد، يطالب بأن يرأف بذاته كي لا يقع فريسة للتجارب وخاصة تجربة الكبرياء التي تتبعها تجربة الفتور ثم الفشل. واذا كان متهاوناً يعيش حياة البطالة والرذيلة كالابن الضال عليه أن يرأف بذاته ومستقبله في الحياة الحاضرة والآتية كي لا يخسر كرامته وماله وصحته، وفي الحياة الآتية ينال الدينونة في العذاب الأبدي.
فالتوبة وسر الاعتراف عمل من أعمال الرحمة التي يقوم بها الانسان لإصلاح ذات البين بينه وبين الله ومع ذاته أيضاً. كان الآباء القديسون كثيروا الرحمة. اذ إن فضيلة الرحمة نحو الآخر عندهم تناقض القساوة وعدم المحبة، أنفسهم ما كانوا يسامحون بأقل تهاون.
إن عمل الرحمة بالنسبة للفكر الذي علّمنا إياه ربنا يسوع المسيح هو الذي يحدد القرابة البشرية وصحة السلوك الإيماني، فالسامري هنا بالرغم من عداوة اليهود له ولشعبه فقد عمل إيمانه بالله في قلبه وعواطفه وتحركت جوانحه نحو الجريح فأنقذه واعتنى بأمره وتكفل بمصاريف علاجه حتى نهاية آلامه. فالله الرحوم نناديه أبانا الذي في السماوات، وليسوع المسيح نناديه أخانا إذ افتدانا من جميع خطايانا، والروح القدس معزّينا لأنه يسند ضعفنا ويقوينا في هذه الحياة، ويصرف علينا من نعمه حتى نشفى الشفاء الذي ليس بعده لا وجع ولا ألم بل حياة لا تفنى مسكوباً علينا ضوء وجهه الذي لايغيب.
معكم أيها الأحباء نرفع الصلوات الى الله أن يرحم العالم ويملأ قلوب الناس بالرحمة جبراً وغصباً فبدون الرحمة يبقى العالم عالم القساوة والشر والتسلط والأنانية. نجانا الله منها جميعاً وجعلنا تحت جناحي رحمته آمين.

باسيليوس، مطران عكار وتوابعها

عن “الكلمة”، السنة 15، العدد 46، الأحد 13/11/2016

 

 

الرحمة