...

ستر والدة الاله

 

 

 

تعيد الكنيسة الارثوذكسية في 28 أكتوبر لعيد “ستر والدة الإله الفائقة القداسة” من وهو الأعياد التي لها امتياز خاصّ في الأرثوذكسية الروسية، وبالنسبة للكنيسة الروسية هو واحد من الأعياد العظيمة والتي لها تكريم واحترام خاصّ.

يرجع تأسيس هذا العيد إلى التقليد الكنسي المتعلق بظهور والدة الإله في عام 910 في كنيسة فلاخيرنا حيث كان يُحفظ ثوب والدة الإله وغطاء رأسها وجزء من زنارها التي أُحضرت من فلسطين في القرن الخامس. في تلك السنة كانت المخاطر تحيق بالقسطنطينية حيث أن الإمبراطورية البيزنطية كانت تحارب المسلمين (أو بحسب عدد من المراجع – كانت تحارب القبائل الروسية).

كان ذلك في أحد أيام الأحد الموافق للأوّل من أكتوبر، عندما اجتمع الشعب للصلاة وكانت الكنيسة ممتلئة بالمصلين ومن بينهمالقديس أندراوس المتباله من أجل المسيح. في الساعة الرابعة من الليل رفع أندراوس عينيه نحو السماء وشاهد السيدة والدة الإله الفائقة القداسة تمشي في الهواء مشعّة بنور سماوي ومحاطة بجوقات من الملائكة والقديسين، من بينهم القديس يوحنا المعمدان والقديس يوحنا اللاهوتي. ركعت العذراء الفائقة القداسة وابتدأت تصلي بدموع من أجل المسيحيين وظلت تصلي وقتاً طويلاً، ثم اقتربت من العرش وتابعت صلاتها وبعد انتهائها من الصلاة أخذت المنديل الذي يغطّي رأسها (الستر) وبسطته فوق المصلين الذين في الكنيسة حمايةً لهم من الأعداء الظاهرين وغير المنظورين. كانت العذراء الفائقة القداسة تشرق ببهاء ومجد سماوي، وكان الستر يضيء في يديها أكثر من أشعة الشمس.

عاين القديس أندراوس هذه الرؤيا العجيبة برعدة وسأل تلميذه الواقف بجانبه المغبوط إبيفانيوس (الذي أصبح فيما بعد هو البطريرك السابع والستين للقسطنطينية): “هل ترى يا أخي ملكة السماء سيّدتنا العذراء وهي تصلي من أجل كل العالم؟” أجاب إبيفانيوس: “أرى يا أبي القدّيس وأرتعد خوفاً”.

طلبت والدة الإله الفائقة البركات من الرب يسوع المسيح بأن يقبل صلوات جميع الناس الذين يدعون باسمه القدّوس ويلجأون إلى شفاعتها: “أيها الملك السماوي، اقبل صلاة كل إنسان يصلّي إليك ويتشفع باسمي طالباً المعونة، فكل من صلّى هكذا لا يخرج من عندي فارغاً بل يُستجاب له”.

بقي القديسان أندراوس وإبيفانيوس اللذان تأهّلا لتأمّل والدة الإله المصليّة ينظران طويلاً إلى الستر المنشور فوق الشعب وإلى شعاع المجد الإلهي الذي كان يلمع مثل البرق. ظلّ الستر منشوراً فوق الشعب طوال وجود والدة الإله، وعندما اختفت أصبح الستر غير مرئي، ولكن بأخذها الستر معها تركت والدة الإله بركة ونعمة على الشعب هناك.

أدّى ظهور والدة الإله العجائبي وهي تغطّي المسيحيين بسترها إلى تشجيع وتعزية الروم، فجمعوا آخر قواهم وهزموا أعداءهم.

لقد عرفت القسطنطينية الكثير من الشهادات حول حماية والدة الإله العجائبية وسترها. في تلك الليلة التي بسطت فيها والدة الإله سترها فوق المصلين في كنيسة فلاخيرنا انهزم المسلمون. وقبل هذا سبق وأنقذت والدة الإله المدينة أكثر من مرة: عندما تمّ إنزال ثوبها في مياه خليج القرن الذهبي أنقذتها من السكيثيين، وبعد ذلك من المسلمين، ثمّ في عام 866 من هجوم الروس الوثنيين الأميرين أسكولد ودير مع جيشهما.

احتفظت كنيسة فلاخيرنا بذكرى ظهور والدة الإله العجائبي. لقد رأى الزائر الروسي الشماس ألكسندر في كنيسة فلاخيرنا في القرن الرابع عشر إيقونة والدة الإله الفائقة القداسة المصليّة من أجل العالم المُصوّرة كما عاينها القديس أندراوس. ولكن الكنيسة الرومية (الناطقة باليونانية) لا تعرف هذا العيد. هناك افتراض بأن هذا العيد وصل إلى روسيا مُقتبساً من كنيسة القسطنطينية التي أهملته فيما بعد.

يجدر بالقول إن القديس أندراوس الذي شاهد الرؤيا العجائبية كان سلافي الأصل، وقد وقع في الأسر في فترة شبابه وتمّ بيعه كعبد في القسطنطينية إلى سيد رومي اسمه ثيوغنوستس.

   يربط أغلب الباحثين قصّة ظهور عيد ستر والدة الإله في روسيا بالأمير أندريه بوغوليوبسكي. في عام 1164 انتصر الأمير على أعدائه وعند قراءته سيرة القديس أندراوس المتباله الذي كان يعيش في القسطنطينية في القرن العاشر عثر على قصّة الرؤيا العجائبية التي تأهّل لمعاينتها. ونجد في أحد مؤلّفات الأمير أندريه بوغولوبسكي الكلام الذي يعود بنا إلى تأسيس العيد: “عندما عرفتُ بهذا فكّرت: لماذا هذه الرؤيا الرهيبة والعجيبة تبقى بلا عيد خاصّ بها؟ لقد رغبتُ في ألا يبقى سترك المقدّس بلا عيد أيّتها الفائقة الصلاح”.

ظهرت الكنائس المكرّسة إلى “ستر والدة الإله” في روسيا في القرن الثاني عشر. وقد زيّن الأمير العظيم أندريه بوغوليوبسكي عاصمته بكنائس رائعة كثيرة على إسم والدة الإله وهو يدعوها بأن تبسط سترها على روسيا. من المفترض أن أوّل الكنائس المكرّسة لستر والدة الإله هي الكنيسة المشهورة على مستوى العالم بطرازها المعماري التي بُنيت على نهر نيرل في مقاطعة فلاديمير في عام 1165. وبهمّة هذا الأمير القديس تمّ إقرار عيد ستر والدة الإله في الكنيسة الروسية في أواسط القرن الثاني عشر.

كان الأمير العظيم أندريه طوال حياته يناضل في سبيل توحيد أراضي بلاده والتغلب على الإنقسام بين إماراتها وهو يؤمن إيماناً عميقاً بأن ستر والدة الإله يحمي روسيا. فحان الوقت الذي انقشع فيه ظلام الانقسام . لذلك فإن عيد ستر والدة الإله يُفهم على أنه عيد لكل الأرض الروسية وللعالم الأرثوذكسي: “إن والدة الإله هي بالحقيقة سترٌ لكل العالم”. نجد في قراءات خدمة هذا العيد: “إنّ الأرض كلها تُقدّم لك الهدايا بما أنك الملكة والدة الإله”. أما خصائص خدمة هذا العيد فتتطابق إلى حد كبير مع أعياد والدة الإله من الأعياد العظيمة الإثني عشر. مع أن عيد ستر والدة الإله يُعتبر عيداً عظيماً إلا أنه ليس من الأعياد الإثني عشر.

لقد تمّت العديد من العجائب في الأرض الروسية بواسطة ستر والدة الإله. وقد شيّد الشعب الروسي آلاف الكنائس على اسم ستر والدة الإله في كل الأرض الروسية (اسمها بالروسي “بوكروفسكي”٭٭)، وانتشرت إيقونات ستر والدة الإله في كل المدن والقرى الروسية في كنائسها وأديرتها. أشهر كنيسة “بوكروفسكي” في موسكو هي كاتدرائية ستر والدة الإله الواقعة في الساحة الحمراء (وتسميتها الشائعة هي كاتدرائية القديس باسيليوس المغبوط لأن جسد هذا القديس المتباله من أجل المسيح يرقد فيها). بنى هذه الكاتدرائية القيصر إيفان الرهيب بعد عودته من حملته المظفّرة على نهر الفولجا وذلك لأنه في عيد ستر والدة الإله بالذات استولى الجيش الروسي على مدينة قازان (عاصمة دولة التتار).

في 14 أكتوبر تقام خدمة عيد ستر والدة الإله في جميع كنائس الأرض الروسية، وعلى مدى قرون عديدة تتذكّر روسيا المقدّسة هذه الرؤيا العجائبية التي عاينها القديس أندراوس وتلميذه إبيفانيوس في كنيسة فلاخيرنا، وهي تؤمن بأن ستر والدة الإله العجيب مبسوط فوقها، وذلك بقناعات وإثباتات متجددة على مرّ العصور.

في عيد ستر والدة الإله يطلب المؤمنون من ملكة السماء الحماية والمعونة: “اذكرينا في صلواتك أيّتها السيدة العذراء والدة الإله لئلا نهلك من أجل كثرة خطايانا، استرينا من كل شرّ ومن الهجمات الشريرة، لأنه عليك اتكالنا ونكرّم عيد سترك ونعظمك”.

 أقدم الإيقونات المعروفة لستر والدة الإله ترجع إلى القرن الثالث عشر. وفي القرن الرابع عشر كان قد تشكّل في روسيا نمطان رئيسيان لشكل إيقونة ستر والدة الإله. النمط المسكوبي يصوّر الرؤيا العجائبية ذاتها التي تأهل لها القديسان أندراوس وإبيفانيوس، ونرى فيه الفائقة القداسة تمسك الستر بيديها. والنمط الثاني هو نمط مدينة نوفغورود الذي يصوّر والدة الإله وهي كما على أيقونة “سور لا ينهدم” رافعة يديها إلى الأعلى، أما الستر فيمسكه ملائكة مُحلّقون أمامها، ويُعتقد بأن هذا هو تصوير لتلك العجيبة التي كانت تحدث أسبوعياً في كنيسة فلاخيرنا. اليوم من الممكن رؤية إيقونة ستر والدة الإله الفائقة القداسة في كل كنيسة روسية (والنمط الأول هو الأكثر انتشاراً بكثير).  

في التقليد الشعبي كان هذا اليوم يرمز إلى “لقاء الخريف مع الشتاء” وجذور هذا التقليد تمتدّ عميقاً في الماضي. أما اسم العيد “ستر” أي “غطاء” فارتبط في ذاكرة الشعب الروسي بالندى المتجمّد الأول الذي يغطّي وجه الأرض في هذه الأيام وينذر باقتراب فصل الشتاء البارد. لذلك كان الناس يبدأون بتدفئة بيوتهم في أيّام هذا العيد. كان عيد ستر والدة الإله يتزامن مع الانتهاء من أعمال الزراعة والتحضير اللازم للشتاء.

 

تعظيم لستر والدة الإله الفائقة القداسة:

نعظّمك أيتها العذراء الفائقة القداسة ونكرّم سترك الشريف، بما أنّ القديس أندراوس رآك في الهواء مُصلّية إلى المسيح من أجلنا.

http://www.solial.net/

 

 

 

 

 

 

 

ستر والدة الاله