/ مقالات وعظات / الحَبَل بلا دَنَس

الحَبَل بلا دَنَس

 

الحَبَل بلا دَنَس

 

الكنيسة الأرثوذكسيّة تكرّم العذراء مريم والدة الإله تكريماً خاصّاً وترتّل لها في كلّ ذبيحة إلهيّة: “يا من هي أكرم من الشاروبيم وأرفع مجداً بغير قياسٍ من السيرافيم، يا من بغير فساد ولدت كلمة الله حقاً إنّكِ والدة الإله إيّاكِ نعظّم”. إلى ذلك تعلّم كنيستنا أنّ المرأة الأولى حوّاء قد جلبت المعصية لجنس البشر، أمّا حوّاء الجديدة، أي العذراء مريم، فقد جلبت الخلاص أعني المسيح الإله والمخلّص جنس البشر. بذلك فقد أصبحت أمّاً لكلّ إنسان مسيحيّ أخ للربّ يسوع مخلّصنا.
 

لقد اقتبلت العذراء مريم في جسدها الألوهة دون أن تفقد طبيعتها البشريّة المتّحدة بالطبيعة الإلهيّة. هي التي “بغير فساد ولدت كلمة الله”. لقد أصبحت المرأة الأولى التي جسّدت كلام بطرس الرسول “لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهيّة” (2 بطرس 1: 4)

هكذا تمّ تألّه الإنسان في شخص العذراء مريم.
 

قيل إنّ راهباً شابّاً كان يصلّي أمام أيقونة والدة الإله في الجبل المقدّس جبل آثوس فتراءى له ملاك وأخذ يعلّمه كيف يعظّم العذراء أمّ الإله بأفضل صورة قائلاً له ومدوّناً ما يلي: “بواجب الإستئهال حقاً نغبّط والدة الإله الدائمة الطّوبى البريئة من كلّ العيوب أمّ إلهنا…”. هذه الأيقونة المقدّسة المعروفة بـ “واجب الإستئهال” AxionEstin محفوظة، حتّى الآن، في كنيسة الجبل المقدّس الرئيسة Protaton.

هذا التكريم الفائق لوالدة الإله لم يمنعنا نحن المسيحيّين الأرثوذكسيّين أن نرفض قرارًا “مجمعيًّا كاثوليكيًّا رومانيًّا” صدر بسنة 1854 معروفًا بعقيدة الحبل بلا دنس Immaculée Conception. يدّعي هذا القرار أنّ العذراء مريم قد وجدت، في لحظة الحَبَل بها في بطن القدّيسة حنّة أُمِّها، معفاةً من كلّ دنس الخطيئة الجدّيّة، كمنحة من الله الكلّيّ القدرة.
 

والقرار يعلن “أنّها عقيدة معلنة من الله، وعلى كلّ مؤمن أن يلتزم بها”.
 

من واجبنا نحن الأرثوذكسيّين المستقيمي الرأي أن نعلن، بدورنا، أنّ هذه العقيدة لا تكرّم العذراء مريم بل، على العكس، تحطّ من كرامتها بجعلها امرأة تفوق البشر Super femme وكأنّها صارت، وبصورة سحريّة، نصف إله. هذا القرار يشوّه شخصيّة العذراء وعظمة محبّتها لله وحرّيّة موقفها أنّها لم تقبل أيّة خطيئة في جهادها البشريّ. لقد ورثت، مثل كلّ إنسان، نتائج الخطيئة الأصليّة، بخاصّة تجربة الألم والموت كما ذاقها يسوع نفسه. فهي قد حملت، مثل ابنها وخالقها، ملء الطبيعة البشريّة دون الإلتصاق بالخطيئة.
 

هذا كلّه لا يعني أنّ الأرثوذكسيّين لا يعترفون بعذريّة مريم المعلنة في المجمع المسكونيّ الخامس 553 الذي أعلن أنّها بتول قبل الولادة، في الولادة وبعد الولادة؛ العلامة هي على أيقونتها وتبرز بصورة ثلاث نجوم: واحدة على الجبين وواحدة على كلّ من الكتفين.

إنّنا، في الكنيسة الأرثوذكسيّة، لا نقلّل أبداً من قدسيّة العذراء مريم، وفي الوقت نفسه لا نغالي في الإدّعاء أنّها معصومة عن الخطيئة الجدّيّة ونتائجها، ما يجرّدها من فضل جهادها البشريّ الذي جعلها منزّهة عن الوقوع في الخطيئة لكي تبقى دائمة الطهارة. نحن نرفض أن نعتبرها شريكة كلّيّة في الخلاص على غرار الثالوث القدوس الذي هو وحده الخالق، وهو مغاير كلّيّاً للمخلوق الذي من ضمنه طبيعة مريم أمّنا وشفيعتنا الأولى والأقدس من كلّ القدّيسين.

 

أفرام، مطران طرابلس والكورة وتوابعهما

عن “الكرمة”، العدد 46، الأحد 13 تشرين الثّاني 2016

 

 

الحَبَل بلا دَنَس