/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / نظرة رعائية إلى الكنيسة

نظرة رعائية إلى الكنيسة

نظرة رعائية إلى الكنيسة

 

لم يُطرح في التاريخ سؤال: ما هي الكنيسة ؟ ليجاب عنه بتحديد أو تعريف. ذلك لأن الكنيسة ليست حدثاً جامداً يبقى هو هو على مر الأزمان ولكنها واقع يتكيف حسب العصور ويتطور حسب الحاجات ويتغير فيه مركز الثقل كلما دعا إلى ذلك داع موجب. فماهية الكنيسة هي، في النهاية، كيفيتها، حياتها الواقعية، حياتها الرعائية في التعليم والتدريب. ماهية الكنيسة ليست شيئاً تحصره المفاهيم أو التحديدات. واللاهوت في هذا الموضوع جاء على أثر الهرطقات في الكنيسة والشقاقات. وقد جاء ليميّز الكنيسة الحقيقية من الكنيسة المزيفة. وتعريف الكنيسة تعريفاً لاهوتياً لم يتبلور إلا في حقبات متأخرة. ولذا فهو بطبيعته دفاعي ووليد ظرف خاص وأوضاع خاصة. ولذلك هو أيضاً لا يكفي. واقع الكنيسة الرعائي هو تعريفها وليس من لاهوت للكنيسة يتجاهل ذلك الواقع إلا وكان مبتوراً أساساً.

والكلمة نفسها أعني “الكنيسة” قلما وردت في الكتاب المقدس. وهذا أيضاً من أسباب صعوبة إدراكها نظرياً واكتناه مضمونها. وإن قول المخلص: “أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” يضع الباحث أمام كيان عجيب غريب. فهو أحياناً مزدهر وأحياناً لا، يتكلم بالروح ويقوم عليه ولكنه لا يعكس ذلك الروح دائماً. وهو الوجود الحي المندفع أبداً إلى الأمام ولكنه في أحيان كثيرة تفوح منه رائحة القبر ويتشح بلباس الموت الشاحب. كل هذا دعا إلى حيرة اللاهوتيين كلما شاءوا التطرق إلى الموضوع الذي نحن بصدده. كما كان هذا أيضاً سبب تعدد الآراء فيه.

الكنيسة ليست البناء

لن نتوقف طويلاً عند الاعتقاد السائد لدى الكثيرين بأن الكنيسة هي البناء الذي يُعرف بهذا الاسم.

الكنيسة والطائفة

ولكننا سننتقل في الحال إلى اعتقاد أكثر شيوعاً وأشد خطورة وهو الاعتقاد بأن الكنيسة الأرثوذكسية مثلاً هي الطائفة الأرثوذكسية. أي إن حدود الطائفة هي نفسها حدود الكنيسة. ولكني مسبقاً وصفت هذا الاعتقاد بأنه خطر. والحقيقة أنه لكذلك وخطره على الكنيسة أكثر مما هو على الطائفة. وهاكم مثلاً:

العضوية في الطائفة تكون بمجرد وجود اسم في دائرة النفوس في سجل الطائفة. ولكن هذه العضوية تخوّل المسجّل أرثوذكسياً بعض الحقوق في الطائفة والمؤسسات الكنسية وأن يكون عرّاباً في المعمودية وإشبيناً في الإكليل، بينما يكون من جهة إيمانه لها ملحداً أو غير مكترث بالشؤون الروحية كلها. وقد يشغل وظيفة في الدولة أو يتبوأ باسم الكنيسة وهو غير مؤمن بها. فتكون النتيجة أن شؤون الكنيسة توضع بين أيدي جماعة لا تعترف بالله ولا بكنيسته. وهذا كافٍ لإظهار هول المأساة الناتجة عن هذا الاعتقاد المخطئ الشائع بأن الكنيسة والطائفة شيء واحد. أما كيف يمكن إزالة هذه الازدواجية فلا مجال لبحثه هنا، وما أكتفي بقوله هو أنه بدون حياة رعائية فعلية مستمرة يستحيل تجاوز هذه الآفة. وبالنسبة إلى موضوعنا نقول: الكنيسة ليست الطائفة وإن كانت في الأصل الثانية تقوم على الأولى.

الكنيسة بيعة

وهنالك تعريف آخر للكنيسة نجده في كتب التعليم الديني، التي لا يفتحها الكثيرون ظناً منهم أنها للصغار وحدهم. وفي هذا التعريف الكنيسة جماعة يرتبط أفرادها برابط ديني ويكوّنون البيعة أي الكنيسة. وهذا المفهوم للكنيسة يبنى على كلمة “كنيست” العبرية و”اكليسيا” و”سيناغوغي” اليونانيتين وكلها تعني ما ذكرنا. إذن فمن علامات الكنيسة مبدئياً وجود إيمان مشترك بين أعضائها.

هيا بنا الآن لنخرج من كتب التعليم المسيحي ونصل إلى الرعية التي هي الوحدة الروحية الصغرى في “كنائسنا”. وليُسمح لي أن أطرح على وجدان كل واحد منا الأسئلة التالية:

هل صحيح أن ما يربطنا اليوم، إذا كنا مرتبطين، ويجعلنا نؤلف جماعة، إذا كنا فعلاً مجتمعين، هو إيماننا الحي الأصيل؟ وإذا كان ذلك كذلك فهل من الصحيح أن الواحد منا يتعامل مع الآخرين على قاعدة الإيمان؟ وإذا كان ذلك أيضاً كذلك فهل يواصلنا إيماننا الواحد إلى وحدة رأي ووحدة اتجاه؟ وكيف نفسر كون إخوتنا كثيراً ما تعصف بهم الرياح فإذا بهم كل بمبدأ خاص ورأي خاص واتجاه خاص؟

الغاية من هذه التساؤلات إيقاظنا من غفلة طال أمدها ودفعُنا نحو الكنيسة لكيلا تبقى في طيات الكتب ونكون نحن في واد آخر. وهذا لا يكون بدون رعاية.

الكنيسة شعب الله الخاص

وهناك معنى آخر للكنيسة يمكن استخلاصه من الكتاب المقدس. ففي العهد القديم الشعب العبري هو شعب الله الخاص الذي اختاره في عميق حكمته لا لاستحقاق بشري ولكن بنعمة إلهية. وكان الختان إشارة الانتماء العضوي لذلك الشعب والخاتم الأبدي لجميع أفراد الشعب. والكنيسة اليوم هي خليفة العهد القديم وجماعتها شعب الله الخاص الجديد.

ولكن لا ننسين أن غايتنا من الموضوع رعائية عملية لا لاهوتية نظرية. فلننزل إلى مستوانا ونتساءل: هل تعني معمودية كل منا له أنه فعلاً مكرّس لخدمة الله ومُنتمٍ عضوياً إلى شعبه الخاص؟ هل تعني لنا معموديتنا أننا حقاً متنا للعالم مع المسيح لنشاركه في قيامته؟ وهل أعطينا رعائياً الزاد الكافي لنسير قدماً من الموت للعالم إلى القيامة بالمسيح؟ وكيف كان ذلك؟

أما وإذا لم يكن انتماؤنا فعلياً وحقيقياً فكيف نكون حقيقة ورثة العهد القديم؟

الكنيسة والسلطة

ويذهب البعض إلى أن الكنيسة هي السلطة المعلِّمة لشؤون الإيمان، وأن هذه السلطة في نظر البعض شخص معصوم أو هيئة معصومة أو كتابة معصومة أو كل هذه مجتمعة. وهذه النظرة إلى الكنيسة تجعل ميزتها الأساسية النظام وحسن التعليم. ويعبَّر عن ذلك لدى المؤمنين في طاعة هي ابنة المحبة للراعي والرضوخ للحقيقة وتواضع يجعلهم أن يعطوا القوس باريها في شؤون الإيمان.

وهنا أيضاً يأتينا التساؤل: أين تعليم المعلمين، أين النظام بالمعنى العميق للكلمة؟ وما هي حقول الحياة عند المؤمنين التي عدّل التعليم سيرتها وحوّلتها الحقيقة إلى الاتجاه المسيحي الصحيح؟ وأقصد بهذا التساؤل أنه لا يمكن للسلطة أن تكون محسوسة في هيئة المؤمنين إلا إذا كانت هيئة التعليم تعلّم بالفعل وتقدم للناس الحقيقة الإلهية في كل حقول حياتهم: أعني في الدير والبيت والمدرسة والمتجر والعمل والوظيفة والحقل وفي كل مكان.

في الكنيسة سلطة ولكن السلطة ليست الكنيسة.

الكنيسة جماعة ذات الإيمان الواحد

والكنيسة في تعريف بعض اللاهوتيين الجماعة ذات الإيمان الواحد والعبادة الواحدة. ولكن وحدانية الإيمان تنبع من وحدانية شعور المؤمنين ووحدانية حقيقة الإيمان. والمعلوم أنه لا يمكن الاطمئنان إلى وحدانية الشعور بدون تربية المؤمنين، ولا الركون إلى وحدانية حقيقة الإيمان إذا لم تدرّس هذه الحقيقة وتكشف للناس. وهذا يعني أن وحدانية الإيمان قد تصبح وقتاً ما كلاماً فارغاً إذا لم يلازم المؤمنين تربية وتعليم وإلا فبماذا يؤمنون؟ وكيف يكون إيمانهم واحداً؟ إن التساوي بالجهل لا يقود إلى اقتناع واحد أو يقين واحد.

كذلك العبادة الواحدة. العبادة لا تكون واحدة إلا إذا كنا نفترض أن الكلمة الواحدة أو الحركة الواحدة تعنيان الشيء نفسه لكل الناس وفي كل آن. وهذا غير الواقع. وما دمنا نحن في الكنيسة الواحدة نمارس تنوعاً في العبادة وعادات مختلفة محلية فلماذا التشبث بتعليم لا نمارسه؟ وما الضرر في أن تكون عبادة خاصة لكل فئة من الناس ومن المفروغ منه أني لا أقصد أسراراً خاصة.

هنا أجيب عن السؤال الأساسي: “ما الكنيسة؟” بأن من عناصرها الأساسية وحدة الإيمان وليس بالضرورة وحدة العبادة.

الكنيسة ملكوت السموات

ومن التعاريف التي تحدد الكنيسة القول: الكنيسة هي ملكوت السموات على الأرض. هذا صحيح من ناحية أن الكنيسة من حيث هي من صنع الله وبه تعيش هي مؤسسة سماوية. ولكن ما دمنا نتكلم رعوياً نتساءل هل تكون الكنيسة ملكوت الله إذا لم يكن الله فيها كل شيء؟ فانظروا معي إذن إلى واقعنا: نجد أننا نشارك في خطيئة المسيحيين العامة أي أننا في ملكوت الله هذا نعمل لمصلحة ونستغل ونغش لا بل “نخون” المسيح، كما قال أحد المفكرين. أين الوجه السماوي في وجوهنا، في مؤسساتنا، في اهتماماتنا، في مقاييسنا الفكرية منها والخلقية.

 

هذا التحديد للكنيسة يلقي مسؤولية عظيمة على أكتاف أبناء الكنيسة ويجعلهم على الأرض يمثلون السماء، كما يفترض أن اعترافهم بربوبيّة يسوع وملكه يفوق كل اعتراف بأي رب أو ملك. فهل هذا هو الواقع؟ لا أجسر أن أطمئن إلى واقعنا كما أني، رعائياً، أخاف على أبنائنا أن يناموا على تعابير مثل هذه كما ينام الكثيرون على ماضٍ مجيد ويسكرون بالكلمات. إن تحديد الكنيسة بملكوت الله على الأرض يفترض أن يكون أبناء الكنيسة سماويين في هذه الدنيا وإلا بقيت الكنيسة في إرادة الله فقط ولم تصبح حدثاً واقعياً في التاريخ.

الكنيسة جسد المسيح

وليس الأمر أسهل إذا ما حددنا الكنيسة بأنها جسد المسيح السري ذاك الذي رأس المسيح نفسه وبه يبقى وبالأسرار الإلهية يحيا، إذ إننا من هذا التحديد نفهم أننا كأعضاء في ذلك الجسد يجب أن نعي كوننا نؤلف المسيح بمعنى. إن تعريفاً كهذا للكنيسة قد لا ينطبق علينا نحن إذا لم يرافقه من جهتنا شعور أكيد بأننا من المسيح وفيه. فهل نشعر في الواقع بعضويتنا هذه ومتطلباتها على الأقل كما نشعر بعضويتنا في هيئة أو جماعة أو مجتمع؟ أنا أعرف الكثيرين ممن يصرفون الجهد والمال في كل نشاط ما عدا الكنيسة، أفلا يحق لنا التساؤل عن مقدار كونهم أعضاء في جسد المسيح السري؟ ولنذهب في تساؤلنا إلى أبعد من ذلك: إلى أي مدى نحن نشارك في جسد الرب ودمه المقدسين ليقوى انتماؤنا إلى جسد المسيح السري ويصدق؟ ألا ترون معي أن علينا صرف جهود رعائية جبارة في هذا الحقل؟

الكنيسة في سر الشكر

وهنالك صورة عن الكنيسة أكثر مما هي تحديد لها وهي تلك التي أعطانا إياها القديس اغناطيوس الأنطاكي وتبسط فيها في عصرنا الحاضر الأب اللاهوتي افناسييف (1). وهذه الصورة تبرز لنا الكنيسة شعباً يجتمع حول أسقفه في سر الشكر الإلهي وسائر الأسرار. هذا الشعب مبرر وجوده حول أسقفه أنه ارتضى لنفسه الانخراط في المسيح سرياً. ووجود الأسقف هو تجسيم للوجود الرسولي الأصيل في ذلك الشعب. ووجود الشعب مع الأسقف في سر الشكر الإلهي يعني أن كليهما يتغذى ويتنقى بالمسيح حاضراً ومأكولاً تحت صورة الخبز والخمر المحوَّلين. المهم في هذه الصورة عن الكنيسة هي أنها ليست تعريفاً نظرياً للكنيسة بل هي الكنيسة بالفعل في حال ممارستها صفتها الكنسية. فمن وجهة هي مقدسة جامعة رسولية بالنسبة إلى رأسها المسيح ومن جهة أخرى هي كذلك بالنسبة إلى عملها في التاريخ، في الواقع، في الناس الأحياء. كما أن المهم في هذه الصورة هو أنها تمثل لنا الكنيسة جماعة شديدة الارتباط بالمسيح، تلتقي وإياه في عمليه شكر وعرفان له على إنعاماته. وفضيلة الشكر لله هذه أساسية جداً في حياة الكنيسة الفعلية ومن الواجب الملّح تغذيتها وإنماؤها إلى أقصى الحدود ذلك أن فتورها في المؤمنين يعني فتور الإيمان ذاته والخطوة الأولى نحو الاستغناء عن الله في الحياة.

كنيسة واحدة، مقدسة، جامعة، رسولية

وهذه الصورة عن الكنيسة تلقي أضواء جديدة على صفات الكنيسة التقليدية أعني: (واحدة، مقدسة، جامعة، رسولية).

* الكنيسة واحدة

عندما يتحدث اللاهوتيون عن وحدانية الكنيسة أراهم يتحولون عنها إلى رأسها المسيح ويقولون: إن الكنيسة واحدة في رأسها الأوحد.

لا شك في أن المسيح واحد وليس اثنين أو ثلاثة. لكن الموضوع الحقيقي هو انتقال الوحدانية من المسيح إلى الكنيسة. هو واحد فيها ولكن يجب أن تكون هي واحدة فيه، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت تتلمسه في كل أدوار حياتها وفي كل أعمالها. الوحدانية، في هذا الصعيد، لم تبحث كفاية لأنها يجب أن تكون عضوية في المسيح منحدرة مباشرة من وحدانيته. وهنا أرى وحدانية المعمودية والإيمان والأسرار الإلهية وغير ذلك. وبعبارة أخرى وحدانية الكنيسة مرتبطة مباشرة بوجودها ككنيسة. وهذا يعني أنه حيثما ضعف أحد عناصر وحدانيتها أصبحت وحدتها في خطر. وبالتالي من أهم الدلائل على وجود الكنيسة وحدتها فوحدانيتها بمقدار ما هاتان الصفتان معطاتان لها مسبقاً.

فمن الناحية الرعائية على كل منا أن يعرف بأنه مسؤول عن وحدانية كنيسته لأنه قد يعطلها ببرودة إيمانه وقلة اندماجه فيها والتزامه بشؤونها. وهذا أيضاً من قضايانا الرئيسية.

* الكنيسة مقدسة

وهذه الصفة مسؤولية ثانية علينا: نعم الكنيسة مقدسة بمعنى أن القداسة أعطيت لها وسكنت فيها بسكنى رأسها يسوع فيها. ولكن التساؤل هو إذا ما كنا فعلاً نُقدم على معين القداسة ذاك، وإذا ما كنا نستخدم وسائل الخلاص التي يعرضها لنا المخلص في كنيسته. القداسة “وزنة” في الكنيسة فكيف لا نتاجر “بالوزنة” وننميها ؟ النعمة موجودة ولكن من يطلبها؟ إن للقداسة جانباً متعلقاً بنا لأننا نحن الكنيسة ونحن المقدسون. والمطلوب منا أن نعكس القداسة لا كأفراد فقط ولكن كمجموعة لنكون في العالم شهادة على أن الكنيسة فينا مقدسة ومعين للخلاص.

* الكنيسة جامعة

جامعية الكنيسة لا تعني فقط اتساعاً أو امتداداً جغرافياً وشمولاً يضم الأرض والقمر وسائر الكواكب لا بل العوالم التي لم تكتشف بعد. إنها أيضاً طابع لإيمان كل واحد منا، واختبار داخلي إما أن يعيشه المؤمن أو لا. أن نعيش الكنيسة جامعياً تعني أن نرحب في ذواتنا بجميع الناس لنمجد الله مع الكل ونحب الكل ونعمل الخير للكل. الجامعية منافية للحصر في الإيمان وكما أن الطائفية آفة الكنيسة لأنها تحصرها وتضيقها، كذلك الإيمان غير الجامعي يحد من انفتاحنا، ويوقعنا في قَبَلية روحية لا نعرف أين تتوقف. وفي هذا الوقت بالذات وصلت بنا القَبَلية المذكورة إلى حد أننا جعلنا من بعض أسرار الكنيسة الجامعة – أعني المعمودية والزواج الخ… – حفلات خاصة بنا أهلاً أو أصدقاء أو أقرباء. وصارت الصلاة في الكنيسة الجامعة ومعها تحتاج إلى بطاقة.

* الكنيسة رسولية

هذه الصفة تعني أن الكنيسة مبنية على أساس الرسل مستمرة في التراث الرسولي باعثة في العصور الحاضرة الروح الرسولي والإيمان الرسولي. الكنيسة رسولية بمعنى أنها ذات طابع واحد وجوهر واحد خلال التاريخ وأنها قاسمه المشترك. فهي فيه عنصر ثباتٍ دون تحجر وتوجيهٍ دون خروج عن الحاجات الملحة. فإذا كانت الأسرار المقدسة – ومنها سر الشكر الإلهي – إحدى الأقنية التي تربطنا بالرسل وتجعل منا رسوليين، أفلا يجدر بنا إعادة النظر في إهمالنا الأسرار الإلهية والابتعاد عنها، خصوصاً وأن الكل ليسوا لاهوتيين ولا قانونيين ولا آباء نسك؟ إذا كان الإنسان لا هذا ولا ذاك ممن ذكرت فكيف يمكنه أن يكون رسولياً بالتالي مرتبطاً بالكنيسة الرسولية ؟

والسؤال الذي يجب أن يهز كل واحد منا هزاً هو: ماذا أفعل أنا لكي لا أبقى خارجاً عن الكنيسة في طابعها الرسولي؟ كيف أجعلها حية فيّ بكيانها الذي يضم قروناً من فعالية الروح القدس؟

وإني أؤكد أن أحد الأسباب الرئيسية التي تحوِّل التقليد الإلهي إلى شيء عتيق جامد كما تجعل مجرد العادات الكنسية في نظر الناس تقليداً عقائدياً، هو جهلنا للتقليد الحيّ الفعال وكسلنا الذي يبقي الكنيسة مادة للكتب الموضوعة على الرف لا بزرة الحياة في كل واحد منّا. وهذا أيضاً يجرني إلى التساؤل وإياكم: كيف نعي ونمارس رسوليتنا ونحن جاهلون كل الجهل روابطنا بالرسل، بالرب يسوع، بالروح القدس المحيي؟ وهل يحق لنا أن ندعو انتماءنا إلى الكنيسة انتماءً رسولياً دون توبيخ ضمير؟

لا شك أن المتطلع إلى ظواهر الأمور في الكنيسة يجد أن هنالك نوعاً من عبادة الماضي وكل ما فيه لا بل تأليهاً له كما جاء. يقولون: كل ما مضى مقدس وكل حديث مرفوض. ومن هنا تحجير حياتنا الروحية في كثير من الأحيان وحصرها ضمن إطارات لم يعد لها صلة بحياتنا العملية أو بالحياة الحاضرة. هذا الموقف يعني أن الله كان يوحي ويلهم ولكنه الآن انقطع عن الوحي والإلهام، كما يعني أن الروح القدس كان يعمل في الكنيسة حتى هذا اليوم ثم توقف عن العمل. وفي هذا ما فيه من الخطأ اللاهوتي الفادح. وهاكم مثلاً على طغيان العادة على التراث الروحي الأصيل والتقليد الشريف:

حاولتُ مرة أن أحسب الوقت الذي يستغرقه العنصر الديني في جنازة “مسيحية”. في البيت حيث الميت، لا تقام الصلوات بل تدعى النادبات والقوالون وهؤلاء يتفننون في إغداق الكلمات الرنانة على الميت لإرضاء الأهل كما يعتبرون أنهم نجحوا بمقدار ما يتوصلون إلى إبكاء الناس وإثارة الدموع.

ويتألف الموكب على أساس الوجاهة ويسير في طريق الكنيسة تتقدمه الطبول والزمور والسيف والترس في بعض الأحيان والطلقات النارية عند الإمكان. وقلما يتمكن مرتل من ترنيم “قدوس الله” بين البيت والكنيسة.

فإذا وصل الجثمان إلى بيت الله بقي معظم الحاضرين خارجاً، وتقام الصلاة طيلة ربع ساعة أو عشرين دقيقة أمام القلة من المشيعين.

وما أن تنتهي الصلاة ويحمل الجثمان إلى الجدث حتى يعود الموكب كما كان، يفسح فيه المجال لكليمات من الصلاة أين من يسمعها. فيكون من أصل ساعة ونصف الساعة يعطى الدين ربع ساعة وتدعى الجنازة من أولها “مسيحية“.

هذا المثل يدل – في نظري – إلى أي حد تسلطت التقاليد والعادات على التقليد الأصيل وسلبته الوقت والأهمية، وبقي الكثيرون لا يميزون بين هذا وتلك.

الخلاصة

وأخيراً، لقد أحببت أن أحوِّل الانتباه عن النظريات في موضوعنا لكي أنظر إلى واقع الكنيسة التي – كما أشرت بدءاً – ليست تعريفاً عقلياً بل هي وجود حقيقي واقعي وكيان في التاريخ. وكذلك لكي أبرهن أننا نواجه في الكنيسة مشكلة كبرى هي العيش في التراث الأرثوذكسي الصحيح لا الاكتفاء بأن يبقى في طيات الكتب.

الكنيسة في حالة صيرورة مستمرة وعلينا أن نسهم بكل مسؤولية لكي تصبح هنا وهناك وفي كل آن وزمان. إنها للأرض ولو لم تكن من الأرض، وعلى أعضائها أن يوجدوها بمعنى، ويشهدوا كل حين للحق الذي تحمل والخلاص الذي تُعلن، ولو كان عليهم دفع ثمن لهذه الشهادة من أشخاصهم أو أرزاقهم وعلاقتهم الاجتماعية أو “عصريتهم“.

 

الكنيسة في النهاية، رعائياً، هي أنت وأنا. وكما نكون نحن كذلك تكون هي. فإن لم نكن شيئاً عادت الكنيسة موضوعاً للبحث لا اختباراً حياتياً بفعل الإيمان الحي. فليفتح إذاً كل قلبه من جديد وليغرف من ينابيع التعليم والكتاب وليمارس الأسرار الإلهية المقدسة، وليعط الرب من قلبه ومن وقته، فتتفجر فيه ينابيع ماء حية بفعل نعمة الروح القدس، وعندئذ فقط، يرى بأم العين ويدرك فعلاً ما هي هذه الوحدة المقدسة الجامعة الرسولية أعني الكنيسة.

 

هذا المقال هو نص محاضرة ألقاها غبطته سنة 1967 في بيروت (وكان آنذاك مطراناً على اللاذقية). وقد نشر أولاً في مجلة النور، عدد 3، سنة 1967.

 

 

البطريرك الياس الرابع معوض

عن مجلة “النور”، عدد 3، سنة 1967.
www.orthodoxonline.org

 

 

 

 

 

 

نظرة رعائية إلى الكنيسة