/ مقالات وعظات / الإنجيلين المعمدانيون (المحبة والإيمان)

الإنجيلين المعمدانيون (المحبة والإيمان)

 

 الإنجيلين المعمدانيون (المحبة والإيمان)

 

الخلاص عبر الثبات في الإيمان

يعتقد الإنجيليين رغماختلاف شيعهم، وتحديدا المعمدانيين (المتجددين)، بأن الأعمال الصالحة هي ثمرة الأيمان. فلو آمن أحدهم بالمسيح فسوف تكون أعماله صالحة وذلك لأن إيمانه سيعمل به، وهذا يحتم عدم سقوطه في الخطيئة ثانية، وهذا الخلاص يعطى مرة واحدة وكل هذا التعليم باطل. فلقد شدد المسيح في تعليمه عن الخلاص على موضوع الصبر لأن الإنسان معرض للسقوط في مكائد أبلس مهما كانت درجة إيمانه “بصبركم أقتنوا نفوسكم” (لوقا٢١: ١٩) “الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص” (متى١٠: ٢٢ و ٢٤: ١٣ ومرقس ١٣:١٣). يهدف هذا الصبر إلى أن يقودنا إلى الثبات في الإيمان إلى المنتهى. كل تعليم العهد الجديد يشدد على فكرة الثبات “ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه إن ثبتم على الإيمان متأسيين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل الذي سمعتموه”(كولوسي١: ٢٢- ٢٣)”من يظن أنه قائم فلينظر ألا يسقط” (١كورنثوس١٠: ١٢)

ويوضح الرب معنى هذا الثبات حين كان يشفي ويقول للذي آمن وشفي ألا يخطئ ثاني لئلا يصيبه شر (يوحنا٥: ١٤) مايعني أن الإيمان بحاجة إلى جهاد ضد الخطيئة حتى يثبت ولا يموت ثانية لأنه وإن آمن إن أخطأ ثانية يدان ويصيبه شر كما يشدد العهد الجديد على أن التبرير والخلاص لا يتحققان مرة وإلى الأبد إنما هما مستقبليان يقول بولس “ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون” (رومية ٢: ١٣)أي التبرير يحصل في النهاية إذا ثبت أن الذي سمع الناموس وقبله طبق وصاياه حتى النهاية وكلام بولس الرسول عن نفسه يؤكد فكرة الثبات في الجهاد الروحي وقمع الخطيئة “ليس أني قد نلت أو صرت كاملا ولكني أسعى لعلي أدرك الذي لأجله أدركني أيضا المسيح يسوع” (فيلبي ٣: ١٢) وأيضا “وأخيرا قد وضع لي إكليل البر الذي يهبه الله في ذلك اليوم” (٢ثيموثاوس٤: ٧- ٨) وهنا ينسف بولس الرسول كامل عقيدة (استحالة الارتداد أو السقوط ثانية) المعمدانية.

“ولكن الروح يقول صريحا إنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحا مضلة وتعاليم شياطين”(١ثيموثاوس٤: ١)يستخدم المعمدانيين بعض الآيات لتثبيت حججهم مثل “كل من يدعو باسم الرب يخلص” (أعمال ٢: ٢١) ورومية: ١٣) طبعا هنا تلاعبوا بترجمة كلمة يدعو فهي كلمة يونانية تعني الخضوع المستمر لسلطة الرب. ولكيلا ندخل في سجال معهم نعود لما علمنا به الرب حين قال “ليس كل من يقول لي يارب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات” (متى٧: ٢١) هكذا يضل الإنجيليين المعمدانيون أتباعهم حين يعطونهم ضمانة على خلاصهم الأبدي بمجرد قبولهم الرب يسوع مخلصا لنفوسهم.

ارتباط الخلاص بالأعمال وحفظ الوصايا

يميز العهد الجديد بخاصة رسائل بولس الرسول بين ثلاثة أنواع من الأعمال: أعمال الناموس (غلاطية٢: ١٦ رومية ٣: ٢٠)أعمال الجسد (غلاطية٥: ١٩- ٢١ و ٢بطرس٢: ١٠، ١٨) وأعمالالإيمان (يعقوب٢: ١٤- ٢٤). أعمال الناموس والجسد يرفضها طبعا، أما الأخيرة فهي الأعمال التي قبلها واعتبرها أساسية لابد منها في عملية خلاص الإنسان.

مزج الإنجيلين المعمدانيون بين أعمال الناموس وأعمال الإيمان ورفضوها معا، هكذا بدلا من أن يكون الإيمان طريقا إلى الخلاص صار طريقا إلى الضلال وبابا للهلاك الأبدي. تشديد المعمدانيين على أن نعمة الله تغرس في الإنسان الإيمان بيسوع المسيح وأن هذا الإيمان يضع الإنسان في علاقة مباشرة مع المخلص فيعطيه التبرير والخلاص. وهو استنادا إلى بولس الرسول “إذا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس” (رومية ٣: ٢٨) وأيضا غلاطية ٢: ١٦ .تشديد بولس الرسول في هذه الأيات، على الفصل بين الإيمان وأعمال الناموس، ليس إطلاقا رفضا للأعمال.ما رفضه بولس هي أعمال الناموس الحرفية. والهدف هو تحويل عبادة الله من ناموس الوصايا الحرفي إلى الإيمان الحي بيسوع. فلم يتكلم إطلاقا على الأعمال كما أوصى بها الرب والتي لابد منها لأجل خلاص الإنسان.

كتب ذلك مشددا على التبرير بالإيمان بدون أعمال الناموس، ليخرج من ذهن بعض المسيحين المتهودين مفهوم التبرير بأعمال الناموس الخارجية ،كالختان وغيره، ليستبدلها بالناموس الروحي.
لأنهم كانو يعتقدون أن أي إنسان وثني لا يخلص إلا إذا ختن وتمم الناموس. فهو لم يرفض الأعمال بشكل عام فلقد ذكر أيضا أعمال الناموس المتكلمة بالمحبة “لأن من أحب غيره فقد أكمل الناموس. فالمحبة هي تكميل الناموس” (رومية١٣: ٨، ١٠) وفي غلاطية ٥: ٦ يوضح بولس الرسول عن ماهية الإيمان الحقيقي الفاعل ” العامل بمحبة”.

المحبة وارتباطها بالأعمال والتوبة

البروتستانت بعامة حين يتكلمون على الخلاص “بالإيمان وحده”، يتكلمون ضد تعاليم الكتاب الذي يشدد على أن الإيمان تشكله أغمال المحبة وينمو بثمارها.يربط بولس الرسول في كل مكان بشكل جذري الإيمان بأعمال المحبة (غلاطية٥: ٦) (١تسالونيكي١: ٣) (٢تسالونيكي١: ١١) وغيرها.

فالإيمان النظري لا قيمة له “الشياطين يؤمنون” لكن لا يتجددون ولا يخلصون (يعقوب٢: ١٩)، والمسيح بتجسده وبذله ذاته من أجلنا، علمنا أن الإيمان لا شيء بدون المحبة (١كورنثوس١٣: ٢). فحين تنتفي المحبة وفعلها من النفس البشرية تسود حالا الخطيئة والأهواء. أما الإيمان والخطيئة فلا يلتقيان. فالمسيح في كلامه إلى أساقفة الكنائس السبع في الرؤيا يربط المحبة بالتوبة وبالأعمال الكاملة. يقول إلى ملاك أفسس: “عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى فاذكر من أين سقطت وتب واعمل الأعمال الأولى” (رؤيا٢: ٤- ٥) ولملاك ساردس: ” كن ساهرا. لأني لم أجد أعمالك كاملة أمام الله فاذكر كيف أخذت وسمعت واحفظ وتب…” (رؤيا٣: ٢-٣) إذا المحبة ليست نظرية عند الله كما هو موضوع الإيمان عند الإنجيلين المعمدانيين إنما فاعلة تكشفها الأعمال. فالمحبة الحقيقة كما ورد في الأيات التي ذكرناها تصبح كاملة ومقبولة بالتوبة وعمل الأعمال الأولى الكاملة.

أما تشديد يعقوب الرسول، في رسالته الجامعة، على الخلاص بالإيمان والأعمال معا، لم يكن نقضا لفكر بولس عن الإيمان كما ادعى لوثر، إنما الرسول يعقوب وهو حتما مطلع على الرسول بولس ويعرف تشديده على الإيمان مقابل أعمال الناموس كتب ليوضح العلاقة بين الإيمان والأعمال. الأعمال التي يتكلم عليها يعقوب الرسول تعني العمل بوصايا المسيح وهي مرتبطة بالإيمان لا أعمال الناموس، التي رفضها بولس فيعقوب يكشف معنى الإيمان الحقيقي: “أرني كيف يكون إيمانك من غير أعمال وأنا أريك كيف يكون إيماني بأعمالي” (يعقوب ٢: ١٨) الأمر الذي يعني أن الإيمان بدون أعمال لايمكن أبدا أن يكون هو نفسه كالإيمان مع أعمال.

 

حفظ الوصايا

يكرز الإنجيلي يوحنا في الأصحاح الرابع عشر ثلاث مرات عن نفس الموضوع نختار إحداها:
“إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخرا ليمكث معكم إلى الأبد” (١٥- ١٦)حفظ الوصايا هو إتمام الأعمال الصالحة ويشير إلى أن الإيمان الحقيقي يتجلى في هذه المحبة التي لا تكون: “بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق” (١يوحنا٣: ١٨) هكذا الآيات التي تتكلم عن الإيمان وأهميته لا تفهم إلا في علاقتها بالأعمال الصالحة أو حفظ الوصايا ” هنا صبر القديسين هنا الذين يحفظون وصايا الله وإيمان يسوع” (رؤيا١٤: ١٢) وعندما سأل الشاب الغني الرب يسوع: ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟أجابه يسوع “إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا” (متى١٩: ١٦-١٧) .في هذه الآية لم يأت الرب يسوع على ذكر *الإيمان *إنما ركز على حفظ الوصايا. وأيضا بعد قيامته لم يسأل بطرس الذي أنكره ثلاث مرات إذا كان *يؤمن به* بل إن كان يحبه.

وأيضا في إنجيل الدينونة لم يشير المسيح إلى موضوع *الإيمان* حين قال للمخلصين ” تعالوا يامباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم” وللهالكين”اذهبوا عني ياملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته” لم يشير إطلاقا إلى الإيمان إنما أشار إلى أعمالهم: “لأنني جعت فأطعمتموني. عطشت فأسقيتموني. كنت غريبا فآويتموني…” (متى٢٥: ٣٤-٣٦) وأيضا في (متى ٢٥: ٤١-٤٢) هذا المقطع كما في مقاطع كثيرة أخرى في الكتاب يعلمنا أن الدينونة ستكون على أساس الأعمال لهذا موضوع خلاص الإنسان مرتبط بأعماله بالقوة ذاتها التي يرتبط فيها بإيمانه ويشدد بولس أيضا “الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله” (رومية ٢: ٦)  “لأنه لابد من أننا جميعا نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرا كان أو شرا”(٢كورنثوس٥: ١٠) .هكذا الدينونة الأخيرة ستكون على الأعمال حسب ما قال الرب وليس حسب مايعتقد الإنجيلين المعمدانيين آمن مرة وتخلص إلى الأبد، فالإيمان الشخصي بالله يتغذى بلا انقطاع بالأعمال الصالح.

الإيمان مسيرة نمو وامتداد

تشدد الأرثوذكسية على أنه لا يوجد خلاص خارج الإيمان. بمعنى أن الخلاص يستند بشكل رئيس إلى الإيمان بيسوع وبكل عمل الفداء، لكن هذا الخلاص والتجديد والتبرير واقتناء النعمة،لا يمكن أن يتحقق بلحظة، بمجرد اعتراف شفوي بالمسيح أنه رب مخلص، على حسب الطريقة الإنجيلية المعمدانية.

فالإيمان هو بداية الطريق إلى الملكوت لا الملكوت. فقبول الدعوة إلى عرس الملكوت ليس العرس. فمن يكتفي بالدعوة فقط يبقى خارجا. ومن يدخل إليه وبعيشه في الكنيسة وفي حياتها الأسرارية في ليتوررجيتها هناك نلتقي مع المسيح ونتحد به ونصير أصدقاء العريس.

فمن يقرأ العهد الجديد بحس روحي، يجد كيف أن الإيمان الشخصي بالله هو مسيرة نمو يزداد وينقص. وكيف أن هذا النمو ينعكس في حياة المؤمن وعلاقته بالآخرين “بل راجين إذا نما إيمانكم أن نتعظم بينكم” (٢كورنثوس ١٠: ١٥)ويكشف لنا الرب يسوع معنى الإيمان بهذا المثل: “لوكان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل…” (متى١٧: ٢٠)الأمر الذي يشير إلى حقيقتين:أولا حين قال المسيح عن إيمان مثل حبة خردل فهو أشار إلى أصغر نقطة ينبغي أن نبلغها في الإيمان حتى يكون حقا إيمانا تاليا لكي يكون الإيمان حقا ينبغي أن يحوي هذه الثقة والقوة والقدرة على نقلزالجبال أو ماشابه.ثانيا الإيمان ليس أمر جامد أو اعتراف عقلاني مجرد يحصل مرة واحدة وإلى الأبد على حسب طريقة الإنجيلين المعمدانين فحين تكلم المسيح على إيمان مثل حبة خردل فهو عنى أن هناك ماهو أعظم في الإيمان ينبغي السعي المتواصل لبلوغه.هذا هو الإيمان الأرثوذكسي مسيرة نمو في الروح في معرفة الله.

 

من حلقات نشرت على صفحة “المسيح إلهي روم ارثوذكس”
من كتاب” الإيمان الأرثوذكسي والإنجيلين المعمدانين”
للأب المتوحد: غريغوريوس (اسطفان)

 

 

 

 

 

 

الإنجيلين المعمدانيون
(المحبة والإيمان)