/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / القديس غريغوريوس بالاماس وتقليد الآباء

القديس غريغوريوس بالاماس وتقليد الآباء

 القديس غريغوريوس بالاماس وتقليد الآباء

 

 

إتِّباع الآباء:
كان استهلال التحديدات العقيدية بعبارات مشابهة لعبارة “إتِّباع الآباء القديسين” مألوفاً في الكنيسة القديمة. فجمع خلكيدونية استهل قراراته بهذه الكلمات. والمجمع المسكوني السابع ابتدأ قراره المتعلق بالأيقونات المقدسة بطريقة موسّعة فقال: “إننا نتبع تعليم الآباء القديسين الذي أوحى به الله ونتَّبع تقليد الكنيسة الجامعة”. فتعليم (didaskalia) الآباء هو المرجع النموذجي والرسمي.
لكن هذا كان أكثر من “احتكام إلى القِدَم”، لأن الكنيسة شدّدت منذ البدء على ديمومة إيمانها واستمراريته على مر العصور. هذه الوحدة منذ أيام الرسل كانت إشارة جلية إلى الإيمان الصجيج وأمارة له. لكنَّ “القِدَم” في حدّ ذاته لم يكن برهاناً كافياً للإيمان الحقيقي، بل إن الرسالة المسيحية كانت “الجِدة” المؤثرة في “العالم القديم” والدعوة إلى التجديد الجذري. فالقديم زال وانقضى وصار كل شيء جديداً. أمّا الهرطقات فكانت قادرة على الاحتكام أيضاً إلى الماضي وعلى الاستشهاد بسلطان بعض “التقاليد”. والواقع أنها تمسكت في أغلب الأحيان بالماضي، إذ إن الصيغ القديمة كثيراً ما تكون مضلِّلة بشكل خطير. يكفي أن نقتبس هذا المقطع المهم من مصنفات القديس فكنديوس الليرنسي الذي وعى هذا الخطر وعياً كلياً: “والآن، يا له من انقلاب مدهش للوضع! فأصحاب الرأي الواحد اعتُبروا مستقيمي الرأي، أما أتباعهم فاعتُبروا هراطقة؟ الزعماء غُفر لهم أمّا التلاميذ فأُدينوا؟ سيكون واضعو الكتب أبناء الملكوت، أمّا أتباعهم فسيذهبون إلى جهنم” (commonitorium،cap 6). لا شك، أن فكنديوس فكّر في ما وقع بين القديس كبريانوس والدوناتيين، وكان كبريانوس القديس قد واجه الحالة نفسها فقال: “قد يكون القِدَم في حد ذاته ضرراً كبيراً” (الرسالة74)، أي أن “العادات القديمة” في حد ذاتها لا تضمن الحقيقة. فما الحقيقة عادة.
التقليد الحقيقي هو “تقليد الحق” (traditio veritatis) الذي يستند، عند القديس إيريناوس، إلى “موهبة الحق الأكيدة” (charisma veritatis certum) التي “أُودعت” في الكنيسة منذ البدء والتي حفظها تعاقب الأساقفة غير المنقطع. فما “التقليد” في الكنيسة استمراراً للذاكرة الإنسانية وللأعراف والطقوس لأنه تقليد حيّ و”وديعة حيّة” (depositum juvenescens)، كما قال القديس ايريناوس. ولذلك لا نقدر أن ندرجه “بين الشرائع المميتة” (inter mortuas regulas). فهو استمرار لحضور الروح القدس المقيم في الكنيسة واستمرار للتوجيه الإلهي والإنارة الإلهية. إن الكنيسة لا تُقيّد “بالحرف”، لأن الروح يحركها دائماً. فالروح نفسه، أي روح الحق، الذي “تكلم من خلال الأنبياء” وأرشد الرسل هو يستمر في قيادة الكنيسة إلى فهم أكمل للحق الإلهي، فيقودها من مجد إلى مجد.
ليست عبارة “إتِّباع الآباء القديسين” إشارة إلى تقليد مجرّد ذي صيغ وافتراضات، بل هي أولاً احتكام إلى شهود قديسين. فنحن نحتكم إلى الرسل لا إلى “رسولية” مجردة. ونرجع إلى الآباء على نحو مشابه، لأن شهادتهم تنتمي عضوياً إلى بنية الإيمان الأرثوذكسي. فالكنيسة ائتمنت على بشارة (Kerygma) الرسل وعقيدة (Dogma) الآباء في آن. إننا نقدر أن نقتبس هنا ترنيمة قديمة رائعة (لعلّها من قلم القديس رومانوس المرنم) تقول: “ولأن الكنيسة تحفظ بشارة الرسل وعقائد الآباء فهي تختم الإيمان الواحد، ولأنها ترتدي حلّة الحق والقماش المنسوج في اللاهوت السماوي فهي تمدح باستقامة سر التقوى العظيم”.
فكر الآباء:
إن الكنيسة “رسولية” بالطبع ولكنها آبائية أيضاً. فهي أساساً “كنيسة الآباء”. وهاتان “السمتان” لا نقدر أن نفصلهما، ولكونها “آبائية” فهي “رسولية” حقاً. وشهادة الآباء هي أكثر من ميزة تاريخية وأكثر من صوت من الماضي. ولنقتبس هنا ترنيمة أخرى من خدمة الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي ويوحنا الذهبي الفم): “إنكم بكلمة المعرفة ألّفتم العقائد التي وضعها الصيادون قبلاً بكلام بسيط عبر معرفة من قوة الروح فاكتسب تقاناً البسيط بهذا تركيباً”. هناك مرحلتان أساسيتان في إعلان الإيمان المسيحي. “كان على إيماننا البسيط أن يكتسب تركيباً”. ففي الانتقال من البشارة (kerzgma) إلى العقيدة (dogma) وُجد دافع داخلي ومنطق داخلي وضرورة ضمنية. والحق، أن تعليم الآباء وعقيدة الكنيسة مازالا “الرسالة البسيطة” نفسها التي سلّمها وأودعها الرسل مرة وإلى الأبد. أمّا الآن فهي مترابطة بكل اتساق وانتظام. ليست البشارة الرسولية محفوظة في الكنيسة فقط، بل هي حيّة فيها. بهذا المعنى يكون تعليم الآباء مقولة دائمة للوجود المسيحي ومقياساً ثابتاً وسامياً للإيمان القويم. فما الآباء شهوداً للإيمان القديم فقط (testes antiquitatis)، بل هم شهود للإيمان الحقيقي (testes veritatis). إن “فكر الآباء” مرجع حقيقي للاهوت الأرثوذكسي لا يقل شأناً عن كلمة الكتاب المقدس ولا ينفصل عنه أبداً. وكما قال أحدهم بحق: “فإن الكنيسة الجامعة في كل العصور ليست ابنة لكنيسة الآباء فقط، بل إنها كنيسة الآباء وستبقى كذلك»
الطابع الوجودي في اللاهوت الآبائي:
كان الطابع “الوجودي” علامة مميِّزة للاهوت الآبائي إذا جاز لنا أن نستعمل بصددهم هذا التعبير الحديث. وكما قال القديس غريغوريوس النزينزي، تكلَّم الآباء لاهوتياً “على طريقة الصيَّادين (الرسل) لا على طريقة أرسطو” (العظة 23، 12). فلاهوتهم بقي “بشارة” (kerygma) رغم أنه مرتَّب ترتيباً منطقياً مزوَّد ببراهين عقلية، لأن مرجعهم الأخير كان الرؤية الإيمانية والمعرفة الروحية والخبرة. فاللاهوت لا يحمل قناعة خارج الحياة في المسيح، أمّا إذا فُصل عن حياة الإيمان فإنه يتحوّل إلى ديالكتيك فارغ وإلى كلام كثير باطل (polyogia) لا قيمة روحية له. لقد كان اللاهوت الآبائي متأصلاً تأصلاً وجودياً في التزام الإيمان، من غير أن يكون “نظاماً” يفسِّر نفسه بنفسه ويعرض عرضاً برهانياً وجدلياً أي أرسطوطاليسيا (aristotelikos) بدون أي التزام روحي مسبق. والآباء الكبادوكيون الكبار احتجوا على استخدام الديالكتيك القائم على المقاييس الأرسطية، في عصرهم الذي تميَّز بالنزاع اللاهوتي والنقاشات المستمرة، وحاولوا إعادة اللاهوت إلى الرؤية الإيمانية. ونحن نقدر أن “نعظ” باللاهوت الآبائي من منبر الوعظ فقط، وأن “نعلنه” في كلام الصلاة والخدم المقدسة، ونظهره في بنية الحياة المسيحية. هذا اللاهوت لا يكمن فصله أبداً عن حياة الصلاة وعن ممارسة الفضيلة. “فقمة الطهارة هي أساسا اللاهوت” على حد قول يوحنا السلَّمي (السلم، الدرجة 30).
هذا اللاهوت هو، من جهة أخرى، “تعليم إعدادي”، لأن هدفه الأسمى هو الاعتراف بسر الله الحيّ والشهادة له قولاً وفعلاً. ليس “اللاهوت” غاية في حد ذاته، بل هو دائماً طريقة، لأنه لا يقدِّم-وكذلك “العقائد”- سوى “إطار فكري” عن الحقيقة المعلنة، وشهادة “عقلية” (noetic) لها. بالإيمان فقط يمتلئ هذا “الإطار” محتوى. فالصيغ الخريستولوجية تأخذ معناها الكامل فقط عند الذين لاقوا المسيح الحيّ واعترفوا به ربّاً ومخلِّصاً ويقيمون فيه بالإيمان وفي جسده الذي هو الكنيسة. بهذا المعنى لا يكون اللاهوت نظاماً يفسِّر نفسه بنفسه، لأنه احتكام دائم إلى الرؤية الإيمانية : “إننا نعلن لكم ما رأيناه وسمعناه”. وخارج هذا الإعلان تبقى الصيغ اللاهوتية فارغة لا أهمية لها. ولذلك لن نأخذها “بشكل تجريد”، أي خارج إطار الإيمان. إننا نخطئ إذا اقتطعنا من النصوص الآبائية قطعاً وفصلناها عن المنظور الذي وُضعت فيه. وهذا يشبه خطأ استخدام آيات من الكتاب المقدس بعد نزعها من إطارها. ولذلك تبقى عادة “اقتباس” أقوال الآباء وعباراتهم خطرة إذا عزلناها عن المحيط الذي تأخذ فيه معناها الحقيقي وتصبح مليئة بالحياة. “إتِّباع الآباء” لا يعني فقط “اقتباس” أقوالهم والاستشهاد بها، بل يعني اقتفاء “فكرهم” وعقلهم (phronema).
معنى “عصر” الآباء:
والآن، وصلنا إلى النقطة الحاسمة. فإن اسم “آباء الكنيسة” يقتصر عادة على معلِّمي الكنيسة القديمة، ويفترض البعض أن سلطانهم يستند إلى “قِدَمهم” وإلى قربهم النسبي من “الكنيسة الأولى”، أي من “عصر” الكنيسة الأولى. لكن القديس ايرونيموس سبق فأنكر هذه الفكرة. ونحن لا نجد تناقضاً في “السلطان” ولا تناقضاً في الأهلية والمعرفة الروحيتين على مرّ التاريخ المسيحي. ففكرة “التناقض” هذه أثَّرت في تفكيرنا اللاهوتي الحديث. ولذلك غالباً ما نفترض بوعي أو بغير وعي أن الكنيسة الأولى كانت أكثر قرباً من مصدر الحقيقة. إن هذا الافتراض مفيد وصحيح كإقرار بفشلنا وبعدم قدرتنا وكنقد ذاتي متواضع. لكن جعله نقطة انطلاق أو قاعدة “للاهوت تاريخ الكنيسة” أو حتى للاهوت الكنيسة يبقى خطراً. في الواقع، يجب أن يحتفظ عصر الرسل بمكانه الفريد، لكنه ليس سوى بداءة. ولقد افترض الناس كثيراً أن “عصر الآباء” قد انتهى، ولذلك نظروا إليه ككيان قديم “عتيق الزيّ” و”ميت”. فحاول كلّ واحد أن يسعى إلى وضع حدود له. فألِف الناس أن يُعتبر يوحنا الدمشقي “آخر” أب في الشرق وأن يوضع غريغوريوس الذيالوغور (المحاور) أو ايسيدرس السفيلي “آخر” أب في الغرب. ولكن البعض ابتدأ برفض هذا التصنيف الزمني. أما يجب أن ندرج مثلاً القديس ثيوذورس رئيس دير الستوديوم بين “الآباء”؟ فمابيلون اقترح أن يكون برنارد الكليرفو، المعلِّم “المعسول اللسان”، “آخر الآباء ومساوياً لأقدمهم”.
في الواقع، إنّ المسألة تتجاوز تصنيف أدوار زمنية. فمن وجهة نظر الغرب حلَّ “عصر المدرسين” محلّ “عصر الآباء” واعتبر هذا التطور خطوة إلى الأمام. فمنذ ظهور السكولاستيكية اعتُبر “اللاهوت الآبائي” عتيق الزيّ وصار ينتمي إلى العصور الغابرة وكأنه مقدمة موسيقية متناهية في القدم. لكن وجهة النظر هذه، الشرعية في الغرب، قَبِلَها، ويا للأسف، كثيرون في الشرق على نحو أعمى وغير نقدي. إذن، يجب أن يواجه المرء الخيار فيما إذا كان عليه أن يتأسّف على “تخلّف” الشرق الذي لم يظهر أية “سكولاستيكية” خاصة به أو أن ينكفئ عائداً إلى “العصور القديمة” بشكل أثري تقريباً ويمارس ما وصفه البعض ببراعة “بلاهوت التكرار” علماً بأن هذا اللاهوت ليس سوى شكل خاص للسكولاستيكية المقلِّدة.
واليوم يقال كثيراً إن “عصر الآباء” ربما انتهى قبل القديس يوحنا الدمشقي بوقت طويل. فغالباً ما يقف الفرد عند عصر يوستينيانس أو عند مجمع خلكيدونية. إلا يُعتبر ليوندوس البيزنطي “أول السكولاستيكيين”؟ يُفهم هذا الموقف من وجهة نظر نفسية، لكن لا يمكن تبريره لاهوتياً. والواقع أن آباء القرن الرابع كانوا أكثر تأثيراً من الآخرين وعظمتهم الفريدة لا تُنكر، لكن الكنيسة بقيت حيِّة بعد مجمعي نيقية وخلكيدونية. فالمغالاة في التأكيد على “القرون الخمسة الأولى” تشوِّه بشكل خطير الرؤية اللاهوتية، وتحول دون الفهم الصحيح لعقيدة خلكيدونية نفسها. وكثيراً ما ينظر الناس إلى قرارات المجمع المسكوني السادس وكأنها ملحق بقرارات مجمع خلكيدونية، يثير اهتمام الإخصائيين في اللاهوت فقط. وكذلك فإن شخصية مكسيموس المعترف أُهملت تقريباً في الكنيسة. وهكذا تُحجب الأهمية اللاهوتية للمجمع المسكوني السابع حتى أن المرء يتساءل: لماذا يجب أن يُربط “أحد الأرثوذكسية” بإحياء ذكرى انتصار الكنيسة على محاربي الأيقونات؟ ألم يكن هذا مجرَّد خلافٍ في الطقس؟ غالباً ما ننسى أن الصيغة الشهيرة التي تتعلق “باتفاق القرون الخمسة الأولى”، أي حتى مجمع خلكيدونية، كانت صيغة بروتستانتية تعكس لاهوتاً بروتستانتياً عن التاريخ. فهي صيغة مقيِّدة، رغم أنها تظهر شاملة عند الذين يريدون أن يكتفوا بالعصر الرسولي. والصيغة الشرقية الرائجة عن “المجامع المسكونية السبعة” لا تكون أفضل كثيراً إذاً اتجهت إلى حصر السلطان الروحي في الكنيسة ضمن القرون الثمانية الأولى، وهذا ما تفعله عادة. فيظهر كما لو أن “العصر الذهبي” للمسيحية قد ولَّى وأننا صرنا في عصر حديدي أدنى منه على صعيد القوة والسلطة الروحية. فكرنا اللاهوتي الحديث تأثر بشكل خطير بنمط الانحطاط الذي تبنّاه الغرب من أيام الإصلاح البروتستانتي من أجل تفسير التاريخ المسيحي. مذ ذاك فُسِّر كمال الكنيسة بشكل جامد فتشوَّه الموقف تجاه القِدَم وأُسيء فهمه. وفي النهاية، لا فرق بين حصر سلطان الكنيسة بقرن واحد أو بخمسة قرون أو بثمانية قرون، إذ يجب ألا نضع له أي حدّ أو تحديد، لأنه لا يوجد أي مجال “للاهوت الترداد”. إن الكنيسة ما زالت تتمتَّع بسلطانها الكامل كما تمتَّعت به قديماً، لأن روح الحق يُحييها كما أحياها قديماً.
تراث اللاهوت البيزنطي:
إن إحدى نتائج تحديدنا الكيفي للأدوار الزمنية هي جهلنا التراث اللاهوتي البيزنطي. لكننا أصبحنا الآن مستعدِّين أكثر من العقود الماضية لأن نقبل سلطان “الآباء” الدائم، خاصة عندما ظهر إحياء الدراسات الآبائية في الغرب. ومع ذلك فنحن ما زلنا نتجه إلى تضييق مجال قبولنا لها، لأن الكثيرين غير مستعدين لإدراج اللاهوتيين البيزنطيين بين الآباء، ولأننا مازلنا نميل إلى اعتبار العصر البيزنطي متمّماً للعصر الآبائي بشكل يكون فيه أقل شأناً، ولأننا مازلنا نشك في وثاقة صلته المعيارية بالتفكير اللاهوتي. لقد كان اللاهوت البيزنطي أكثر بكثير من ترداد للاهوت الآبائي، فالجديد الذي برز فيه لم يكن اقل أهمية من “القِدَم المسيحي”. والحق، أن اللاهوت البيزنطي استمرار عضوي لعصر الآباء. فهل حصل أي انقطاع؟ وهل تغيَّرت روح (ethos) الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في حقبة تاريخية معيّنة، علماً بأن شيئاً من هذا لم يلاحظ قط، بحيث ما ظهر فيها من تطور لاحق كان ذا سلطة متدنية عما سبقه؟ قبولنا بهذا الشيء يُستنتج ضمناً من التقليد الحصري بالمجامع المسكونية السبعة. فنحن بهذا نهمل القديس سمعان اللاهوتي الحديث والقديس غريغوريوس بالماس والمجامع الكبيرة التي أيّدت الحياة الهدوئية والتي عُقدت في القرن الرابع عشر. فما هي أهميتهم وسلطانهم في الكنيسة؟
مازال القديس سمعان اللاهوتي الحديث والقديس غريغوريوس بالماس معلِّمين كبيرين يلهمان الذين يجاهدون في الكنيسة الأرثوذكسية من أجل الكمال الروحي والذين يعيشون حياة الصلاة والتأمل، إمّا في جماعة رهبانية أو في التوحد في الصحراء أو حتى في العالم. هؤلاء المؤمنون لا يعون أي “انقطاع” مزعوم بين العصر الآبائي والعصر البيزنطي. فالفيلوكاليا، التي هي دائرة معارف كبيرة عن التقوى الشرقية والتي تجمع كتابات من قرون متعددة أصبحت في أيامنا كتاباً يهدي كل من يرغب في ممارسة الأرثوذكسية في وضعنا الحاضر. والكنيسة اعترفت بسلطان نيقوديموس الآثوسي جامع هذه المؤلفان وأعلنت قداسته. بهذا المعنى نذهب إلى القول أن “عصر الآباء” يستمر في “الكنيسة المصلَّية”. أفما يجب أن يستمر أيضاً في سعينا اللاهوتي وفي دراستنا وبحثنا وإرشادنا؟ أما يجب أن نستعيد “فكر الآباء” أيضاً في تفكيرنا اللاهوتي وفي تعليمنا؟ فاستعادته لا تُشكل أسلوباً قديماً ولا ذخراً كريماً، هي موقف وجودي واتجاه روحي. بهذه الطريقة وحدها يستعيد لاهوتنا مكانه في كمال وجودنا المسيحي. فلا يكفي أن نحافظ على “الليتورجيا البيزنطية” -كما نفعل- وأن نعود إلى الاهتمام بالأيقونة والموسيقى البيزنطيتين – ونحن مازلنا محجمين عن فعله بصورة دائمة- وأن نمارس بعض أساليب التقوى البيزنطية، بل يجب علينا أن نعود إلى جذور هذه التقوى التراثية وأن نستعيد “الفكر الآبائي”، وإلا وقعنا في خطر الانقسام الداخلي، كما حدث في أوساطنا، بين أشكال التقوى “التقليدية” وبين عادتنا اللاتقليدية في التفكير اللاهوتي. وهذا خطر حقيقي. فنحن “كمصلِّين” مازلنا نحافظ على “تقليد الآباء”. أما يجب أن نقف بضمير حيّ وبمجاهرة في هذا التقليد أيضاً “كلاهوتيين” وكشهود ومعلِّمين للأرثوذكسية؟ هل نقدر أن نحتفظ باستقامتنا بطريقة أخرى؟
القديس غريغوريوس بالماس والتألّه
تتصل كلّ هذه الاعتبارات التمهيدية بهدفنا المباشر وهو: ما هو التراث اللاهوتي عند القديس غريغوريوس بالماس؟ إن القديس غريغوريوس لم يكن لاهوتياً منظِّراً، بل كان راهباً وأسقفاً. ولذلك لم يهتمّ بالمسائل الفلسفية المجرّدة، مع أنه كان مثقفاً جداً في هذا الحقل، لأن همّه الأوحد ارتبط بمسائل الوجود المسيحي. فهو بوصفه لاهوتياً قام بترجمة خبرة الكنيسة الروحية، لأنه كتب معظم مصنَّفاته باستثناء عظاته لمواجهة المشاكل الطارئة. فصارع مشاكل عصره الذي كان حرجاً ومشحوناً بالجدل والقلق ومتَّسماً أيضاً بالتجديد الروحي.
اتَّهمه أعداؤه بالابتداع المدمِّر، وحتى هذا اليوم ما برح الغربيون يقذفونه بهذا الاتهام. أمَّا هو فمتأصل في التقليد، حتى إننا لا نجد صعوبة في إرجاع أكثرية أرائه ودوافعه إلى الآباء الكبادوكيين (باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغيريغوريوس النيصصي) وإلى القديس مكسيموس المعترف الذي كان أكثر معلِّمي الفكر والإيمان البيزنطيين شعبية. وكان القديس غريغوريوس يعرف أيضاً فكر ديونيسيوس الآريوباغي. كان متأصلاً في التقليد، لكن لاهوته لم يكن “تكرارياً”، بل كان امتداداً خلاّقاً للتقليد القديم. وكانت نقطة انطلاقه هي الحياة في المسيح.
من بين المواضيع المتعددة التي تناولها لاهوت القديس غريغوريوس نكتفي ببحث موضوع واحد يثير الكثير من الجدل وهو ما هي الصفة الأساسية في الوجود المسيحي؟ إن الهدف الأسمى من الحياة البشرية قد حدّده الآباء في تقليدهم من خلال لفظة “التألّه” (Theosis). لا شك أن لفظة “التأله” مزعجة للأذن المعاصرة. حتى إننا لا نقدر أن نترجمها بدقة إلى أية لغة معاصرة ولا نقدر أن نترجمها حتى إلى اللاتينية. وفي اليونانية تبقى اللفظة ثقيلة ومتكلّفة. والحق، أنها لفظ جريئة، لكنَّ معناها واضح وبسيط. هذه اللفظة كانت تعبيراً حاسماً في المصطلح الآبائي. يكفي أن نقتبس أقوال القديس أثناثيوس: “فهو أصبح إنساناً حتى يؤلِّهنا في ذاته” (إلى أدلفيوس 4)، “لقد تأنس حتى نتألَّه نحن” (في التجسد 54). هكذا يلخَّص القديس أثناثيوس فكرة القديس ايريناوس الشهيرة: “هو بمحبته العظيمة صار مثلنا حتى يرفعنا إلى ما هو عليه” (ضد الهرطقات 5، المقدمة). هذه كانت قناعة الآباء اليونانيين عامة. ويقدر المرء أن يقتبس بتفصيل أقوال القديس غريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيصصي وكيرلس الإسكندري ومكسيموس المعترف وسمعان اللاهوتي الحديث.
فالإنسان يبقى دائماً هو هو، أي إنه كائن مخلوق. لكنه في يسوع المسيح، الكلمة المتأنس، وعده الله وأعطاه المشاركة الفعلية في ما هو إلهي، أي في الحياة الأبدية غير الفاسدة. إن الميزة الرئيسية للتألّه، عند آباء الكنيسة، هي الخلود واللافساد، إذ لله “وحده الخلود” (1تيمو6: 16). لكن الإنسان يُقبل الآن في “اتحادٍ” صميم بالله بواسطة المسيح وبقوة الروح القدس. وهذا الاتحاد هو أكثر بكثير من اتحاد “خلقي” ومن كمال بشري. وحدها لفظة “التألّه” تقدر أن تُترجم ترجمة وافية فرادة الوعد والعطاء. فهي تعيقنا وتربكنا إذا ما فكّرنا فيها من خلال المقولات “الوجودية” والكيانية. الإنسان لا يقدر أن “يصير” إلهاً، لكنَّ الآباء كانوا يفكرِّون على المستوى “الشخصي” ويرجعون إلى سرّ الاتحاد الشخصي. “التألّه” مواجهة شخصية، إنه هذا الاتصال الحميم للإنسان بالله الذي يخترق فيه الحضور الإلهي كل الوجود الإنساني.
لكن المشكلة الباقية هي: كيف تنسجم هذه العلاقة مع التعالي الإلهي، وهل يلاقي الإنسان الله حقاً في هذه الحياة على الأرض؟ وهل يلاقي الإنسان الله حقاً ويقيناً في حياة الصلاة الحاضرة؟ أم هل نحن فقط بصدد “مقدرة مستقبلية” (action in distans)؟ ما قاله الآباء الشرقيون هو أن ارتقاء الإنسان في العبادة يوصله إلى ملاقاة الله وإلى مشاهدة مجده الأزلي. لكن إذا كان الله “يسكن في النور الذي لا يُدنى” فكيف نقدر أن نلاقيه؟ كانت المفارقة الظاهرية حادة بصورة خاصة في اللاهوت الشرقي الذي التزم دوماً الاعتقاد بأن الله “لا يُدرك” كلياً (akataliptos) وأنه لا يُعرف في طبيعته أو جوهره. هذا الاعتقاد عبّر عنه بقوة الآباء الكبادوكيون، في صراعهم ضد الأفنوميين، وعبّر عنه القديس يوحنا الذهبي الفم في مباحثه الرائعة “في عدم إدراكنا لله” (Peri Akataliptou). فإذا كان الإنسان لا يقدر أن يدنو من الله في جوهره، وإذا كان اتحاده بجوهره مستحيلاً فكيف يكون “التأله” ممكنا؟ يقول الذهبي الفم: “من يبتغِ إدراك جوهر الله يشتمه”، والقديس أثناثيوس ميّز بين جوهر الله وقواه فقال: “هو موجود بصلاحه في كل الأشياء، لكنه يبقى خارجها بطبيعته الخاصة” (في مقررات مجمع نيقية 2). هذا المفهوم وسّعه بدقة الكبادوكيون. فقال القديس باسيليوس إن الإنسان لا يقدر أن يدنو من “جوهر الله” (ضد أفنوميوس 1: 14). إننا نعرف الله في قواه فقط ومن خلالها: “نحن نقول إننا نعرف إلهنا من قواه وأفعاله لكننا لا نعطي وعداً بأننا ندنو من جوهره، لأن قواه تنحدر إلينا، أمّا جوهره فيبقى بعيداً” (الرسالة 234 ضد أمفيلوخيوس). لكنّ هذه المعرفة لا تكون حدساً أو استدلالاً، إذ إن قواه تنحدر إلينا. وفي تعبير القديس يوحنا الدمشقي، هذه القوى إعلان عن الله نفسه: “الإشراق الإلهي والقوة” (العرض الدقيق للإيمان الأرثوذكسي 1: 14). فحضوره حقيقي ولا يكون فقط مثل “حضور الممثِّل فيما يفعله”. ورغم التعالي المطلق في الجوهر الإلهي تعلو هذه الطريقة السرية للحضور الإلهي على كل فهم، لكنّ هذا التعالي لا يجعلها غير أكيدة بالنسبة للعقل.
في هذا المجال يستند القديس غريغوريوس بالاماس إلى تقليد قديم. فالله الذي لا يُدانى يدنو من الإنسان “بقواه” سرِّياً. هذه الحركة الإلهية تُحدث اللقاء، فهي “حركة نحو الخارج” على حدّ قول مكسيموس المعترف (تعليق على كتاب الأسماء اللإلهية 1، 5).
يبدأ القديس غريغوريوس التمييز بين “النعمة” و “الجوهر” فيقول : “لا تكون الإنارة الإلهية المؤلِّهة جوهر الله، بل قوته” (الفصول الفلسفية واللاهوتية 68- 69). هذا التمييز اعترفت به الكنيسة رسمياً في المجمعين الكبيرين اللذين عُقدا في القسطنطينية سنة 1341 وسنة 1351. حتى إنها أبسلت من ينكر هذا التمييز. وهذه الإبسالات التي أصدرها مجمع سنة 1351 أُدرجت في خدمة أحد الأرثوذكسية في كتاب التريودي. فاللاهوتيون الأرثوذكسيون إذاً مُلتزمون بهذا القرار. بما أن الجوهر الإلهي لا يُدانى فمصدر التأله الإنساني وقوته لا يعودان إلى الجوهر الإلهي، بل إلى “نعمة الله”، لأن “القوة الإلهية المؤلِّهة التي يتألَّه بها المشاركون فيها هي نعمة إلهية لا جوهر إلهي” (المصدر نفسه 92-93). فما النعمة (Kharis) جوهراً (Ousia)، بل هي “النعمة الإلهية غير المخلوقة والقوة غير المخلوقة” (المصدر نفسه 69). لكنَّ هذا التمييز لا يحمل انقساماً أو انفصالاً (المصدر نفسه 127). إن القوى تصدر عن الله وتظهر كيانه ووجوده ولفظة “تصدر” (proiene, προιεναι) تشير إلى التمييز لا إلى الانفصال. “وإن اختلفت نعمة الروح عن طبيعته، لكنها لا تنفصل عنها” (ثيوفانيس ص. 940).
يفترض تعليم القديس غريغوريوس عمل الله الشخصي، أي إن الله يتحرك باتجاه الإنسان ويحتضنه “بنعمته” وفعله، من دون أن يغادر “النور الذي لا يُدانى” المقيم فيه أبداً. فكان الهدف الأسمى من تعليمه اللاهوتي الدفاع عن حقيقة الخبرة المسيحية، لأن الخلاص أكثر من غفران، فهو تجديد حقيقي للإنسان. وهذا التجديد لا يتمّ من خلال التحرر من بعض القوى الطبيعية الموجودة في طبيعة الإنسان المخلوقة، بل من خلال “قوى” الله نفسه الذي يلاقي الإنسان ويوحِّده مع ذاته. والحق، أن تعليم القديس غريغوريوس يؤثِّر في كل المنهج اللاهوتي وفي جسم العقيدة المسيحية. فهو يبدأ بالتمييز الواضح بين “طبيعة” الله و”إرادته”. وهذا التمييز كان من ميزات التقليد الشرقي، على الأقل ابتداء من القديس أثناثيوس. في هذا المجال يمكن طرح السؤال التالي: هل ينسجم هذا التمييز مع “بساطة” الله؟ أم هل ننظر إلى هذا التمييز كتخمينات عقلية ضرورية لنا، لا أهمية وجودية لها؟ لقد هاجمه أعداءه من هذه الزاوية، لأنهم كانوا يعتبرون أن كيان الله بسيط وأن كل صفاته متطابقة. وأوغسطين ابتعد أيضاً عن التقليد الشرقي في هذا المجال، ولذلك يظهر تعليم بالاماس غير مقبول إذا قسناه بالفرضيات الأوغسطينية. وبالماس نفسه توقّع الاعتراضات التي يمكن أن تنتج عن تمييزه الأساسي فقال إنه إذا لم يقبله المرء لاستحال التمييز بوضوح بين “ولادة” الابن و”خلق” العالم، كونها من أعمال الجوهر. وهذا يقود إلى خلط وتشويش عقيدة الثالوث. وكان القديس غريغوريوس بالماس متشدداً في هذه النقطة إذ قال: “إذا لم تختلف القوة الإلهية في شيء عن الجوهر الإلهي، كما يعتقد أعداؤنا الذين يهذون ومن يشاطرهم الرأي، فلن يختلف فعل الخلق الذي ينتمي إلى الإرادة في شيء عن الولادة والانبثاق اللذين ينتميان إلى الجوهر. وإذا لم يختلف الخلق عن الولادة والانبثاق فلن تختلف المخلوقات في شيء عن المولود والمنبثق. وبهذه الطريقة لن يختلف ابن الله والروح القدس عن المخلوقات، وتصبح المخلوقات كلّها “من مواليد الله ومبثوقاته” وتتألَّه الخليقة ويُدرج الله بين المخلوقات. لذلك عندما أظهر كيرلس الموقَّر الفرق بين جوهر الله وقوته قال إن الولادة تنتمي إلى الطبيعة الإلهية حين أن الخلق ينتمي إلى قوته الإلهية. وهذا ما أظهره بوضوح عندما قال: “ما الطبيعة والقوة شيئاً واحد”. إذا كان الجوهر الإلهي لا يختلف عن الخلق والصنع. إن الله الآب يخلق بالابن في الروح القدس. ولذلك يلد الله ويبثق، وفق رأي أخصامنا ومن يوافقهم، بالابن في الروح القدس” (الفصول 96-97). هنا اقتبس بالماس مقطعاً من كيرلس الإسكندري، لكنَّ القديس كيرلّس كان يردد ما قاله القديس أثناثيوس الذي أكَّد، في دحض الآريوسية، الفارق الكبير بين الجوهر (أو الطبيعة) والإرادة. الله موجود قبل أن يفعل وهناك نوع من “الضرورة” في الكيان الإلهي، لكنها لا تكون ضرورة إكراه أو قدر، بل ضرورة الوجود نفسه، الله هو ما هو، فهو حرّ الإرادة كلياً. هو لا يُكرِهُهُ أحد على فعل الأشياء التي يقوم بها. لذلك تكون الولادة دائماً “بحسب الطبيعة”، أمَّا الخلق فيكون “عمل الإرادة” (ضد آريوس 3، 64-66). هذان البعدان، بُعد الوجود وبُعد الفعل، يختلفان، بل يجب أن نميِّز بينهما بوضوح. ومما لا شك فيه هو أن هذا التمييز لن يعرِّض “البساطة الإلهية” للخطر، لأنه تمييز حقيقي لا مجرَّد صورة منطقية. لقد وعى بالماس أهمية هذا التمييز فكان في هذا المجال خليفة أثناثيوس الكبير وخليفة أساقفة كبادوكية الكبار حقاً.
اقترح البعض مؤخراً أن نَصِفَ لاهوت القديس غريغوريوس بعبارات حديثة كعبارة “اللاهوت الوجودي”. والواقع أن لاهوته يختلف جذرياً عن كل المفاهيم الحديثة التي تدلّ عليها عادة هذه العبارة. وفي أي حال فإنه قاوم بقوة كل أنواع “اللاهوت الجوهري” (Essentialist) الذي فشل في تفسير حرية الله ودينامية إرادته وحقيقة عمله الإلهي، وأرجع هذه النزعة إلى أوريجنس. فهذا هو المأزق الكبير الذي وقع فيه الميتافيزيقيون اللاشخصانيون اليونانيون. وإذا كان هناك مجال لميتافيزيقيا (ماورائية) مسيحية فيجب أن تكون ميتافيزيقية الأشخاص. انطلق بالماس من تاريخ الخلاص ومن التاريخ الكتابي القائم على الأعمال الإلهية، هذا التاريخ الذي بلغ أوجه في تجسد الكلمة وفي تمجيده بالصليب والقيامة. أمّا إذا تحدَّثنا عن تاريخ الإنسان المسيحي الذي يسعى إلى الكمال فإننا نراه يرتقي درجة درجة حتى يلاقي الله في رؤية مجده. كان وصف لاهوت القديس ايريناوس “بلاهوت الوقائع” مألوفاً. ولذلك نقدر أن نصف لاهوت بالماس بأنه “لاهوت الوقائع” أيضاً، وذلك بقوة التبرير نفسه.
وفي أيامنا هذه نحن نقتنع أكثر فأكثر بأن “لاهوت الوقائع” هو وحده اللاهوت الأرثوذكسي السليم. فهو لاهوت كتابي وآبائي يلائم كليّاً فكر الكنيسة.
لذلك يمكننا أن نعتبر القديس غريغوريوس بالماس مرشدنا ومعلِّمنا في سعينا إلى التكلّم في اللاهوت من قلب الكنيسة.
كُتبت هذه المقالة في عام 1960
الأب جورج فلوروفسكي
من كتاب :الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد