/ الإنجيل / تأمل في أحد الدينونة

تأمل في أحد الدينونة

 

تأمل في أحد الدينونة

(متى 25: 31-46)

نحن أصبحنا شبه معتادين أن نلتقي بهذه الفترة قبل الصوم أو في الصوم من كل سنة. وهذا اللقاء هو لقاء أخوي، عائلي. هو لقاء بين أبناء الكنيسة أو الإخوة . أن يبقى هذا الإحساس هو شيء مهم أي إحساس الأخوّة وإحساس البنوّة.ويجب علينا أن نغذي هذا الإحساس وأن نشعر أننا في الكنيسة لسنا غرباء عن بعضنا البعض.

† سوف أحاول، في حديث اليوم، أن أستوحي الأفكار أو النقاط الأساسية من إنجيل هذا الأحد أي أحد الدينونة أ, المعروف بأحد مرفع اللحم. وهذا الأحد مهم جداً في فترة التهيئة للصوم. هو، إذا جاز التعبير، وقفة. إذ لا بدّ لكل واحد منا أن يكون له محطة في حياته. وأن يسأل نفسه “من أين أتيت وإلى أين سأذهب”. لأن يوم الدينونة هو يوم حساب. فكل واحد منا سيقدم حساباً. ولا يوجد مهرب منه. لأنه مهما هربنا فلا بدً وأن نصل لهذا الوقت الذي سنقدم فيه حساباً. لذلك يجب على كل منا أن يستدرك هذا اليوم قبل مجيئه بشكل مفاجئ.
ويكون بذلك مثل الكثير من الحكماء أو، إذا جاز التعبير، الفلاسفة المسيحيين الذين لديهم فلسفة وفكر عن إيمان. لأنهم يقولون: “طالما أن الرب سيحاسبنا فلنبدأ بمحاسبة أنفسنا “. فماذا يكسبون من هذا؟ إنهم يكسبون الكثير بهذه الطريقة أو بالاحرى بهذه الحكمة.

† يكشف لنا إنجيل اليوم هذا الكسب، هذا المربح أو الجائزة التي سنحصل عليها عندما نبدأ بمحاسبة أنفسنا. ويكشف لنا أيضاً النقاط التي على أساسها سنحاسب أنفسنا. لأنه يوجد في هذا الإنجيل فصل بين اليمين واليسار، بين الجداء والخراف. هذا الفصل إستخدم بلغة معينة فالذي ينتبه أو يتفحص جيداً الكلمات المستخدمة يرى أن هذه الصورة أي صورة المحاكمة وكأنها حاصلة أمامه. وإذا كان لديه الإيمان الكافي لا له وأن يشعر بهذه الهزة أو الرهبة التي غالباً ما ينساها في مسير حياته اليومية.بعض الاوقات،عندما يصيبنا مكروه في عائلتنا، نهتز. فحبذا لو هذه الصورة أي صورة الدينونة، التي أوضحها الكثير من الأنبياء إن كان في العهد القديم أو الجديد، نصب أعيننا. حتى القديسين أوضحوا هذه الصورة مثل القديس افرام السرياني ،فهو كان يذكر الإنسان دائما بيوم الدينونة أي ذلك اليوم الذي ستمثل فيه امام خالق الكون في يوم من الايام. وسف تستعرض امامه أو يُستعرض امامك كل أعمالك.”كل يدان حسب أعماله “.

الآن ما أود التشديد عليه في هذا الإنجيل الا وهو بعض النقاط الملفتة للنظر. يوجد العديد من الصور التي يُمثل بها الإنسان في الكتاب المقدس، هنا مثلاً يشبه المسيح الإنسان بالجداء والخراف.يمكننا ايضاًأن نستعمل كلمتان شبه مرادفتان فبدل الخراف يمكن أننقول الحمل وبدل الجداء نقول، كلمة مستعملة في الكتاب المقدس، الوحش.فالناس منذ خلقهم حتى نهاية العالم سوف يجتمعون امام الرب في يوم الدينونة. الذين ماتوا والذين سيعيشون سوف يمثولون امامالمنبر الإلهي. وسوف يظهر من هو الحمل ومن هو على صورة الجداء أو الوحش.

حسب ما ورد في الإنجيل،يتبيّن أن الرب وضع الصدّيقين عن اليمين وقال لهم: “تعالوا اليّ يا مباركيّ أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ إنشاء العالم. لأني كنت جائعاً فأطعمتموني، كنت عطشاناً فسقيتموني، كنت غريباً فآويتموني…” وبعدها يتوجّه الى الذين عن اليسار أي الذين دعاهم الجداء. الجملة التي تقول “تعالوا إليّ يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم منذ إنشاء العالم… “هي جملة معبرة جداً لأن الرب، الذي هو الحمل، يسميه سفر الرؤيا الحمل المذبوح منذ إنشاء العالم. يعني نحن كي نفهم الإنجيل يجب أن ننطلق من إيماننا، من رؤيتنا، من علاقتنا مع الله. يعني، وبتعبير آخر، نحن، كما يقول إخواننا المسلمون، إن لله وإن اليه راجعون. لكن الفرق عندنا أن الله إنكشف بشكل حمل. وهذا الحمل قد خلق حملان. ومن هم هؤلاء الحملان؟ إنهم الصدّيقون وأعد لهم ملكوت أي هيأ لهم ميراثاً. وكما يقول الرسول بولس “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعدّه الله للذين يحبونه.” يعني هذا أن الصديق هو على صورة الله المتجسد، يقابله هذا الوحش أي الإنسان نفسه الذي خلقه الله على صورته. لكنه بسبب خطيئته وأنانيته ومحبته لنفسه أصبح وحشاً. وهكذا باتت صورة الخروف صورة وحش، نمروت. ولما تحوّل الى هذا الشكل، خسر الملكوت، خسر الهدية العظيمة التي تنتظره، خسر الفرح العظيم.

أنا أحب في هذا اللقاء أن أتأمل وإياكم نقطة أساسية: ما الذي يجعلنا أن نبقى على صورة الخراف وما الذي يجعلنا أن نصبح على صورة الوحش. الوحش في كتاب الرؤيا مرادف للتنين والحمل مرادف للمسيح. كما أن الوحش هو مرادف أيضاً لضد المسيح أو كما يسمى في أمكنة أخرى المسيح الدجّال. فكيف شكله هذا المسيح الدجّال؟ لينظر كل واحد منا الى نفسه عندما يكون شريراً، غضوباً، متكبراً، أنانياً ولا يفكر إلا بنفسه. ألا يكون حينها مثالاً حياً للمسيح الدجّال. أما إذا حافظنا على شيء من الوداعة والمحبة والتواضع ألا نكون بذلك نشبه الحمل أي المسيح.

كل واحد منا متمسك بنفسه. فهذا الكون الذي نعيش فيه يشدنا الى الإهتمام بأنفسنا. وكما يقولون “يا رب نفسي”. بينما اذا قرأنا إنجيل اليوم نجده يعطي صورة مختلفة كلياً للصديقين. مما يعني أنه عندما نطعم جائعاً لا نكون بذلك قد أطعمنا أنفسنا. كذلك عندما نزور الإنسان المريض نكون بذلك نعزي غيرنا لا أنفسنا. أغلب الدعايات، التي نسمعها، تشدنا لأن نفكر بأنفسنا فقط بينما هذا الموسم أي موسم الصوم هو موسم شركة، موسم محبة، موسم تضحية. وهكذا الإنجيل يدعونا لأن نفكر بإخوتنا ويقول لنا إذا فكرتم بإخوتكم يصبح لديكم جمال يشتهيه ربنا وتكنون بذلك على صورة الحمل أو الخروف. الأنسان اليوم كأنه شبه ملزم، مضغوط، مجبور، لأن يفكر بنفسه لكن ربنا يدعونا الى فعل العكس. ويقول لنا، أذاتصرفتم العكس، “يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم منذ إنشاء العالم”. ويقول القديس غريغوريوس، في هذا المضمار،”الرب خلق لنا هذا القلب واسع جداً ليسع الملكوت”. فما هو هذا الملكوت؟ الملكوت يعني كل الدنيا، كل الخليقة. لكن نحن بغباوتنا، بأنانيتنا جعلنا هذا القلب ضيق جداً لدرجة أنه يكاد يخنقنا. يخنقنا فنشعر بالدينونة والمحاكمة. فمن الذي سيشعر بالدينونة؟ إذا حدقنا في النص جيداً، نجد أن الصديقين لم يشعروا بالدينونة أو أن أحداً يحاكمهم بل تعجبوا وقالوا:”متى رأيناك جائعاً فأطعمناك أو عرياناً فكسوناك، متى رأيناك عطشاناً فسقيناك، متى رأيناك مريضاً فزرناك… ” لأنهم كانوا يعيشون هذا الشيء تلقائياً وبالتالي هم أدانوا أنفسهم. يقول القديس إسحق السرياني:” الدينونة هي للصديقين،هي أن ينكر الإنسان نفسه محبةً بالآخر ومحبةً بالله “. الإنسان الذي أنكر ذاته مات عن العالم ولذلك هو لم يعد تحت الدينونة. وهذا يعني أن الإنسان الصالح لن يحاسبه أحد لأنه منذ اليوم عائش مع الله وله يقول الآب رث الملكوت. عادةً الأب يعطي ميراثه لإبنه وبالتالي الإبن لا يحاسب ولا يدان وكل ما للآب هو للإبن. وهنا أحب أن الفت إنتباهكم إلى كيف يجب أن يعيش المؤمن في عالمنا اليوم؟

الإنسان المؤمن حقاً يتحدى هذا العالم الذي يدعونا إلى الموت وإلى الأنانية. والأنانية، كما يصفها علم النفس،هي حالة الطفل التقوقع حول نفسه الذي يريد كل شيء لنفسه وعندما يحصل على هذا الشيء يحطمه ويكسره وهكذا يحطم نفسه بنفسه. بينما الشخص الحكيم اليوم، إن كان طفلاً أو شاباً أو عجوزاً،ليس بالضرورة أن يكون خورياً أو راهباً حتى ينيره الله عن كيف سيعيش اليوم. حتى نعيش بالحكمة الإلهية أو الإنجيلية هذه علينا أن نتحدى العالم. وليقل كل واحد لنفسه انا لن أعيش لنفسي فقط بل للآخرين ولله. هذه هي الفلسفة المسيحية العجيبة فلسفة الصليب، إذا أردتم القول، أو فلسفة المتناقضات.
كل هذا المجتمع من أهل وعائلات ودول وراءهم الشيطان ليجعلهم يتقوقعون حول أنفسهم، في حين أن الله خلق الناس ليكونوا في شركة وكما يقول القديس باسيليوس” الإنسان هو كائن شركوي “. يعني أنه يعيش مع الآخر، للآخر ومن أجل الآخر. أيهما يربح أكثر العطاء أم الأخذ، طبعاً ستقولون الأخذ، لكن إختبروا العطاء وسترون أيهما يفرّح أكثر. إختبروا معاودة المرضى أوالعجزة أو الناس الذين يعيشون لوحدهم، ليس بالضرورة أن تعطوهم مالاً، ويقول أحد الآباء إنه بنظرة تعزية أو إبتسامة يمكن للإنسان أن يربح تعزية لاتقدر بأي ثمن.

إذاً، يا إخوتي، إختبروا الفرح الذي تكسبونه عندما تعطون من محبتكم وليس فقط بالمال فزيارة صغيرة أو تفقد تكسبكم فرح لا مثيل له وهو أكبر بكثير من الكسب المالي ولا قياس بين الإثنين. فتشوا في هذا الصوم المبارك عن المحتاجين إلى تعزية حينئذ يقول لكم الرب، كما قال للخراف الذين عن يمينه، تعالوا إليّ يا مباركيّ أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ إنشاء العالم.

المطران افرام (كيرياكوس)، 18 شباط 1996

 

 

تأمل في أحد الدينونة