...

أسئلة وأفكار…

 

 

 

كان القدّيس الجديد باييسيوس الآثوسي ينصح الذين يسألونه عن المسيح الدجّال، بالتفكير بالمسيح والعيش معه، بدلاً من تضييع الوقت، واستجلاب المخاوف، وهدر الطاقات، بالتفكير بالمسيح الدجّال ووقت مجيئه. هكذا يعلّم المستنيرون. وحدهم يضعون النقاط على الحروف.فالتعليم والتربية الدينيَين لا ينفصلان عن بعضهما. أنت تتعلّم لكي تعيش بموجب التعليم الذي تؤمن به، لا لكي تزيد معلوماتك. ليس الإيمان تجميعاً معلوماتيّاً عن الله وما يختصّ به، وإنّما معرفة تنعكس في طريقة عيشك وسلوكك وأخلاقك.

من هنا كان للأبرار الدور الأهم في التربية الدينية، التي لها،ككل تربية، شؤونها وشجونها. وكثيراً ما وُضعت في خدمة الحرفيّةفشوّهت الإيمان ومسخته.فعلى سبيل المثال، أن تؤمن بأنّ الله عادل وديّان شيء، وأن تجعل دينونته الوجه الذي يحجب محبّته شيء آخر بالكليّة. فالله ليس كغيره من الكائنات. إنه ّسرّ بالنسبة للبشر، كونهم لا يستطيعون استيعابه بالكليّة، بعقولهم المحدودة بالزمان والمكان والفناء. هم يتلّمسون حضوره، ويتلّقون كشفه لهم في ملاطفات إلهية يحرك فيها النفس التي تتوق إليه.

ليست العقيدة المسيحية تراكم تحليل فلسفي بشري، بل صياغة بشرية للكشف الإلهي، في ما ندعوه عمل الله أو تدبيره الخلاصي، الذي بلغ ملأه في يسوع المسيح. ومن بعد صعود المسيح إلى السموات، يكشف الروح القدس للكنيسة، عبر المستنيرين به، وجه استقامتها،كما يحفظها من الانحراف.

وُضعت العقيدة المسيحية في قوانين إيمان، صيغت، عبر التاريخ،حفظاً للإيمان المستقيم، وصوناً للحياة المسيحيّة الحقّة، وذلك بسبب شيوع الهرطقات. وقد بدأ التعليم المسيحي مع الرسل الاثني عشر، وكان في البدء، كما يظهر من عظات الرسولين بولس وبطرس، في سفر أعمال الرسل، متركزاً على موت المسيح وقيامته من أجل خلاصنا.

أمّا ممارسة التعليم الديني،فما كانت معصومة من الوقوع في الأخطاء. والمطبّ الأخطر، في هذا المجال، هو الانحطاط الذي أصابه عبر التاريخ، لأسباب شتّى، لامجال لذكرها في هذه العجالة فبالقدر الذي يبتعد فيه التديّن عن جوهر الدين، يصبح الدين مجرّد ممارسات تقليديّة أو اجتماعيّة أو ثقافيّة، ويتعرّضللتشويه، ويلعب دوراًفي تكوين عقليّة تنادي به وتحارب جوهره، في الوقت ذاته.

لكن كيف يتبنّى المؤمن إيماناً روحيّاً سامياً، بينما عقليّته متأثرة بمفاهيم وقِيَم تتناقض وإيمانه؟ ثمّة أسئلة جوهريّة في قضايا الدين والعقل والمجتمع. فإلى أي مدى يتأثّر تجسيد القِيَم الدينيّة في الحياة، بالعقليّة المحليّة، والعادات الاجتماعيّة، والثقافة السائدة؟ ألا يفهم الإنسان الإيمان انطلاقاً من عقليّته ونمط تفكيره، إذ إنّه، كثيراً ما يخلط بين قناعته الدينيّة وقناعته الاجتماعيّة ولا يميّز بينهما؟ وكيف يُقَوِّم التربية المغلوطة التي نشأ عليها؟ كيف يساهم الدين في تكوين عقل وفكر منفتحَيَن وغير خائفيَن، إذا كان المجتمع يربَّيه على الخوف؟

تجد في كلّ الأديان تيّارات محافِظة وليبرالية ومعتدلة وإلى ما هنالك. لماذا؟ أليس لأنّ فهم الإنسان للدين، وكيفيّة عيشه، تختلف من إنسان لآخر؟ هل نظرة المؤمن، الذي نشأ في مجتمع يساوي بين المرأة والرجل، مماثلة للذي نشأ في مجتمع قامع للمرأة، ولا يتعاطى معها ككائن بشري مستقلّ وحرّ؟ أتراه حسّ الخطيئة بالكذب، هو ذاته عند المؤمن الذي يحيا في مجتمع يعتبر الكذب الرذيلة الكبرى، وذاك الذي يعتبر مجتمعه أنّ “الكذب ملح الرجال”؟

من هذه الزاوية، يتوجّب على المؤسّسة الدينيّة أن تولي قضية التربية الأهميّة التي تستحقها.ففي الدين، كما في غيره، طرائق تربويّة تساعد الإنسان في سعيه إلى الحياة الحقّة، التي يدعوه الله إليها. ولكن التاريخ يُظهر أنّه كثيراً ما شاب التربية الدينيّة عناصر ثقافيّة ارتكزت على الدين لتؤكّد نفسها.

فطرائق التربية، التي تختلف من عصر إلى آخر، تبقى مجرّد قنوات لإيصال التعليم، وليست غايات. فقد كانت التربية قديماً قائمة على العقاب أكثر من التحفيز، وعلى الاستبداد أكثر من الحريّة، وعلى التحكّم بالآخر ورسم طريقة حياته، بدلاً من إفساح المجال له، لكي يختار ما ينفعه ويفيده. وتأثرت الممارسة الدينية بهذه العقليّة وأثرّت فيها أيضاً. وصار الله مصدراً للعقاب، وتربّى كثيرون على أخلاقيّات إرضاء الغضب الإلهي، وعدم معصيته، اتقاءً لناره الأبديّة، فكفر كثيرون وهجروا الدين، وصورة الله المشوّهة معه.

كثيراً ما كانت التربية قائمة على تخويف البشر من الله،لكي يبعدوهم عن الموبقات، أكثر من تنمية حبّ الله فيهم، لئلا يجرحوا محبّته بارتكابها. فصار الله فزّاعة في أيدي المؤسّسات، بما فيها الدينيّة. وبقي أداة لتربية الناس وفق مصالح وأهداف لا تمتّ بصلة إلى وجه الله الحقيقي، ولا تهتمّبخلاص الإنسان، وبناء حياته الفضلى، كما أراه الله إياها.

يبدأ نمو الحسّ بالخطيئة وبشاعتها، بالتعرّف إلى حياة اللاخطيئة. والفرق هائل بين امتناعك عن القيام بعمل ما، فقط، لأنّ الدين ينهى عنه، وبين عدم اكتراثك به، لأنّك تتطلّع وتتشوّق إلى ما هو، بنظرك، أفضل منه بما لا يقاس. قامت الشريعة في العهد القديم على النهي، أمّا المسيح، فقد أتى بشريعة الحبّ، التي تقوم على تخطّي رذيلة ما،في سبيل طلب ما هو أسمى منها. لكن، للأسف،ومن يبقَ في الأولىيكن إنسانه القديم أقوى من الجديد، لأن محبّة الله لم تمتلكه بعد.

كثيراً ما وقفت الهيئات الدينيّة،كما المؤمنين أفراداً، عند حرفيّة النصوص الدينيّة، مستسهلين عدم الغوص فيها، استجلاءً لجوهرها، ولغايات خاصّة، ليس الله محورها بالتأكيد، ممّا أدّى إلى تشويه المفاهيم والقيم الأساسيّة، واستبدالها بأخرى مغلوطة، وأحياناً مضادّة للجوهر.

الأمر يحتاج إلى إرشاد وتوجيه ممن قد انسكب فيهم نور الله، فعرفوه معرفة شخصيّة كيانيّة. تقود عِشرة القدّيسين إلى امتلاك الرؤية المستقيمة، والدخول في الخبرة المعرفيّة الحقّة.

اختلفت التربية اليوم، كما اختلفت عقليّة الإنسان، عمّا كان في الماضي. فالإنسان الذي ينشأ اليوم على التفكير العلمي، واستخدام المنطق والمحاجّة والمقايسة، بات إنساناً حضارياً، عليك أن تقدّم البشارة له، بأسلوب مختلف عمّا كانت عليه في الماضي، وأكثر توافقاً مع روح المسيحيّة وجوهرها. فهل نكون على قَدْر المسؤولية المطلوبة؟

المطران سابا (إسبر)

الإثنين 21 آذار 2016

من صفحة المطران على الفيسبوك

 

 

 

 

 

أسئلة وأفكار