/ مقالات وعظات / لستُ انا أحيا بل المسيح يحيا فيّ

لستُ انا أحيا بل المسيح يحيا فيّ

لستُ انا أحيا بل المسيح يحيا فيّ

في رسالة اليوم يقول لنا بولس انه قد مات عن شريعة موسى وإنها ماتت بالنسبة اليه. فهو قد تخطّى اليهودية وأدرك المسيح او المسيح أدركه، ولذا يقول الرسول بشيء من الذهول في نهاية النص: «لست انا أحيا بل المسيح يحيا فيّ». طبعا هذا الجسد جسدي، وأتنشق هذا الهواء، والطعام يتحوّل الى دمي، لكن هذه كلها ليست بشيء. أنا لست أحيا بها ولكني أحيا بقوةٍ تفوقها. أنا أحيا على غير صعيد، أحيا الحياة الحق. لست انا أحيا بل المسيح يحيا فيّ. انه قد حلّ فيّ بعد ان أسلمتُ اليه بمعمودية تتجدد كل يوم. إني أوليه ولائي وأفتح له قلبي ويتدفق فيّ حبّه. هو يجدّدني ويضيئني واليه أرتاح واليه تطمئن نفسي. انا حيّ الآن لأني أستمد منه حياتي.

 حياة كهذه تعطي للناس نورا وحبّا. يكفي ان ننظر حولنا الى من يتقدّس ويتطهّر كل يوم في التوبة الى المسيح حتى ندرك ما يعني قول الرسول انه يحيا. الحياة نابضة فيه تُحركه الى ما فوق وتدفعه الى الناس في السلام والخدمة

ويتابع بولس قوله موضحا: «ما لي من الحياة في الجسد انما أحياه بالإيمان بابن الله الذي أَحبّني وأَسلم نفسه لأجلي». شيء واحد يُعْوِز الانسان: أن يعرف انه محبوب. الانسان يستطيع ان يتحرك على وجه الأرض بمال، بصحة، بعلاقات، بنفوذ، بجاه، بكل الأشياء التي تعبُر كالظل. ولكن الانسان لا يحيا بها انما يحيا إذا أدرك انه محبوب دائما ومحبوب بصدق. الله وحده يحبّ على الدوام وبصدق. قد يكون الانسان محبوبا بكثير من الصدق وبكثير من الإخلاص من انسان آخر: الزوج، الزوجة الوالدين… لكن الانسان محدود ويعود الى بعض من أنانيته، او انه يموت فتغيب محبته. اما المحبة الكبيرة المعطاءة التي ننالها أشعة ودفئًا فتتحول فينا الى انتعاش يدوم والى طمأنينة لا يشوبها شائب. هذا أمر لا يأتي من الناس الذين يُعايشوننا لأنهم وإن أحبّوا فإنهم وحدهم ونحن وحدنا. كل انسان وحده في الوجود لأن الانسان مهما بلغ حبه لا يستطيع ان يدخل الى الشخص الآخر. وإن دخل اليه في كثير من العطاء، لا يفهمه حتى النهاية ولا يعطيه شيئا يجعله مرتاحا اليه الارتياح الكلي.

الناس عابرون ولكن هناك كائن لا يموت ويَصدق دائما ويُخلص دائما، يعطينا حياة في نفوسنا تُغيرنا وتبقينا بعد القبر. هذا هو المسيح يسوع الذي اذا آمنتُ به أحيا وأُوجد وأَتحرك وأمتلئ وأنبض وأرتاح وأريح وأُطَمأن وأَطمئن وأَرضى وأُرضي. هذا الكائن وحده الذي نؤمن به حتى النهاية لأن ثقتنا به لا تخيب.

«ما لي من الحياة في الجسد إنما أَحياه في الإيمان بابن الله الذي أَحبني وبذل نفسه عني». هذا يعني مما يعني أني لست وحدي في الوجود ولكنه هنا في وجودي انا، وهو اليوم معي في كل حركة، معي في الصحة والمرض. المسيح معي في الحياة وفي القبر. يُلازمني في كل لحظة وأُناجيه وقد جعلني بحبه مركز الوجود.

الناس عن الحقيقة لاهون، فإنهم يعرفون أشياء وأشياء في العلم، في الثقافة، في التجارة، في الاقتصاد، في الفلك وما بعد الفلك. يعرفون أشياء مفيدة ومسلية، ولكنهم جهّال إذا كانوا لا يعلمون أنهم محبوبون من السيد دائما بصدق وبإخلاص. بعد ان أَدركتني محبةُ المسيح، يقول لنا بولس، لست أسأل عن الدنيا ولا ما فيها. فقد يأتي المال ويذهب، وتأتي العافية وتتلاشى، وتأتي الحياة وتدخل الى قبر، ويموت الناس جميعا. وان بقيت انا وحدي على وجه البسيطة كلها، فأنا لستُ وحدي لأني محبوب بصدق وإخلاص ودوام.

جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

عن “رعيّتي”، العدد 44، الأحد 2 تشـرين الثاني 2014

لستُ انا أحيا بل المسيح يحيا فيّ