...

الإرهاب

 

من زاوية كنسيّة

 

اليوم يبدو بوضوح أنّ الشيطان هو “أمير هذا العالم” (يوحنا 12: 31) .

 

كلّ شيء يميل إلى الشرّ حتّى السياسة والدين. يركب هذا القطارَ السريعَ كلُّ مَن يعارض الوضع القائم، أكان من اليمين أم من اليسار.

 

الحضارة العالميّة الحاليّةُ تُفرِزُ أناساً لا يرتضون بالحالات السائدة. بدل أن يثوروا على أنفسهم، على أهوائهم وعلى أمراضهم النفسيّة، ينتقمون من الآخرين وحتّى من الأبرياء. يفكّرون بالنقد ويميلون إلى الخراب بدلاً من البُنيان. طبعاً هناك مَن يعاني مِنَ الفقر المدقع وهناك مَن لا يقبل القِيَمَ والأخلاق الحسنة. فكيف اذاً نتعجّب من إنكار دينهم أو من انحرافهم عنه؟ّ إنّهم في كثير من الأحيان يصيبون في أرائهم ولو كانوا يمارسون الأعمال الشيطانيّة، هذا عندما ينبذون تناقض الإدّعاءات السياسيّة الإعلاميّة للسلام والعدالة مثلاً، بينما تأتي الممارسات عدوانيّةً ومصلحيّة في الواقع. السلوك التخريبيّ العنيف، سواءٌ كانت دوافعُه قوميّةً أم دينيّة، ما هو إلاّ صورة أخرى عن الأنانية، ناهيك عن التصرّف الفَردَوِيّ والتفكُّك الأُسَرِيّ. في كلّ هذا ضعفٌ للذّاتِ العُليا (القلب الواسع) وسيطرةٌ للذات الدنيا (الأهواء والشهوات).

 

الآن كيف يمكننا نحن المسيحيّين أن نقارب مثل هذه الموجة الإرهابيّة التي تجتاح العالم وبلادنا؟ كيف نستطيع إن أمكننا ذلك أن نعالجها على

الصعيد الشخصيّ أو الجماعيّ؟ أكتفي الآن في هذه العُجالة وفي هذه الأيّام الصياميّة أن أبدي

رأيًا نابعاً عن خبرة بعض الآباء القديسين ولو اعتبرتموه ناقصاً أم ناتجاً عن ضعف وعدم قدرة. يقول القدّيس سيرافيم ساروف الروسيّ المعاصر “يكفي أن يتقدّس واحد من البشر حتى يجرّ خلفه مئات من الناس”. ويقول القدّيس أفرام السريانيّ صاحب صلاة التوبة الشهيرة (أيّها الربّ وسيدّ حياتي…): “القديسون هم التائبون إلى الله العائدون اليه”.

 

يكفي إذاً لنا نحن المسيحيّين أن نتوب. انظروا إلى العالم كلّه كم من المسيحيين يتراجعون عن إيمانهم، تاركين كنائسَهُم فارغةً مِن المصلّين! يدّعي كثيرون أنّهم متحضّرون وأبطال التكنولوجيا، بينما تتفكّك العائلات وينحرف الإنسان عن حياته الطبيعيّة التي أرادها الله. المطلوب اذاً ثورة على النفس، عودة إلى القِيَم الأخلاقيّة المسيحيّة، عودة إلى وصايا الله وإنجيله. هذه هي التوبة. القدّيس يوحنّا الدمشقيّ يحددّها بقوله “التوبة الحقيقيّة، هي العودة من الشيطان إلى الله. وهي لا تكون بدون جهاد وألم ودموع” (كتابة مئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسيّ أصحاح 47). نعم، نحتاج إلى دموع كثيرة في هذه الأيّام العصيبة، حتّى ينقذنا الربّ يسوع الإله برحمته الغزيرة من الهجرة والانقراض.

 

مع كلّ ذلك، لا يَدَعُنا الربّ الرحوم يتامى يائسين، إذ يقول لنا “لا تخف أيّها القطيع الصغير، لأنّ أباكم قد سُرّ أن يُعطيكم الملكوت” (لوقا 12: 32).

 

                                            + أفرام

                           مطران طرابلس والكورة وتوابعهما

الإرهاب