...

يسوع المسيح والحضارة

 

 

كان السؤال المتعلّق بشخص يسوع المسيح، وما يزال إلى الآن، موضوعاً محورياً في كل التاريخ الكنسي في الغرب والشرق على السواء. وهذا أمر بدهي، لأن شخص يسوع المسيح هو المركز والمرمى الأخير لكل الحياة المسيحية. الحياة الكنسية متداخلة مع المسيح في الصميم، حتى إن رؤيانا له، هي نفسها رؤيتنا للكنيسة. وفي كل العهد الجديد، وكل التقليد الآبائي، لا ينفصل شخص المسيح الكلمة المتجسد، عن الكنيسة. والقديس غريغوريوس النيصصي يلفتنا، على نحو خاص، إلى أن الكنيسة تدعى مراراً المسيح على لسان الإلهي بولس (راجع حياة موسى). وهو نفسه يقول: “من يرَ الكنيسة، يرَ المسيح أمام عينه” والحياة الكنسية، أو الحياة في الكنيسة هي الشركة الحيّة والفريدة مع المسيح.
يمكننا أن نبدأ أطروحتنا بالسؤال التالي: ماذا تقدم الكنيسة للعالم مما هو غير معروف من قبل؟ لا بل حريّ بنا أن أصوغ سؤالي على نحو أبسط: ما هو الجديد والفريد في المسيحية؟ الجواب هو: يسوع المسيح كلمة الله المتجسد. إن فرادة الإنجيل المسيحي تكمن في أنه لا يقدم للعالم لاهوتاً نظرياً، كما ولا يقدم لاهوتاً عملياً جديداً، بل حقيقة جديدة، وفريدة هي شخص يسوع المسيح.
لقد افصح القديس سمعان اللاهوتي الجديد عن ذلك بجلاء عندما قال: البداية هي المسيح، والوسط هو المسيح، والنهاية هي المسيح. المسيح في كل شيء، وهو نفسه كان في البدء، والأمر نفسه مع الوسط وفي النهاية على السواء. المسيح هو الكل في الكل (كولوسي 3: 11).
وفي نظر المسيحيين، ينطوي شخص المسيح على إعجاز وتضاد عظيمين. المسيح يغلب الموت ويطلق واقعاً جديداً. وإذ نقارب المسيح، لا نستطيع أن نتجاهل الحدث المركزي: قيامته من بين الأموات. الإيمان المسيحي هو نفسه، لم يتبدّل “لو لم يقم المسيح، لكان إيماننا باطلاً” (1 كور 15: 17). والكرازة بالإنجيل، تنطلق من القبر الفارغ. وهكذا، تقوم كنيسة المسيح على القبر الفارغ. وردّة فعل الناس – بعدما كلّمهم الإلهي بطرس عن قيامة المسيح، في أورشليم – كانت عظيمة “فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه انتم، رباً ومسيحاً. فلما سمعوا، نخسوا في قلوبهم، وقال لبطرس ولسائر الرسل ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس” (أعمال 2: 36-38).
وفي نظر الجماعة المسيحية، ليس المسيح مجرّد معلم، أو واضع للناموس، إنه ابن الله الأزلي، ربّ المجد الذي بتجسده، صار جزءاً من التاريخ الإنساني. ودخول ابن الله في التاريخ الإنساني، يعني ببساطة، أن السبيل المسيحي ليس مسألة قبول بعض المبادئ النظرية عن الله، بل هو في الأساس طريق وجود وحياة. الكنيسة في الأساس هي الشركة مع من يكشف كل شيء، خالق الحياة الجديدة، الفادي والمخلّص.
بكلام آخر، يصبح اللوغوس المتجسد الأساس الأنطولوجي للشركة المسيحية الجديدة. وهذا يعني أن الشركة الكنيسة موجودة، لأن المسيح قائم وموجود، وهي وضع جديد أبدعه الله بإفراغه لذاته، من جهة، وبسكنى المسيح في الواقع الإنسان، من أجل خلاص الإنسان.
وقبل أن نخوض مسألة “المسيح والحضارة”، أجد لزاماً عليّ أن أوضح أن الإنسان لا يستطيع أن يقدم بياناً وافياً كافياً عن شخص المسيح خارج الخبرة الكنسية، وخارج حقيقة الكنيسة، فنحن لا نستطيع أن نهمل الحقيقة المركزية القائمة في الأبعاد الكنيسة. فالخريستولوجيا ليست ثمرة تأمل خارجي، بالمعنى الضيق؛ الخريستولوجيا ليست نظاماً فكرياً يتعلّق بقائد روحي. ويستطيع المرء أن يحوز فكراً حيّاً عن المسيح يسوع، وحياته، ورسالته وأعماله، فقط عندما يوطد نفسه على حقيقة الكنيسة، وتقليدها.
والمقاربة الاكليزيزلوجية للمسألة الخريستولوجية من شأنها أن تصون فهمنا وتحميه بإزاء ما هو فردي، وتقينا الإنزلاق إلى حضيض اعبتار الأقنوم الإلهي المتجسد (Logo)، مجرّد ظاهرة -بين باقات ظواهر كثيرة- جاءتنا بأفكار جديدة، ومناقب جديدة، ومبادئ اجتماعية. والبعد الاكليزيولوجي، من شأنه أيضاً أن يحفظنا بإزاء المفاهيم الفردية المتعلّقة بمن هو يسوع المسيح. إن القول بالمسيح فقط دون سواه، هو ثمرة غياب الاكليريزلوجية الأرثوذكسية (Christmonism). لقد قيل في أشكال عدة وبدءاً من التقليد المسيحي القديم أن الكنيسة هي الحياة المشتركة وشركة المؤمنين على مثال الشركة الإلهية. الكنيسة هي صورة الحقيقة الإلهية غير المخلوقة، القائمة في الوضع الإنساني المخلوق. وهذا يتولّد منه تعليم الكنيسة على المسيح، وهذا التعليم يرتبط بتعليم الكنيسة على الله الواحد في ثلاثة أقانيم. ومن أجل هذا السبب، على نحو وثيق، يجد المرء في التقليد الآبائي، سيما التقليد الآبائي الكبادوكي، صلة متينة بين الخريستولوجيا واللاهوت الثالوثي.
على كل حال، ما أود أن أوضحه وأشدد عليه، هو أن الخريستولوجيا لا يمكن أن تفهم بمعزل عن الاكليزيولوجيا، وبكل تأكيد فإن الخريستولوجيا مرتبطة على الدوام باللاهوت الثالوثي (المتعلّق بالثالوث الاقدس). وهذه التأكيدات تؤلّف نظرة أولية لما سوف ندرسه. والآن، وبعد أن تم توضيح ذلك، ننتطلق لدراسة السؤال المتعلق بيسوع المسيح، أو المسيحية والحضارة.
من المعروف جداً، أنه أثناء القرون الأولى للمسيحية، عندنا التقاء عالمين عالم الإنجيل -الجديد- والعالم القديم، عالم الحضارة اليونانية الرومانية واليهودية. والتقاء هاتين العقليتين المختلفتين، والتقليدين المختلفين، لم يكن لقاءً سهلاً. وفي العادة، فإن العالمين كانا في صراع عميق فيما بينهما، وكانا يعارض أحدهما الآخر. ومع ذلك، فمن الخطأ، تاريخياً أن نقيّم الأمر فوق ما يستحق، فنجعل الصراع أمراً مطلقاً فنعتبره نوعاً من هوّة لا يمكن ردمها. وفي الأساس، لم تتنكر الكنيسة للتراث الحضاري، بل دائماً كانت، من حيث المبدأ، منفتحة على الحضارات. لا بل ينبغي أن نقول بالأحرى أن هناك ردّة فعل مطلقة وسلبية يشنها العالم القديم والحديثن ضد المسيح. ويصوغ ريتشارد ينبور ذلك جيداً، فيقول: لا اليهود فقط، بل اليونانيون أيضاً والرمانيوس، وجماعة العصور الوسطى، والذين هم في العصر الحديثز الغربيون والشرقيون، على حدّ سواء، رفضوا المسيح، وذلك لأنهم رأوا فيه من يهوّد حضارتهم. وتاريخ هجمة الحضارتين اليونانية والرومانية على الإنجيل يؤلف إحدى أكثر الفصول ماساوية في تاريخ الحضارة الغربية وفي الكنيسة، رغم أن ذلك في العادة، يأتي في إطار من الاضطهاد السياسي لا اكثر. والروحانيون القدامى والماديون المعاصرون، فضلاً عن الرومان الذين يتّهمون المسيحية بالإلحاد، والملحدون في القرن التاسع عشر، يشجبون الإيمان بالله، يشاركهم في ذلك الأمميون والإنسانيون، جميع هؤلاء هالتهم العناصر نفسها في الإنجيل، لا بل يحملون حججاً متماثلة يدافعون بها عن حضارتهم ضد الإنجيل.
ودراسة الفكر المسيحي القديم تسهم في الجدل الدائر في زماننا بين الإنجيل والحضارة. ورغم أنه ليس يتسع الكلام في هذه المقالة الصغيرة لسرد كل التفاصيل التاريخية، إلا أنني أعتقد أن إشارة مقتضبة للمرحلة المسيحية الأولى تكون نافعة لموضوعنا. إن دراسة المعطيات التي في حياة الكنيسة الأولى، من شأنها أن تساعد المرء على الاستنتاج أنه رغم أن الحضارات قد تمّت مقاربتها إيجابياً، إلا أنها لم تفهم ابداً على أنها صلاح غير مشروط. فالحضاراة كانت تعني أساساً، وفي العصر المسيحي الأولى، التراث اليوناني بكل متشعباته وميوله الفلسفية، وبنيته الاجتماعية وسحره الجمالي. وأحد المحبّذين للحضارة اليونانية كان يوستين الفيلسوف والشهيد الذي أعلن: |ودروس أفلاطون ليست غريبة عن دروس المسيح، رغم أن الاثنين ليسا متشابهين تماماً”. والشيء نفسه ينطبق على الرواقيين والشعراء والكتاب القدامى. إنذ كلّ شيء قد ذُكر، قل عن حق، من الذين هم مسيحيون.
والخط نفسه اعتمده لاهوتيو المدرسة الإسكندرية، أكثر أو اقل، فهؤلاء كانوا يحبذون الفلسفة اليونانية. كليمنضس فهم التاريخ كحقيقة فريدة، لأن الحقيقة واحدة هي. العهد القديم والفلسفة اليونانية أيضاً اعتبرا منهجين، أو سبيلين يقودان إلى المسيحي. “ولكن هناك طريق واحد للحقيقة، إنه كالنهر كما يقول كليمنضس، وجداول كثيرة تصب فيه من الجهتين”. ويشدد كلمنيضس على البعد التربوي في الفلسفة، وفي الوقت نفسه يدرك ويحدد وظيفتها. وفي أعمال أوريجنس الكاملة، وفي علاقته مع الفلاسفة اليونان في زمانة، يمكن للمرء أن يتلمّس حضور مسألة المسيح والحضارة. أوريجنس يدرك صلاحية التقليد الفلسفي اليوناني، إلا أنه، وفي الوقت نفسه ينزع إلى الخط الكتابي والكنسي، وبالنسبة إليه، هناك ثلاثة إعلانات إلهية متتابعة:
1- الطبيعي.
2- النبوي.
3- والإنجيل الذي فيه نجد المسيح معلمنا ومثالنا.
والسؤال المتعلق بالمسيح والحضارة يظهر أيضاً في أعمال الآباء اليونان سيما الذين عاشوا في القرن الرابع للميلاد، فهم قدّموا الإيمان المسيحي بلغة وصياغة يفهمها شعب الله. وصحيح أيضأً أن الآباء لم يترددوا في استخدام التعابير والتبويبات التي شاعت في الفكر اليوناني، وذلك كي يتكلّموا عن شخص المسيح ورسالته. ولكن الصحيح ايضاً أن الآباء انتقدوا وتشجّبوا الحضارة اليونانية الرومانية الوثنية. وكانوا منفتحين على ما هو إيجابي لجهة الإعداد لتفسير البشرى السارة (الإنجيل)، إلا أنهم وفي الوقت عينه تصدّوا بجسارة للحضارة الوثنية. والمهم بالنسبة لهذا الموقف هو ما كتبه القديس باسيليوس الكبير تحت عنوان: “إلى الشباب”، وكيف يمكن للشباب أن يستفيدوا من الأدب اليوناني.
كان الآباء في تلك المرحلة يواجهون وضعاً دقيقاً ومعقداً. كان عدد كبير من المفكرين يعبد الآلهة الأولمبية الميتة. وكان هناك هياكل وثنية تدافع عن التقاليد الوثنية. لم يكن يوليان الجاحد مجرّد حالم طوباوي، بل كان مثالاً للمقاومة الحضارية. فكان يمثل عالماً لم يكن ميتاً بالكلية. وفي الحقيقة كانت تلك الفترة فترة تطور وتغيير وإعادة تقويم، كانت فترة فهم واستيعاب. يقول الاب جورج فلورفسكي: “… كانت بطيئة ودراماتيكية، إلا أنها انتهت بولادة حضارة جديدة يمكن أن نسميها بيزنطية. على المرء أن يدرك أنه كان هناك حضارة مسيحية واحدةن لقرون، وهي نفسها كانت للغرب وللشرق على السواء، إلا أنها ولدت وتوطدت في الشرق. أما الحضارة الغربية الخاصة فأتت لاحقاً. وروما نفسها كانت بيزنطية حتى القرن الثامن، ولعل القرن الثامن عشر أيضاً يصح فيه الكلام نفسه. والعصر البيزنطي يبدأ مع قسطنطين أو ثيوذوسيوس، ويبلغ ذروته في عهد جوستنيان. وفي أيام جوستنيان توطدت الحضارة المسحيية بشكل مدروس، وتنامت كنظام وخط فكري. كانت الحضارة الجديدة توليفية عظيمة تجلت فيها كل تقاليد الماضي وتشكّلت. كانت هللينية جديدة، إلا أنها كانت هللينية منسجمة بشكل عجيب، لا بل قل إن الهللينية تعمّدت”.
وكلما أوغلنا في دراسة حياة ولاهوت الكنيسة الأولى، كلّما ترسّخ الاعتقاد أن إنجازاً حضارياً جديداً قد تحقق في القرون الأولى للمسيحية. ويمكننا حقاً أن نتكلّم عن حضارة مسيحية هي ثمرة النقاش المسيحي الهليني. وقد قيل بحق إن عناصر الحضارة الهلينية كانت محفوظة، بل بل مكرّمة ومصونة، إلا أنها خضعت لعملية إعادة تفسير هي بطابعها مسيحية. وكانت قبولاً لمستلزمات الحضارة فضلاً عن إعادة تقييم لها.
وكي نختم هذه النظرة التاريخية القصيرة يمكننا القول إن آباء الكنيسة الأولى المتحركين بين قطبي الحقيقة الإنجيلية والحضارة، كانوا شديدي الاقتناع أن الإنجيل المسيحي مركزي ومهيمن على حياة الإنسان.
والإنجيل، أو البشرى السارة، كان المسيح نفسه الذي صار جسداً وسكن بيننا (يوحنا 1: 14). لقد جاء الربّ يسوع إلى هذا العالم وذلك كي يرفع البشر إلى الله. وعلينا أن نقرأ أنه في هذا الإطار، فإن التعديلات المتعلّقة بمسألة المسيح والحضارة في التقليد المسيحي القديم، وعلينا أن نتذكر أن الولاء للمسيح يسوع لم يناقش من قبل المسيحيين المؤمنين أما الذين -وعلى غرار الغنوصيين- حاولوا أن يفسروا المسيح بالكامل، وفي صياغات حضارية، مؤثرين أن يزيلوا اي توتر أو تشنج بينه وبين التقاليد والمعتقدات الاجتماعية، فقد اعتبروا ببساطة، ومن قبل الكنسة، هراطقة وغرباء عن الشركة المسيحية. وليس من شك أن كنيسة الرسل والآباء، هي الشركة التاريخية، كانت منفتحة على المنجزات الحضارية، إلا أنها في الوقت نفسه كانت مطيعة ومكرسة لحقيقة يسوع المسيح. وهذه الحقيقة والتي هي المسيح نفسه وليست أي شيء قبل عنه، لا يمكن في أي حال من الأحوال أن تخضع لأية تلفيقية Syncretism.
ويمكننا الكلام عما هو مقدس وحضاري له جذوره في خلق الإنسان، وفي إعادة الخلق الذي تم بالمسيح, ومن الجديد ههنا أن نراعي تفسيراً لاهوتياً مقتضباً من شأنه أن يسمح لنا بالبلوغ إل الفهم العام للعلاقة بين المسيحية والحضاراة. ونحتاج إلى لاهوت للحضارة يعيننا على فهم وتصحيح تقليدنا حول ماهية الحضارة، وحول المدى الذي يمكن ان تبلغه في الحياة الكنسية.
والحضارة ترتبط بالإبداع المعطى للناس من الله نفسه. وفي سفر التكوين نجد أن الرب أعطى آدم:
1- الإمكانية لحراسة الجنة وحفظها.
2- تسمية الحيوانات (2: 15-19).
ويربط تيليك الأولى بالتكنولوجيا، أما الثانية، فباللغة. على كل حال فإن الإنسان الأولى أُعطي أن يكون مسؤولاً وذا واجب خلّاق. لقد أُعطي الإنسان المهمة كي يعمل كمخلوق حرّ، وأن يحتل موقفاً مسؤولاً تجاه العالم المخلوق.
اللغة، كقوة تواصلية، فضلاً عن إمكانية حراسة الإنسان للفردوس وحفظه، وأيضاً الحفاظ على العام المخلوق الذي أعطاه الله للإنسان هي براهين أنه كان هناك مسؤولية إلهية وعمل إلهي. الإنسان خلق على صورة الله ومثاله وذلك كي يحقق في العالم خدمة خلاقة، خدمة فريدة تتوخى الحفاظ على الخليقة وسلامتها. لقد دعا الله الإنسان إلى العمل في العالم المخلوق على صعد ثلاثة: كمعلم وككاهن وكنبي. وفي هذا السياق فإن مهمة الحضارة هي ذات بعد روحي ومواهبي. هذه كانت الدعوة الأولى والمهمة الأولى المنوطة بالإنسان. والوحدة الاساسية التي لهذه العطية التي أغدقها الله على الإنسان، والقبول الطوعي الحر والمسؤولية للاضطلاع بحراسة الفردوس وحفظه هي أهمية أساسية مميزة تساعدنا على فهم معنى الحضارة. والمسألة، على صعيد الخواء الحضاري، هو التالي: لا يستطيع المرء أن يقدّر العنصر الإنساني فوق الحدود اللائقة به، والشيء نفسه يقال في المنجزات الإنسانية. ولكن في الوقت نفسه لا يستطيع الإنسان أن يخفض من قيمة الدعوة الخلاقة والقدرة التي منحها الله له.
إن جوهر الحضارة ومصيرها مرتبطان بالدعوة الإلهية للإنسان، وهذا الارتباط مطلق واصيل. وهذا يعني أن محتوى وصياغة الحضارة مرتبطة بمقولة أن الله هو الذي جعل الطبيعة الإنسانية مشاركة في كل شيء. والناس في حالتهم الأولى، كانوا يشاركون في الكمالات الإلهية، وكان عندهم دعوة ديناميكية من أجل التقدم والمشاركة في الحياة الإلهية، فضلاً عن التكرّس والمسؤولية في الإبداع وتقديس العالم. ويبدو لي على هذا الأساس، أنه في هذا النطاق يكمن جدوى الحضارة. الحضارة ليست مبررة على نحو غير مشروط، الحضارة ليست مبررة حصراً على خلفيّة إنسانية، على مستوى نظري، بالتحديد، إنما هي مبررة لأن البشر تلقوا الإبداع، كهبة من الله. بكلام آخر فإن الحضارة في شكلها الصرف وغير الملوّث، مرتبطة بالأصالة الإنسانية.
ولكن بسبب القبول الحر للخطيئة، خُفِّض الإنسان وفقد توازنه. بكلام آخر، لقد تأثرت إنسانية الإنسان بالخطيئة. وفي الأنثروبولوجية الآبائية، الخطيئة هي دمار تسببت به الإرادة الحرّة عند الإنسان المخلوق العاقل. والعالم نفسه تأثر بما أصاب الإنسان. وهكذا، فالقدرة التي منحها الله للإنسان، من أجل الإبداع، تشوّشت وفقدت حيويتها الأصليّة وبعدها. ولدى مناقشة السؤال المتعلق بالحضارة، يجب على المرء أن لا يتجاهل هذه المأساة التي حلّت بالنسل البشري كله. القضية هي أن الخطيئة قسمت الإنسان في صميم وجوده فبات غريباً ومتغرّباً عن حالته الأصلية الأولى والتي هي خدمة الكون وحمايته. وتالياً، فالطاقة الإبداعية نفسه تقزّمت وصارت تتمحور على الأنا الإنساني egocentrism.
وبسبب إخلاء الأقنوم الثاني يسوع المسيح، لنفسه kenosis، ثم إعادة خلق الإنسان وإعادة تكوينه، وإذا كانت الخطيئة قد أحدثت شرخاً وجودياً في بنية الإنسان وتكوينه، فإن إعادة تكوين الإنسان هو بسبب الموقف الذي اتخذه الكلمة المتجسد. إن حجر الزاوية في الأنثروبولوجية الآبائية هو أن الكلمة الأزلي، ابن الله سكن بيننا بمحض إرادته وذلك كي ينجز في شخصه إعادة تكوين الإنسان. وباتخاذه الطبيعة الإنسانية، شفى الإنسان. المساوي للآب في الجوهر (3)، في الأولهة، يصير مساوياً للإنسان في إنسانيته (ما عدا الخطيئة) ليعيد إعادة جبلتنا. هناك ترابط أنثروبولوجي: قام الإنسان الحقيقية تتجلى في شخص الرب يسوع المسيح. وعلى هذا الأساس يمكننا أن نستخلص عدداً من النقاط في مسألة “المسيح والحضارة”:
1- اهتمام الحضارة الإيجابي ليس معزولاً عن خلق الإنسان الذي جعله الله على صورته. والله، يسوع المسيح الكلمة المتجسد معنيّ بإعادة الخلق بعد أن أظلم الإنسان بفعل الخطيئة. وفي هذا السياق، من الواضح أن الإنسان سواء في الخلق أو في إعادة الخلق في يسوع المسيح قد مُنح طاقات هائلة من أجل خلق تاريخ شخصي. من القداسة، وفي الوقت نفسه الخالق يدعو الإنسان أن يواجه احتياجات هذا الزمان مستخدماً الإبداع الذي هو هبة من الله من أجل توطيد الحضارة التي لا بدّ وأنها جديدة بالدعوة الأصلية المطلقة التي أُعطيت للإنسان. وإذ نراعي الخبرة التاريخية والوضع العام، فهذا يمكن اعتباره غير قابل للتطبيق، ووهماً أو حلماً. ومع ذلك فالدعوة الموجهة إلى الإنسان هي أن يستمر ويتقدم، بمعونة الله، وأن يتقدم من الحالة الحاضرة إلى حالة تتجلى فيها الحياة الإنسان. ويصوغ Niebuhr R. H. المسألة على الشكل التالي: “الحضارة الأساسية يمكن أن تكون حياة إنسانية متجلية في مجد الله. وبالنسبة للإنسان، يستحيل هذا، أما بالنسبة لله فكل شيء مستطاع وممكن، فالله خلق الإنسان جسداً ونفساً، وقد أرسل ابنه إلى العالم كي يخلّص به العالم”.
وفي الجماعة المسيحية، حتى ومن أيام الكنيسة الأولى كان للاهوت علاقات مع الحضارة متعددة الوجوه. وهذا براعته كي لا يكون عمل الكرازة في الفراغ. فالإنجيل لا بدّ أن يراعي الوضع الإنساني. وعلى اللاهوت المهمة والواجب أن يخترق أعماق التاريخ الإنساني، اي أن يدخل في حوار مع الفكر الإنساني. وهذا لا يعني البتة نسبية الإنجيل، أو تكييف الإنجيل مع كل إنجاز حضاري قائم. بل يعني ببساطة أن الفكر الإنسان، لا بل الحضارة الإنسانية هي في معنى ما وفي ظروف ما، تحضير للكرازة.
2- وكما أشرنا، ففي سياق التاريخ المسيحي الطويل، لم يكن الموقف تجاه الحضارة ذات اتجاه واحد. فعلى خط موازٍ مع المشاغل التي تضطلع بها الحضارة، والتي مفادها أنّ الله خلق الإنسان على صورته، وأعاد خلقه بفعل إخلاء الابن القدوس لذاته، يمكن للمرء أن يجد رفضاً للحضارة. لقد صرّح ترتليانوس وعلى نحو جذري فقال: “في الواقع ما هي العلاقة بين أثنيا وأورشليم؟ أيّة صلة تقوم بين الجامعة والكنيسة؟ تعليماتنا تأتينا من الهيكل الذي يعلّمنا أن الرب ينبغي أن نطلبه ببساطة القلب… ولا حاجة لنا إلى نقاش أو جدال بعد أن اقتنينا يسوع المسيح، ليس من استفسار حول الاستمتاع بالإنجيل. بإماننا لا يعود لنا رغبة بأي معتقد آخر، وبسبب إيماننا بالمسيح ليس من حاجة إلى أي شيء آخر”. ورفض مماثل للحضارة يمكننا أن نجده أيضاً في بعض الأوساط المسيحية اليوم. وأسوق مثالاً واحداً على ذلك: جماعة الـ Mennonites يمثلون منذ الإصلاح وإلى الآن موقفاً مضاداً للحضارة. فهم يقصون تعاطي الشأن السياسي ليس فقط من نظامهم الاجتماعي، ونشاطاتهم، بل إنما يتبعون أنظمة ومبادئ للثقافة والاقتصاد والحياة الاجتماعية، متميّزة عن عقليّتهم وفهمهم للإنجيل. ويمكن للمرء أن يجد أمثلة مماثلة أقر بريقاً وإشراقاً في ابتاع التقويم القديم، وفي روسيا، وعند أتباع التقويم القديم في اليونان. في هذه الأوساط تُفهم الحياة المسيحية على أنها حياة بعيدة عن الحضارة.
والموقف السلبي من الحضارة مبني على مقولة أن الحضارة ليست الهدف الأخير للمصير البشري. الحضاراة هي مجموعة قيم مختلفة هي من نتاج سياق التاريخ البشري. ولكن من الوجهة المسيحية، ليست المنجزات الحضارية للقيم المطلقة في الحياة، لا بل ليست هذه القيم الحضارية مستلزمات لا غنى عنها للخلاص. ويلاحظ الاب جورج فلورفسكي “أن البدائي يخلص كما العائش في الحضر. لا بل يمكن للإنسان أن يناقش أنه من السهل على البدائي أن يخلص شريطة أن يكون حراً من نير الحضارة، وبالتالي عنده الإمكانية لرؤية صافية ومباشرة للحقيقة المسيحية. التراكمات هي في العادة عراقبل من شأنها أن تحول دون بلوغ الإنسان جهالة الإنجيل. ومما لا شك فيه أن حكمة هذا العالم هي جهالة بالنسبة لله. لأنه مكتوب: الآخذ الحكماء بمكرهم. وأيضاً الرب يعلم أفكار الحكماء أنها باطلة” (1 كور 3: 19-20).
من المواقف الآنفة الذكر فيما يتعلّق بالسؤال حول المسيح والحضارة، يمكن للمرء أن يفهم أن الحضارة ليست صالحة على نحو غير مشروط، كما وليست هي شريرة بحد ذاتها. يمكن للحضارة أن تكون صالحة، وأن تكون عطية إلهية حقيقية، كما ويمكنها أن تكون شريرة أيضاً وأن تكون قوة شيطانية حقيقية أو نيراً. يمكنها أن تكون السبيل إلى فهم الإنجيل المسيحي إلا أنها وفي الوقت نفسه يمكنها أن تكون عائقاً أمام الوصول إلى الرسالة المسيحية. يمكن للحضارة بحق أن تسهّل الحياة البشرية وتساعد الناس وتعينهم في مسيرتهم الروحية، إلا أنها تستطيع أيضاً أن تغرّبهم عن الحياة الإنسانية الحقيقية فلا تسمح لهم تحقيق دعوتهم التي هي التقدم في المعرفة بغية الاتحاد بالله. يمكن للحضارة أن تساعد الناس في تطوير مواهبهم الشخصية، وبالتالي هي عنصر كبير في تقدم الإنسان، إلا أنه يمكنها في الوقت عينه أن تكون عبئاً ثقيلاً يرزح تحته الإنسان ويكبّل به إبداعه. في عالمنا المتمدّن نكاد لا نرى للعناصر الروحية أي وجود، فالإنسان يزرح تحت ثمار إبداعاته. وقد قيل بحقّ أن الإنسان في زماننا يعاني الكثير من استبداد الحضارة الرتيب، ومن قيود المدنية. ليس في حديثنا ركن لحياة إنسانية أصيلة مبدعة. هذا غريب لكنه أكيد، فالحضارة اليوم باتت تسير في اتجاه طريق غير متحضّر من الحياة.
إننا نعيش في حقبة من التاريخ باتت فيها المنجزات الإنسانية أموراً مطلقة لا بل مؤلّهة، زماننا هو زمان صنمية جديدة أو وثنية جديدة، حيث إن الإنسان الذي هو دون المقاييس المدينة القائمة، يعتبر مخلوقاً دون (أو ذا قيمة متدينة). وأعتقد أن هذا مشكلة ليس فقط لمجتمعاتنا المدنية، بل هو مشكلة لكنائسنا الحاضرة. والعديد من المشاكل التي تواجهها كنائسنا ترتبط بعقليّة تجعل الحاضرة المرهونة في قمّة الاهتمامات والقيم. وينسى المسيحيون عادة أن الحضارة يمكنها أن تكون الوسيلة إلى فهم مسيحي، إلا أن هذه الحضارة لا يمكنها في أيّ حال، أن تكون البديل عن رسالة الإنجيل. ومن واجبنا كمسيحيين أن نواجه السؤال المتعلّق بالحضارة، بروح من المسؤولية، وأن ندرك حدوده كلها. ومن واجباتنا المهمة أيضاً أن نقرّ أن تقديراً مفرطاً للمنجزات الحضارية من شأنه أن يجعل الإنسان أسيراً وعبداً لمنجزاته وتطلّعاته. وإذ نجعل الحضارة في مركز كلّ نشاط إنساني، وهدفاً وأرضية للوجود الإنساني، إنما نعمل على تغريب الإنسان عن نفسه. وفي هذه الحالة نحن نفصل الإنسان عن إنسانيته العامة، ونفصله عن الله وعن إخوته، وعن طبيعته أيضاً.
بكل هذه الكلمات لستُ اشاء أن ألعن الحضارة وأن أبسلها، كما ولستُ أنوي أن أُعيد الإنسان إلى حالة من التشاؤم الحضاري. ما أريده أنه يجب علينا كمسيحيين، أن ندرك ماهية الحضارة في نور الإنجيل المسيحي. وهذا يعني أن موقفنا منها يتمحور حول الكنيسة ecclesio centric. في الحقيقة أننا في شركة الكنيسة يمكننا أن نناشد الجميع كي يتبنّوا القيمة الحقيقية وحدود الحضارة أو المدنية.
والكنيسة التي هي جسد المسيح، من واجبها ومسؤوليتها أن تميّز ما هو وفيّ لحقيقة الإنجيل، وما هو منافٍ لهذه الحقيقة، وما يبني جسد المسيح وما يبليه ويشوشه. وفي إطار الحقيقة الكنسية يمكن للمرء أن ينضج ويجوز فهماً صحيحاً بإزاء ما يرتبط برسالة الإنجيل، وبإزاء ما لا علاقة له بهذه الرسالة، أو يعارضها. “لأن من يشارك في الحليب فقط لا يصلح لكلمة البر، لأنه طفل رضيع. اما الطعام الصلب فهو من خواص البالغين الذين باتوا قادرين أن يميّزوا الخير من الشر” (عب 5: 14). الكنيسة اليوم أكثر من أيّة حقبة أُخرى من التاريخ، عليها أن تبقى وفيّة لدعوتها المزدوجة:
1- أن تميّز من خلال قدرتها الروحيّة ما هي الفروقات بين الخير والشر.
2- أن تترجم بروح من المسؤولية المبادئ المسيحية الأساسية وذلك لمواجهة التحديات المستجدّة في السياق التاريخي المتطور.
لقد صارت الكنيسة هذه المهمة المزدودة عبر التاريخ، وعليها اليوم كما كانت في الماضي واجب الوفاء لدعوتها.
ومن الواضح أننا نعيش في تعددية حضارية، ونحتاج إلى معايير كنسية عالية المواهبية “تمييز الأرواح” (1 كور 12: 10). وإلا فإن كنيستنا ستسير في ركب العالم وتكيّف كرازتها مع رغبات العالم وعاداته وتقاليده. وإذا قبلت الكنيسة بسبب إنعدام الحكمة، أو بداعي الإهمال ما تقدمه التيارت الاجتماعية الحضارية المعاصرة، فمن الواضح أن الإنقسامات ستظهر في جسدها. وصحيح أنه في زماننا، كما في كل زمان، هناك تشنّج جذري وتضاد بين القيم المسيحية والبنى الحضارية. حضارة الآلة، الحضارة التي تخدم الأنظمة الاستبدادية أو المصالح الإقتصادية، الحضارة التي تقوّض توازن الإنسان وسلامته الداخلية، وسلامة بنيته أيضاً، مع بعض الأخطار والأفعال التي وباسم الديمقراطية والمساواة في الحقوق تطيح بالإنسجام بين العلاقات الإنسانية، وهذه كلها لها وقع وتأثير على حياة كنيستنا.
ومن الأهمية بمكان من أجل وجود وحسن سيرة حياة كنيستنا أن نضع نصب أعيننا أننا في العالم لكننا لسنا من هذا العالم. إن صلاة يسوع من أجل الكنيسة يمكن تخليصها بكلمته التي رفعها إلى الىب، وقد حفظها لنا كاتب الإنجيل الرابع: “لستُ أُصلّي كي تخرجهم من العالم، بل كي تحفظهم من الشرير” (يوحنا 17: 15).
وفي حقبة من التاريخ حيث إنّ الإنسان أكثر أو أقل محصور في حدود ضيقة من المشاكل العالمية، فالكنيسة الوفية لميراثها مدعوة بروح من المسؤولية أن تنادي بالإنجيل. وهذا يعني أن تقدّم لعالمنا، وفي هذا الزمان بالذات، شخص ربنا يسوع المسيح. لا تستطيع الكنيسة ان تتخلّى عن الهدف الأساسي والمطلق المنوط بها وذلك بقصد أن تماشي الاهتمامات العالميّة الزائلة. ويجب أن يكون موقفها من الحضارة، كما هو دائماً جدلياً، بحيث إنها تدنو ثم تبتعد. الكنيسة مدعوة إلى التضامن “مع شؤون الأرض” إلا أنها تدين أيضاً، وتحمل في زماننا لواء النقد الرصين.
لا نستطيع أن نتخلّى عن الأرضية الكنسية. وكما أنه يستحيل بلوغ خريستولوجيا أرثوذكسية خارج حياة الكنيسة وتقليدها، هكذا بالمثل أيضاً يستحيل أن يكون لنا حكم صائب في ما يتعلّق بالمنجزات البشرية خارج خبرة الكنيسة وعقيدتها. في الكنيسة فقط نفهم أن المسيح ليس مجرد مانح للشريعة، أو مجرد قائد ديني أو مجرد شخصية تاريخية فذّة، بل ندرك أنه كلمة الله المتجسد الذي صار جسداً كي يحوّل العالم والحضارة بآن.
إن وعد الكنيسة وعملها بإزاء الحضارة، وعلى العموم بإزاء كل المأساة الإنسانية هو كما أظنّ ملخّص في الرواية الكتابية للتجلّي. إن خدمة الكنيسة وجهدها هو أن تجعل التجلي أمراً ممكن الوصول إليه في كلّ وضع بشري.
وإذ نشدّد ههنا على حدث التجليّي، إنما نشدّد في الواقع على من تجلّى، أعني به يسوع المسيح. والخبرة الكنسية ليست هي سوى جماعة حيّة تعيش في المسيح. في هذه الحقيقة الفريدة والجديدة، تتجلّى كل منجزات الإنسان لتكون أفعال محبة تُرفع إلى الله، وتوجه إلى صورته الذي هو الإنسان. وهذه الأفعال والمنجزات من شأنها أن تمجد الآب والابن والروح القدس، وبالتالي فإنها تمجد وتكرم وتشرف الإنسان أيضاً.

د. كونستنتين سكوتيرس
جامعة أيثنا – جامعة البلمند
ترجمة: الأب منيف حمص

 

 

 

يسوع المسيح والحضارة