/ مقالات وعظات / علم اللاهوت الأرثوذكسي يشفي الكيان الإنساني

علم اللاهوت الأرثوذكسي يشفي الكيان الإنساني

 

علم اللاهوت الأرثوذكسي يشفي الكيان الإنساني

 

كيف توصلتُ لاستنتاج أن للأرثوذكسية طابع علاجي قوي؟ توجد ست عوامل أود أن أذكرها.

العامل الأول هو أنني عندما كنت طالباً كنت أعمل على كتابات نقدية لأعمال القديس غريغوريوس بالاماس كان يعدها البروفيسور بانايوتي خريستو ومعاونوهكانت مهمتي تحديد المراجع للاقتباسات من القديس غريغوريوس اللاهوتي التي يستعملها القديس غريغوريوس بالاماسولما قرأت اكتشفت أن القديس غريغوريوس اللاهوتي كانت له بعض الآراء التي لم تكن تخصه هو فقط، بل تخص تعليم آباء الكنيسة القديسين.

بحسب هذه الآراء، لا وجود للجحيم والفردوس من منظور الله ولكن من وجهة نظر الإنسان فقطفالله لم يخلق الجحيم، لأنه لم يفعل أي شيء رديء كما يقول القديس باسيليوس الكبيريقول القديس غريغوريوس اللاهوتي أنه عند المجيء الثاني، سوف يحبّ الله كل الناسوتماماً كما تشرق الشمس الآن على الأبرار والأشرار، هكذا عندئذ سوف يرسل نعمته للكل، للخطأة كما للأبرارلكن حيث أن الأشرار لم يكتسبوا النور الروحي، فهم سوف يشعرون بالخاصية الحارقة للنور الذي سوف يحرقهمهذا سيكون جحيمهمفهم سوف يدركون الله كنار، وهذا سيكون الجحيم، في حين أن الأبرار، إذ تطهروا داخلياً، سوف يرون الله كنور، وهذا سيكون الفردوسهذا بعينه ما يقوله القديس غريغوريوسالنيصي، والقديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس بالاماس، وآخرون كثيرونفي الواقع، يقول القديس غريغوريوس بالاماس، أن هذا يحدث في الإفخارستيا الإلهيةفالذين تطهروا يستقبلون جسد ودم المسيح كنور وحياة، أما الذين لم يتطهروا تكون المناولة المقدسة ناراً بالنسبة لهمسيحدث نفس الأمر عند المجيء الثانيهذا هو السبب الذي لأجله نرى في أيقونات المجيء الثاني الأرثوذكسية أن النور الذي ينير الأبرار يأتي من عرش الله، وهكذا أيضاً نهر النار الذي يحرق الخطأة.

المشكلة التي تواجهنا هي ليست إن كنا سنرى الله في المجيء الثاني، بل كيف نراهأسيكون بالنسبة لنا نوراً أم ناراًفبحسب التعليم الأرثوذكسي، لا يقوم الكاهن بقطع تذاكر للملكوت، ولكنه يعطي الشفاء للناس من خلال الأسرار ومن خلال كل تقليد الكنيسة، بحيث أنهم عندما يرون الله يكون بالنسبة لهم نوراً وفردوساًلقد اتضح لي أن عمل الكهنة هو علاجي بصورة رئيسيةيستطيع الكهنة أيضاً أن يقوموا بعمل اجتماعي ومهام أخرى كثيرة داخل الكنيسة، ولكن كل هذا العمل يجب أن يدمج داخل الطريقة العلاجية التي يُقاد بواسطتها الناس للاتحاد بالله.

العامل الثاني الذي قادني لهذه الاستنتاجات هو أنني كنت كاهناً لحوالي سبعة عشر عاماًوكأب روحي سمعت العديد من الاعترافات، واكتشفت أنه يوجد الكثير من الناس الذين، على الرغم من اعترافهم فإنهم يفعلون نفس الأشياء بعد أيام قليلة.أرى أن الكثيرين ينتمون للكنيسة، ويحضرون الخدم الكنسية ويقولون أنهم يؤمنون بالله، ولكنهم عندما يواجهون مشكلة يلجئون للذين يمارسون السحرإنهم مسيحيون ظاهرياً، ولكنهم جوهرياً لم يحصلوا على الشفاء.

لقد كنت مهتماً بهذا الأمر، وكنت أريد أن أعرف ما الخطبلماذا يعترف الناس ثم يرتكبون نفس الخطايا ثانية؟ إذ درست كتابات الآباء، وجدت أن مشكلة الإنسان الجوهرية ليست السرقة، والكذب، وما إلى ذلك، بل مرض نوسه.

يقول القديس يوحنا الدمشقي أن نوس الإنسان هو عين النفسويقول أيضاً أنه عندما خلق الله الإنسان خلقه عاقلاً نوسياً.بحسب تعاليم آباء الكنيسة، يكون العقل والنوس قوتين للنفس متوازيتينيجعل الكتاب المقدس النوس والقلب واحداً.وبالتالي قال الرب: “طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت8:5). وفي بشارة القديس لوقا يقول:” حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب“(لو45:24). النوس هو جوهر وجود الإنسانإنه مكان استعلان الله، حيث يعبر العقل عن خبرة النوس.نستطيع على سبيل المثال أن نقول أن العقل هو جهاز الكمبيوتر وأن القلب أو النوس هو الشخص الذي يستخدمههذا يعطي فكرة عامة جداً.

هكذا أدركت أن الناس يخطئون ويكررون نفس الأهواء لأن نوسهم مريضيظلم النوس أولاً، ثم يخطئونعلى غرار القديس مكسيموس المعترف، يقول القديس غريغوريوس بالاماس أن النوس المبتعد عن الله يكون إما مثل الشيطان أو مثل الحيوانفهو يصبح شيطانياً من خلال الكبرياء، وحيوانياً من خلال قوى الشهوة وجوانب النفس الحسيةبمجرد أن يشفى النوس، يكف الشخص عن فعل أمور تسبب المشكلات، بما فيها المشاكل الاجتماعيةكما يقول القديس بولس الرسول: “اسلكوا بالروح ولا تكملوا شهوة الجسد” (غل16:5). عندما يكون الروح القدس موجوداً في قلوبنا لا توجد مشاكل مع الشهوات الجسدية، ولا مع أي من الحالات الأخرى التي تدل على الإنسان الجسداني الذي يعيش بدون عمل الروح القدس الكلي القداسةإننا نرى بوضوح في تعليم الآباء القديسين أنه عندما تعمل نعمة الله في إنسان ما، ويُحسَب مستحقاً لرؤية النور غير المخلوق، فحتى قوى جسده تُعطَللا تتعطل قوى النفس، بل قوى الجسدمكث موسى أربعين يوماً وأربعين ليلة على جبل سيناء ولم يكن محتاجاً لا للطعام ولا للشراب ولا للنوم.

العامل الثالث الذي ساعدني هو كتاب القديس مكسيموس المعترف مائة قول في المحبة“. لقد قرأت هذه النصوص لكي أرى ما هي المحبة بالضبط لأن الكثير يقال عنها في هذه الأياملقد ظننت أنني سأجد أن المحبة هي مجرد مسألة وصايا أخلاقية.بالتأكيد، وجدت مثل هذه التعبيرات هناك، إلا أنني اندهشت كثيراً إذ اكتشفت أن كتاب القديس مكسيموس وضع تعليماً عن أن المحبة الحقيقية هي ثمرة اللاهوىيفحص القديس مكسيموس ماهية الأهواء وكيفية تكونهالقد أظهر حقيقة أن الأهواء تنتج من إظلام النوس وتتولد عنه، وبالتالي حلل ماهية النوس، وكيفية إظلامه، وكيفية شفائهإنه يتكلم عن النوس، والأهواء واللاهوى أكثر من الكلام عن المحبة نفسها، لأنه أدرك بوضوح أن المحبة الحقيقية تنبع من النوس المستنير ومن اللاهوى، بملء المعنى النسكي والأرثوذكسي الذي للكلمةلقد أدركت أن القديس مكسيموس المعترف، الذي هو أحد لاهوتيي الكنيسة العظام، لا يتكلم فلسفياً ولكنه يمارس منهجاً للشفاء، حيث أنه يؤمن أن هذه هي مهمة الكنيسة الرئيسية.

السبب الرابع لتوصلي لهذا الاستنتاج هو أنني قضيت العديد من السنين في دراسة عقائد الكنيسةيوجد انطباع شائع أن عقائد الكنيسة هي فلسفة صاغها الآباء القديسون، أو أنها حتى حقائق خارجية نظرية ينبغي على المسيحيين قبولها عقلياً.على كل حال، العقائد هي تعبير عن حياة الكنيسةلقد شُفي الآباء القديسون، واشتركوا في الله، واكتشفوا علم اللاهوت الحقيقيثم إذ وُجد هراطقة هاجموا علم اللاهوت هذا، أظهره الآباء القديسون في صورة تعريفات حتى يحافظوا عليه، وبالأخص لكي يحافظوا على شفاء الإنسان.

تكون العقائد بالتالي تعبيراً عن الشفاء، وتعليماً عن كيفية الشفاءتماماً مثلما تفترض مسبقاً تعليمات الطبيب وجود صحة جيدة وتساعد المريض على الوصول لهذه الحالة، وتماماً مثلما تشفي العقاقير الموصوفة من قِبَل الطبيب المريض، هكذا تشفي العقائد الناس.

لقد حارب الآباء القديسون بشدة لكي يحافظوا على الحقيقة، إذ عندما تتشوّه الحقيقة يكفّ الشفاء أيضاًيقول القديس أثناسيوس الكبير أنه لو لم يكن المسيح هو الكلمة غير المخلوق، أي الله، لما استطاع تخليصنايقول الآباء أيضاً أنه لو لم تتحد الطبيعتان أقنومياً في المسيح بغير اختلاط ولا امتزاج ولا انفصال ولا تغيير، ولو لم يتخذ المسيح كل الطبيعة البشرية، لبقينا بدون شفاءكما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي، ويكرر القديس يوحنا الدمشقي: “ما لا يُتَخَذ لا يُشفى“. ترتكز كل العقائد على الشفاء، وعلى مراحل الكمال الروحيالتطهير، والاستنارة، والاتحاد باللهيدعم المجمع الذي انعقد في زمن القديس غريغوريوس بالاماس، والذي تكلم عن الهدوئية، كل المجامع المسكونية.

لقد وصف الآباء القديسون الطريق الذي ينبغي علينا إتباعه لكي نصل للقداسة، وأظهروه لنايقودنا هذا الطريق خلال المراحل الثلاثة للكمال الروحيتطهير القلب، واستنارة النوس، واتحاد الإنسان باللهإننا نرى هذه المراحل في الكتاب المقدس، وفي تعليم القديس ديونيسيوسالأريوباغي، والقديس مكسيموس المعترف، والقديس غريغوريوسالنيصي، والقديس غريغوريوس بالاماس، والقديس سمعان اللاهوتي الجديد الحديث، وآباء آخرين؛ كما نراها أيضاً في تقليد الكنيسة الليتورجيلقد طهر الموعوظون قلوبهم من خلال التعليم، خصوصاً عن طريق الوعظثم من خلال المعمودية المقدسة والميرون وجدوا مركز الروح، الذي هو النوسلقد تلقوا الروح القدس واستنار نوسهم، وهذا هو السبب الذي جعل المقتربين من العماد يوصفون بالمستعدين للاستنارة“. يستنير النوس من خلال المعمودية المقدسة والميرون، مما يعني أن القلب يبدأ الصلاة بطريقة نوسيةبعد ذلك، تقدموا للمذبح المقدس واشتركوا في جسد ودم المسيح.

النقطة الخامسة، والناتجة عن النقطة السابقة، هي أنني عندما درست الطوائف المسيحية المتنوعة رأيت أنه من المؤكد وجود اختلافات عقائدية، ولكنها مجرد الرأس المرئي من جبل الجليدلقد اكتشفت أن الفرق الجوهري موجود في الطريقة التي يتحقق بها الشفاءليس لدى البروتستانت أي منهج علاجي بالمرة، لأنهم يظنون أنه عندما يؤمن شخص ما بالله فإنه يولد ثانية ويخلص بطريقة آليةلدى الكاثوليك منهج علاجي، لكنه خارجي جداًفعلى المرء أن يعمل أعمالاً، ويزور الأراضي المقدسة، ويعطي أموال للفقراء والكنيسة، ويمارس التأمل وما إلى ذلكيمارس رهبان الكاثوليك الطاعة، ولكن هذه الطاعة تشبه كثيراً الانضباط، مثل طاعة الجنود لقائدهم في الجيشلا يعرف لا الكاثوليك ولا البروتستانت تقليد الكنيسة النسكي اليقظ.

إلا أنه في الكنيسة الأرثوذكسية، يوجد منهج علاجي كاملتعرف الكنيسة الأرثوذكسية بالضبط ما هي الصحة الجيدة؛ فالصحة تعني الوصول للاتحاد باللهإنها تعرف بالضبط ما هو المرض الذي هو إظلام النوسكما أنها أيضاً واعية جداً لكيفية قيادة الناس من المرض إلى الصحة، التي هي الاتحاد باللهيتعجب اليوم الكثيرون عندما يدرسون التعليم الأرثوذكسي، لأنهم لم يتخيلوا قط أن مثل هذا التعليم موجود في كتابات الآباء القديسينلقد سادت تعاليم فرويد ويونج وآخرين في الغرب، لأن منهج الآباء العلاجي الكامل ذلك لم يكن موجوداً هناكإلا أنه في الشرق، يعرف الرهبان جيداً كيفية الشفاء داخليا، وكيفية شفاء الآخرين.

العامل السادس الذي قاد لهذا الاستنتاج هو اتصالي الحميم مع النساك القديسين في الجبل المقدس (آثوس)، وأيضاً مع آخرين من خارج الجبل المقدس الذين يجاهدون لكي يحيوا بحسب التقليد الأرثوذكسيإنني أفكر على الأخص في الأرشمندريت صوفرونيوسساخاروف الذي عاش في إنجلترا، والذي اختبر وعبّر عن الحياة السكونيةالهدوئية التي هي أعمق جوهر لتقليدنالقد التقيت بالعديد من هؤلاء الناس، ورأيت معنى الأرثوذكسية في عمقهاهذا المنهج العلاجي الذي للآباء القديسين تمت المحافظة عليه في الجبل المقدس.

ينبغي عليّ أيضاً أن أضيف أن تعاليم البروفيسور الأب يزحنا رومانيدس ساعدتني كثيراًلقد كنت عائشاً في هذا النوع من الأجواء، وعندما قرأت العديد من كتابات رومانيدس اكتشفت أنها تتماشى مع حياة الرهبان وأنها تعبر عن التقليد الأرثوذكسيلقد أدركت أن رومانيدس التقط بطريقة ممتازة الرسالة الرئيسية للآباء القديسين، وفهم جيداً الكنيسة الأرثوذكسيةإنني مدين بالعرفان الكبير لهذا المعلّم الذي أُجِّله وأوقره بطريقة خاصة، وأعترف أنه كان له الأثر الكبير على تفكيري.

ينبغي أن أضيف لكل هذه العوامل دراستي لكتابات الآباء القديسين، خصوصاً ما يسمى آباء الكنيسة الصحويين (neptic).لقد ساعدني بالأكثر القديس غريغوريوس بالاماس الذي ابتهجت بتعليمه منذ أن كنت طالباً، والفضل في ذلك للبروفيسور بانايوتي خريستو، كما ابتهجت أيضاً بالقديس نيقوديموس الكاتب الذي جمع كل الحكمة الآبائية في كتبهأستطيع أن أقول بدون تحفظ أني أعتبرها بركة خاصة من الله أنني وُجدت مستحقاً لمعرفة لاهوتي الكنيسة العظيم القديس غريغوريوس بالاماس، والمعلم الأرثوذكسي الأكثر لطفاً القديس نيقوديموس الكاتبلقد رأيت في كتاباتهما أن الحياة الهدوئية تشكل أساس التقليد الأرثوذكسيلو فحصنا الحياة الهدوئية بأكثر دقة لوجدنا أنها منهج علاجي، فهي المنهج الأرثوذكسي للشفاء، والطريق للتقدسللأسف يتكلم كل واحد اليوم عن الآباء ويقرأ كتاباتهم دون أن يكون واعياً للطرق التي يتقدس من خلالها الإنسان ويصل للكلام عن اللههذه الطرق هي الهدوئية، التي لا تنفصل عن منهج الكنيسة العلاجي والذي يُعبَر عنها من خلالهأردت أن ألفت الانتباه لهذا المدخل المستعمل من قِبَل كل القديسين، مما يعني التقدم خلال مراحل الكمال الروحي:التطهير، والاستنارة، والاتحاد بالله.

الميتروبوليتييروثيوسفلاخوس
www.orthodoxlegacy.org

 

 

 

 

 

 

علم اللاهوت الأرثوذكسي يشفي الكيان الإنساني