/ قديسين وشيوخ - حياة / القديسان كير ويوحنا مقدمة

القديسان كير ويوحنا مقدمة

القديسان كير ويوحنا
مقدمة

لقد أنعم علينا الرب بهذه النعمة العظيمة ، أن نشترك في إظهار مجده في قديسيه ، وذلك من خلال السيرة العطرة للقديسين الشهيدين الطوباويين كير ويوحنا . هذان الشهيدان اللذان استشهدا على أرض مصر ، خارج مدينة الإسكندرية ، عام 292 م. إبان إضطهاد دقلديانوس على كل من يعترف بإيمانه بالسيد المسيح له المجد .

وقد ظل الشهيدان الرفيقان كير ويوحنا صامدان متمسكان بالإله القوي ، فوُهب لهم أكاليل النصرة والشهادة بالإضافة إلى سيرتهم العطرة التي تتناقلها كل الأجيال ، جيل بعد جيل . وكما ظلا مترافقان في حياتهما معا ولم يفترف أحدهما عن الآخر وهبهم الله أيضاً عدم الإفتراق إلى الابد ، وأصبح إسم الواحد مقتراناً بالآخر وجسديهما لم يفترقا عن بعضهما .

وقد شهدا بتلك الصداقة الروحية والتي تبقى حتى بعد إنطلاق الروح وبقاء الأجساد في التراب .

وفي الحلقات القادمة سنقدم أجمل المعجزات لهذين الشهيدين ، معتمدين على ما ذكره القديس صوفورونيوس رئيس أساقفة أورشليم في القرن السابع الميلادي ، والذي كان قد نذر أن يجمع ويسرد معجزات هذين الشهيدين ، في ذلك العصر الذي عاش فيه ، بعد أن وهب له الله الشفاء من مرض عينيه وإعادة نعمة البصر له بصلوات هذين الشهيدين .

وفي هذه المرة سنقدم مقدمة عن سيرة القديسين الطوباويين ، ولاحقاً سيتم ذكر تفاصيل وتأملات عن سيرتهم العطرة كما سنسرد على فترات منتظمة السبعين معجزة التي سردها صوفرونيوس عنهما ، التي قد قمنا (يؤانيس فورتوناس وإيريني مفروذي) بترجمتها من المجلد رقم 78 من الباترولوجيا (علم الآباء الأولين) ، وذلك على فترات منتظمة .

كانوب ، ذلك المكان الذي تبارك بهذان القديسان المنيران ، وأشرق منه نور إلهي يضيء لكل من يريد الوصول إلى الله وإلى كل محتاج معونة أو شفاء أو إرشاد .
كانت الإسكندرية ، مركز للعبادة الوثنية آنذاك ، قريبة من هذا المكان ، بالقرب منها دفن القديسان وبجانبهم كان ضريح القديس مارمرقس الذي دفنه المؤمنين هناك بعد إستشهاده بالقرب من الإسكندرية . كما يوجد في غرب مدينة كانوب مزار آخر للقديس العظيم مارمينا العجايبي .
وبهذا الحصار من الشهداء أُحيطت الإسكندرية بسور إلهي لدحض الوثنية المتوغلة فيها . وكما قال القديس بولس الرسول “حيث كثرت الخطية إزدادت النعمة أيضاً ” (رو 5 : 20) .

وبالقرب منه أيضاً كان معبد سرابيون ، معبد الأوثان العظيم ، والذي كان مشهوراً جداً بضلالة أن فيه يتعافى المرضى ، ولكن ظهرت الحقيقة جالياً عندما شيد ضريح القديسان الذي فيه كانت تتم المعجزات الحقيقية ، حيث توافد إليه المتعبين والمرضى واليائسين من كل انحاء العالم ليستقوا من روح النعمة المتدفق من هذا المكان ، وكل من جاء إلى هناك نال شفاء الروح قبل الجسد فأسرع مخبراً بكم فعل به الرب من عظائم .
وهكذا أصبح هذا المكان منارة تضيء وترشد وتنقذ كل محتاج لشفاء النفس أو الجسد أو الروح ، حيث تقوده في النهاية إلى أبواب السماء والتمتع بالحياة الجديدة مع الله .

لأنه بمجيء القديسين إلى هنا ، وسكناهم مع الرسل الأطهار ، جعلوا الشيطان يفر هارباً من ذلك المكان المقدس مهزوماً ، وكإشارة لهذا النصر بفرارهم ، صار هدوء للمكان مع معجزات لا تعد تسمع في ذلك المكان . وأما عن تلك المعجزات ، مَن يستطيع أن يحصيها ؟ وبأي لسان ، يجسر أحد أن يرويها ؟ أو يسردها بلسان فصيح ؟ لأنه لا يستطيع أحد من البشر ، حتى وإن كان له عشرة ألسنة ، أو عشرة أفواه أن يصفها إلا من وهب له الله هذه القوة ، والتي لأجل تمجيد إسمه فعلوا ذلك . ذاك الذي يحصي النجوم ويعطي لها كلها أسماء حسنة ، ذاك الذي يقيس المياه بيده ، والسموات بشبره ، والأرض كلها بكفه ، ذاك الذي قطرات الأمطار محصاة عنده ، وقطرات الندى معدودة ، وذرات الرمل معلومة عنده من قبل . والذي وهب لهم تلك المواهب المجانية والتي بواسطتها البرص يطهرون ، والعرج يصحون ، والمرضى يبرءون ، ويهبون النظر للعميان ، ويخرجون الشياطين ، ويقيمون الموتى ، وبالأخص الموتى بالروح .

هذان الشهيدان القديسان الرفيقان المسيحيان ، “كير” (أباكير، كما يلقبونه، والتي تعني “أبا” أي آفا أو أنبا) و”يوحنا” يمثلان حياة النجاح في كل شيء . الأول الطبيب الماهر المشهور بأمانته وتقواه فوهب له الله موهبة شفاء الأمراض دون علاج . والثاني ضابطاً في الجيش تعلم الإلتزام والإنضباط ليس في حياته الخارجية (العالمية) فقط ولكن في حياته الروحية أيضاً .

فقد ولد كير بالإسكندرية من أبوين، تقيين، فنشأ نشأة مسيحية صالحة على الأيمان الأرثوذكسى كما سلحاه بالعلم والثقافة والفلسفة فصار طبيبًا ماهرًا في شبابه المبكر. كان محبوبًا ومشهورًا من أجل أمانته ومحبته للجميع وخدمته مع تقواه وفضيلته. شعر الوالي سيريانوس بخطورته كمسيحي على عبادة ألوثان فقد كان يحمل البشارة وينشر الإيمان المسيحى عن طريق عمله ومحبته وخدمته ، فطلب أن يقتله متهمًا إياه بالسحر والشعوذة وفعل الشر، وإذ سمع أباكير بذلك هرب من الإسكندرية متجهًا نحو الجبال العربية ليعيش بين النساك متأملاً في محبة الرب دون أن يتجاهل مهنته السابقة كطبيب …. وهناك ذاع صيته بسبب نسكه وعمله ومحبته المقدمة إلى الجميع ، فسمع عنه من يسكن فلسطين وسوريا وما بين النهرين. وهكذا جمع بين هؤلاء ، الطبيب والضابط ، روح النسك ، فأنطلق يوحنا يبحث عن “كير” الذي ذاع صيته .

القديس يوحنا ضابطًا في الجيش بمنطقة الرها (أديسا) ، وهو ليس مصرياً ، ومشتاقًا إلى حياة الوحدة والنسك ، سمع عن القديس كير فاستقال من وظيفته وانطلق إلى أورشليم يزور الأماكن المقدسة ومن هناك انطلق إلى الصحراء ليلتقي بالقديس الناسك كير، حيث توثقت عري الصداقة بينهما على صعيد الروح، كل منهما يسند الآخر ويشجعه. وإذ اشتعل الاضطهاد بعنف في كل مصر في عهد دقلديانوس، سمع القديس كير عن القديسة أثناسيا وبناتها الثلاث العذارى ثيؤدورا وتاؤبستى وتاؤذكسيا أنهن قد حُملن مقيدات إلى كانوب (بالقرب من أبي قير الحالية بجوار الإسكندرية) ، فخشى لئلا تغلبهن العذابات فيبخرن للأوثان، لهذا رأى أن يذهب بنفسه مع صديقه يوحنا لينال الاثنان إكليل الشهادة مشجعين هؤلاء العذارى وأمهن.

وعندما وطئت أقدامهم أرض الأسكندرية عرف الشعب المتوحد الطبيب كير فأكرموه جدًا، أما هو فاهتم مع يوحنا بخدمة المسجونين … فقبض عليهم وتم تعذيبهم بكل الطرق الوحشية فلم يتركا إلههم ، والذي كان يسندهما ويشجعهما . وقد إستشهدا مع العذارى وأمهن بقطع رؤوسهم ودفن جسد الشهيدين بقبر في كنيسة مارمرقس في كانوب (بالقرب من أبو قير الحالية) وبقيت رفاتهما قرناً من الزمن ، ولما جاء القديس كيرلس نقلها إلى مينوتيس بالقرب من كانوب حيث تمت معجزات كثيرة .
وفي يوم 31 يناير تعيد الكنيسة الارثوذكسية لتذكار القديسين. تم نقل أعضاء القديسين الجليلين كير ويوحنا ، وذلك بعد أن نالا إكليل الشهادة أخذ بعض المؤمنين جسديهما ووضعوهما في كنيسة القديس مرقس الإنجيلي قبلي الإسكندرية وظلا بها إلى زمان القديس كيرلس الكبير عمود الدين حيث ظهر له ملاك الرب في أثناء الليل موصياً إياه بنقل كير الشهيد المكرم من بيعة مرقس السامي إلى بيعة الرسل القديسين ، التي كان قد شيدها البطريرك السابق ثيؤفيلس في تلك المدينة منوف ، وقد أقيم فيها التمثال وسيطر عليها الشيطان . حينئذ مطيعاً كيرلس العجيب الإعلان الإلهي ، أسرع للقديس مرقس ، وكشف تابوت الموقر كير ، فاكتشف معه المثلث الطوبى يوحنا . وبحكمة تفكر أن الرسالة الإلهية المعلنة باسم الواحد ، تعلن عن الاتفاق والاتحاد بين الاثنين ، والتي لا يجب بعد انتقالهم أن نفصل بين أولئك الذين لم يفرق بينهم الطريقة أو المكان أو الزمان أو الآلام . فنقل الاثنان ووضعهم في بيعة الرسل المقدسة ، راكضاً ومبتهجاً متشبهاً بالطوباوي داود الذي كان يرقص أمام تابوت العهد .

وبنقل هذان القديسان إلى كنيسة القديس مرقس الأخرى التي علي البحر بكرامة عظيمة ، بُني لهما كنيسة بتلك الجهة ورتبوا لهما عيدا في هذا اليوم ، وكان بجانب الكنيسة هيكل لعبادة الأوثان يجتمع فيه كثيرون من الوثنيين فلما رأوا العجائب التي تظهر في كنيسة القديسين آمن كثيرون منهم بالسيد المسيح .

وفي الحلقات التالية سنسرد أجمل المعجزات للقديسين الذين لم يفارقا بعضهما في حياتهما ومن بعد شهادتهما . بركة صلواتهما تكون معنا .

فليعطنا الرب ونحن غير مستحقين بركة صلوات هذين القديسين ، وتكون هذه الكلمات معونة وتعزية وبركة في حياة كل من يقرأها ويطلب معونتهم وصلواتهم . آمين 

 

 

“ترجمة: يؤانس فورتوناي وإيريني مفروذي 
من المجلد رقم 78، الباترولوجيا”

 

 

 

القديسان كير ويوحنا