/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / إنجيل متّى

إنجيل متّى

 إنجيل متّى

 

لعلّ ما يجعلنا نتعلّق بإنجيل متّى أنه يبسط حوادث سيرة المعلّم وتعاليمه بآن فلا يهمل جانب الحادثة ولا جانب الوعظ وفي مقدمه العظة على الجبل التي تحتوي التعليم الأخلاقي للمعلّم. يبدو هذا الإنجيل موازيا بين أقوال يسوع وعجائبه، وإليه يعود المؤمن بالدرجة الأولى.

 كذلك يعيدنا إنجيل متى الى العهد القديم ويبرز انه المُنطلق للعهد الجديد اذ يُبيّن وحدة الأسفار بين العهدين. يتركز هذا الإنجيل على العهد القديم إذ يعيد قارئه اليه بذكر آيات من الأنبياء. ولعل هذا عائد الى ان كاتبه توجّه أولا الى القراء القاطنين فلسطين وقال لهم: «ليتمّ ما قيل بالنبي» دالاّ بهذا أن السيد تحدّث عنه الأنبياء القدامى وانه هو المرتجى وبه تحققت كل النبوءات، كقوله مثلا: «وهذا كله لكي يتمّ ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا ويُدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا» (متى ١: ٢٢-٢٣، من اشعياء ٧: ١٤)، أو قوله (في ٢١: ٤- ٥): «فكان هذا كلّه لكي يتمّ ما قيل بالنبي القائل: قولوا لابنةِ صهيون هوذا ملككِ يأتيك وديعًا راكبًا على جحشٍ ابن أتان» (زكريا ٩: ٩).

إنجيل متّى مكتوب للمسيحيين من أصل يهودي ولليهود ليفهموا أن إخلاصهم للعهد القديم يقودهم الى المسيح وان إيمانهم لا يكتمل الا اذا اهتدوا بالمعمودية. فاستنادُ اليهود إلى الناموس المتضمّن في التوراة أي الكتب الموسويّة الخمسة (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، تثنية الاشتراع) جعل من موسى الذي صعد إلى الجبل (جبل سيناء) متلقّي الشريعة من الله. غير أن القديس متّى يُظهر في إنجيله بما لا يقبل الجدل أن يسوع المسيح بات المشترع المُطلَق في العهد الجديد إذ أوصَل الاشتراعَ إلى كمالِه حين لم ينقُض الناموس (متى 5: 17) بل «صعد إلى الجبل» (5: 1) وكمّل الكتُب الموسويّة الخمسة بمواعظه الخمس التي ما تلقّاها كما تلقّى موسى الشريعة، بل «فتح فاه» (5: 2) وسلّم الشريعة إلى التلاميذ كما سلّمها الله إلى موسى. والمواعظ الخمسة هي التالية: الموعظة على الجبل (الإصحاحات 5-7)، موعظة إرسال التلاميذ (10)، أمثال الملكوت (13)، الموعظة الكنسيّة (18)، الحديث الأُخرويّ (24-25).

لعل هذا أساسي اليوم بخاصة اذ نرى البعض لا يريدون العهد القديم في ظنّهم أنه لليهود فقط في حين ان متّى بخاصة ركّز إنجيله على انه متمم ومحقق لهذا العهد.

نعرف نحن أن إنجيل متى لا يكفي، ولكن يبدو أن المؤمنين عندنا يحبّونه بنوع خاص ربما لأنهم يجدون فيه بوضوح سردًا كنسيّ الطابع.

في الذاكرة لا بدّ من حفظ متّى لأنه يوضح الأناجيل الأخرى ويعطينا إطار الحوادث في سيرة المعلّم وينعشنا بالتعليم الأخلاقي الأكمل في العهد الجديد. جيّد ان نعود اليه لنعرف سرّ هذا التعليم عند الرب وإطار سيرته على الأرض.

جيّدٌ أيضًا أن نعرف أن متّى يذكُر في إنجيله أنه «كان جالسًا في مكان الجباية»، فرآه يسوع العابر وقال له «اتبعني»، «فقام وتبعَه» (9: 9). ذكر متّى دعوة السيّد له وتلبيتَه المباشرة ليُوحي لك أنكَ إنْ تناولتَ إنجيل متّى وقرأتَه، يُقابلُك يسوعُ العابر فيه، ويقول لك أنتَ أيضًا «اتبعني». وعندذاك، ليس أمامك إلا أن تقوم مِن قبر خطيئتك وتتبعه.

 

جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

عن “رعيّتي”، العدد 46، الأحد 16 تشـرين الثاني 2014