/ اشكاليات معاصرة / مقوِّمات النـّهضة … اليوم!

مقوِّمات النـّهضة … اليوم!

 

مقوِّمات النـّهضة ... اليوم!

 

   دراسة اللّاهوت لا تصنع النّهضة. دراسة اللّاهوت هي دراسة خارطة الطّريق، لكن خارطة الطّريق ليست الطّريق. أمّا الطّقوس فمساعِدات على العبادة، لكنّها ليست العبادة. فيما الوعظ حثٌّ على المحبّة. لكنّ المحبّة الفعليّة شيء آخر. هذا فيما الأساقفة والكهنة هم إيقونات ربِّ البيت ووكلاؤه وخدّامه، ونواطير البيت لا البيت. لذلك، لا الكتب ولا الأبحاث ولا الخِدَم الطّقسيّة ولا الجوقات ولا الوعظ ولا الأنشطة الرّعائيّة، في ذاتها، ولا كثرة شيوعها ولا جودة أدائها، دليل نهضة حقّ. كذلك لا جلال الأساقفة ولا تبحّر الكهنة في عِلم النّفس الرّعائيّ ينتج نهضة تلقائيّة. ثمّة خلل يعتور الوجدان، اليوم، يجعل الكثيرين يستعيضون عن النّهضة بالمعرفة النّظريّة بشأنها، ويكتفون من النّهضة بالكلام عليها!. فقط إذا ما أقبل النّاس، بوجدان قويم، على النّهضة، بالرّوح والحقّ، وسلكوا فيها بإرادة كاملة، وأمانة وثبات، أمكنهم أن يفيدوا من كلّ ما ذكرناه أعلاه، وإلّا تحوّل الرّعاة إلى خدّام لأنفسهم، ولأفكارهم وتصوّراتهم وأهوائهم، وتحوّلت الكتب إلى كلام في الهواء، والطّقوس إلى عبادة أصنام، والجوقات إلى ما يشبه حفلات الطّرب، والأنشطة الرّعائيّة إلى أنشطة اجتماعيّة، والمؤسّسات الكنسيّة الإنسانيّة إلى مؤسّسات تجاريّة ومساحات للوجاهة والصّراع على السّلطة… إذ ذاك تستبين النّهضة، عمليًّا، نهضة في الانحطاط، لا نهضة عليه، على صورة القبور المجصّصة المبيّضة الّتي داخلها روائح كريهة وعظام أموات، والّذين يطالعونها لا يعلمون ما فيها ولا يبالون!. المهمّ أن تكون ذا مظهر حسن!.

   إذًا ما النّهضة الحقّ وما مقوِّماتها؟. النّهضة واقع روحيّ غير منظور في ثمار فَضْلٍ منظورة!. إيمان فاعل بالمحبّة!. كيف نعلم إن كنّا نحبّ الله الّذي لا نراه؟. إذا كنّا نحبّ الإخوة الّذين نراهم!. وما مقوِّمات النّهضة؟. مقوِّماتها هي إيّاها في كلّ جيل؛ لكنّها، اليوم، رغم أنّها كائنة على ما كانت، دائمًا، عليه، تستبين مستغنى عنها، إلى حدّ بعيد، لأنّ فكر ومناخ الحياة، اليوم، يقاومانها أكثر من أيّ وقت مضى، وهما غير مؤاتيَين لحفظها، على غير ما كان عليه واقع أبناء الإيمان في كلّ تاريخ الكنيسة!.

   ماذا أقصد بذلك؟.

   إذا لم يشدّ الإنسان نفسه بالكامل صوب الله، في كلّ حين، فإنّه لا يقيم في الإيمان الحيّ. يكون كمَن ينظر وجهه في صفحة المياه ثمّ ينصرف وينسى ما هو عليه. هذا، باللّغة الكنسيّة، يُعرف بـ”التّوبة”. التّوبة اعتماد قاعدة حياة مؤدّاها: “وجهك يا ربّ أنا ألتمس”، في كلّ آن!. بدون توبة لا أساس للحياة المسيحيّة. من أين تأتي التّوبة؟. تأتي التّوبة من وعي داخليّ، وهي من طبيعة إلهيّة بشريّة. من دون الله، لا نستطيع شيئًا، ومن دون تبنّي الإنسان لا يريد الله أن تفعل روحه في الإنسان!. فإن نَسِرْ يَسِرِ اللهُ معنا وفينا!. بشريًّا، التّوبة تأتي من زهد أو من ألم!. بكلام آخر، تأتي من واقعيّة في النّظرة إلى الوجود!. بغير التّوبة، واقعيّة الإنسان إيهاميّة!. وحدها التّوبة تعين الإنسان على الواقعيّة الحقّ!.

   ما الّذي تأتي بنا التّوبة إليه؟. التماس وجه الله غير ممكن من دون العفّة. العفّة، من جهة، هي عَفُّ الإنسان عن التّمحور في ذاته، عن عبادة نفسه، عن عشق ذاته، ومن جهة أخرى، هي أمّ كلّ الفضائل. الزّنا هو أن يحبّ الإنسان نفسه في الله والآخرين والعالم. العفّة تعلّم الإنسان الخروج من ذاته، وتاليًا أن يحبّ وأن يحقّق إنسانيّته!. فيما الزّنا يعلّم الإنسان أن يشيّء الآخر، ويسخِّر كلَّ شيء لأهوائه، ومن ثمّ يصيِّره مِسخًا وابنًا لإبليس!. الزّنا حبّ بالمقلوب!. له مظهر الحبّ لكنّه يفتك به!. الزّنا زنا بالجسد والنّفس والفكر والرّوح. هذه كلّها متضامنة فيما بينها وأساسها الزّنا بالقلب!. من القلب تخرج كلّ الأفكار الشّرّيرة!. إذا كانت المحبّة تقدّس فالزّنا ينجِّس!. كلّ المفاسد تتأتّى من روح الزّنا. الزّنا يُفسد كلّ شيء، كما تفسد الغازات المنبعثة من كوم النّفايات الهواء، وكما تفسد المياه المبتذلة المياه الجوفيّة وكما يفسد الخلّ العسل. لذلك حيثما انطفأ هاجس العفّة انتفى حضور الله!. المحبّة الإلهيّة، المقضيّ عليها بالزّنا، لا تُستردّ إلّا بالعفّة!. إذًا، المقوّم الأوّل والأساس لكلّ نهضة ممكنة هو العفّة!. قبل جهد العفّة، وخارج جهد العفّة، النّهضة وَهْم وسراب!. وللعفّة اسم آخر هو “النّسك”. نسكٌ لا يلتمس العفّة لا قيمة له ولا جدوى منه. مجرّد تمارين بشريّة!. لا الصّوم ولا السّهر ولا السّكوت ولا التّعب ولا السّجود ولا الرّكوع ينفع إذا لم يكن الغرض منه هو عفّة القلب، ومن ثمّ عفّة النّفس والجسد والفكر…

   المقوّم الثّاني للنّهضة، والمنبعث من المقوّم الأوّل، هو المحبّة. كنيسة بلا محبّة تستحيل نحاسًا يطنّ أو صنجًا يرنّ. إن كان لي كلّ الإيمان وليست لي محبّة فلست بشيء. كلّ جهد، في الكنيسة، لا يأتي من هاجس المحبّة ولا يفضي إلى المحبّة، جهد ضائع!. الكنيسة جسد. والرّابط بين أعضاء الجسد هو المحبّة، وإلّا لا كنيسة!. العضو في الكنيسة هو للكلّ، والكلّ للواحد. ليس أحد منعزلًا… لا جزر في الكنيسة. فقط، في الحالات الاستثنائيّة، عندما تنفخ رياح الضّلال والهرطقات، تكون الكنيسة حاضرة فاعلة في وجوه موزّعة، واحد هنا وواحد هناك، ولكنْ يجعل روحُ الرّبّ كلّ الكنيسة حاضرة في الواحد. أمّا الكنيسة الّتي يقتصر الجامع بين أبنائها على تلاوة دستور الإيمان والطّقوس والرّئاسة الواحدة والعلاقة الاجتماعيّة والإداريّة فهي كنيسة في الشّكل لأنّ عمل روح الرّبّ فيها معطّل ولا مطرح له فيها. في هذه الحال، لا تعود هناك رعيّة بل تجمّع سكّانيّ جغرافيّ، وتستحيل الكنيسة بعض وجوه مبعثرة هنا وثمّة. وهذه حال انحطاطيّة مرضيّة خطيرة ناجمة عن ارتداد روحيّ، من روح الله، إلى روح العالم!. ومحبّة العالم عداوة لله!. وحده الله قادر، والحال هذه، على استعادة الكنيسة إلى استقامتها الدّاخليّة، بصلاة وصوم ودموع القلّة المتبقّية!. كنيسة لا تغمرها روح المحبّة كنيسة نفسانيّة فكريّة اجتماعيّة يحكمها روح ضدّ المسيح!.

   والمقوّم الثّالث للنّهضة هو الأب الرّوحيّ المختبَر، الّذي يرعى على محبّة الله لأنّه أحبّ الله!. يأخذ من روح الله فيه ويعطي!. من دون أب روحيّ يسود الضّياع!. ليس من الضّروريّ أن يكون الأب الرّوحيّ راهبًا أو إكليريكيًّا. الألقاب المفرغة من مضمونها باتت تُوزَّع يمينًا ويسارًا!. هذا الخلط بين رجل الإدارة والأب الرّوحيّ ليس مبرَّرًا!. المهمّ أن يكون هناك قائد روحيّ بالفعل. والقائد، في الكنيسة، قائد لأنّه قدوة لا لأنّه رئيس!. هذا ما يجعله يرعى لأنّه يكون مستعدًّا لأن يبذل نفسه عن الخراف. يحبّها لأنّه يحبّ سيّدها. يلازمها لأنّه يلازم المعلّم. يحرص عليها لأنّه يحرص على خلاص نفسه من خلالها. هو يقودها إلى مراعي الخلاص لأنّ هذا تكليفه لا وظيفته!. والخراف تتبعه لأنّها تعرف صوته وتحيا من نبضات قلبه ومن روح حبّه، كما من ربّها فيه!. محبّة الأب الرّوحيّ لخراف المسيح توحّده بالمسيح ومحبّة الخراف لراعيها بالتّوكيل توحّدها بالرّاعي الأصيل، وإلّا أقنية الخلاص لا تمرِّر النّعمة!. “لنتعزّى بينكم بالإيمان الّذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني”!.

   إذًا النّهضة تأتي من توبة حقّ، والتّوبة تُترجَم عفّة في الحقّ، والعفّة تتجسّد محبّة في الحقّ، والمحبّة يتعهّدها رجل للحقّ!,

   البيت الّذي لا يشاد على هذه الأركان الأربعة قائم على الرّمل ولا يلبث أن يسقط ويكون سقوطه عظيمًا!.

   الزّمن، اليوم، صعب منافق!. الرّوح الغالب هو الدّهريّة!. الواقع الكنسيّ، بعامّة، دهريّ المضمون في حلّة تراثيّة!. هذا عندنا. لا زلنا نتمسّك بالشّكل، في كلّ شيء. غيرنا يطيح المضمون والشّكل، إلى حدّ بعيد، معًا، بادّعاء الحداثة!. بتنا نتصارع على الشّكل!. لم يعد الرّوح إلّا همّ النّدرة!. اللّاهوت أضحت النّهضة فيه تقاس بكَم ونوع المعرفة الدّماغيّة، ما إذا كانت أوفى!. لاهوت الحياة في المسيح، ولاهوت الصّلاة، ولاهوت المحبّة، ولاهوت القداسة، يؤخذ نظريًّا!. العيش في الرّوح كلاهوت قلّما بات في الوارد!. التّوبة، كالتماسٍ لوجه الله، يستعاض عنها بالتماس البَرَكة لشؤون هذا الدّهر!. والعفّة، كعفّ عن عبادة الذّات وأمّ للفضائل كافّة، يُستعاض عنها بالزّنا المعمَّم من منطلق واقع الطّبيعة البشريّة، مبرَّرًا بدراسات عِلم النّفس، أو من منطلق الضّعف البشريّ، باعتبار شيوع الزّنا، مبرَّرًا بالمقاربات الرّعائيّة التّخفيفيّة، ما يخلق وضعًا تلفيقيًّا شيطانيًّا يتداخل فيه الزّنا والعبادة، والإيمان بالله والإيمان بالذّات، والأخلاق واللّاأخلاق، والرّوحيّات والوثنيّات!. والمحبّة، كجامع روحيّ بين أبناء الإيمان، في بنيان واحد، يستعاض عنها بالجماهيريّة الشّعاريّة والعلاقات الفردانيّة، على لياقات تجعل العزلة الكيانيّة للواحد عن الآخر واقعًا مسلَّمًا به في الكنيسة!. ثمّ أخيرًا، الأبوّة الرّوحيّة، كتعهّد لخراف المسيح، يستعاض عنها بعلاقات إداريّة وظيفيّة لا تختلف في شيء من مضمونها، إلّا شكلًا واسمًا، عن الطّريقة الّتي تُدار فيها الأمور، في مؤسّسات هذا الدّهر!.

   هذا الإمعان في شؤون العِلم النّظريّ وطغيان الرّعاية شبه الاجتماعيّة والاسترسال في العبادة الشّكليّة ذات المضمون الدّهريّ، مقرونًا بالاسترخاء في معالجة الفساد، وتفشّي روح الزّنا بين المعتبرين أبناء الإيمان إلّا ما ندر. وسريان حالة اللّامبالاة حيال ما يتهدّد النّفوس، رعاةً ورعيّةً، سواء بسواء، وكأنّ كلًا أضحى لنفسه، كلُّ هذا بات يعرّض الكنيسة لخطر التّفكّك، ما لم تعلَن حالة الاستنفار والتّوبة العامّة!. صرنا كما في وضع الاستقالة وتصريف الأعمال واللّاحسّ!.

   عن أيّة نهضة نبحث؟. إلى أن يهبنا الرّبّ الإله شهادة الدّم، لا شهادة نؤدّيها إلّا شهادة العفّة والمحبّة!. أُتخمنا كلامًا وطقوسًا!. “لَصِقَ لسان الرّاضع بحنكه من العطش. الأطفال يسألون خبزًا وليس مَن يكسره لهم…” (مراثي)!. إمّا نهضة العفّة والمحبّة وإمّا الخواء!. الباقي أوهام وأحلام!.

 

الأرشمندريت توما (بيطار)، رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي ، دوما – لبنان

عن “نقاط على الحروف”، 25 أيلول 2016

 

 

 

 

 

 

 

مقوِّمات النـّهضة
اليوم!