/ مقالات وعظات / الأول والأخير، الألف والياء

الأول والأخير، الألف والياء

الأول والأخير، الألف والياء

 

 

من الرموز المطلقة في الكتب المقدسة، وفي الرسومات المقدسة أيضاً أي في الأيقونات، نرسم لربنا يسوع المسيح الحرفين الأول الألف والياء، ويقول عنه سفر الرؤيا أنه الأول والآخر، أي الأخير، وهكذا نضع له في الحروف اليونانية الألفا والأوميغا. وبالتالي ما بينهما يجب أن ينسحب عليها كلها، وعندما نقول أنه هو البداية والنهاية، أي أنه هو أيضاً ما بينهما، وبدون ذلك هناك تشويش وإضطراب، وعدم إنسجام.
هو هو أمس واليوم والى الأبد، يقول لنا الرسول بولس. لا يكون هو اليوم شيء، وغداً شيء، وبعده شيء، وفي نهاية الدنيا يكتمل. بل هو هو أمس واليوم والى الأبد. في الزمن هكذا هو، في العمل هكذا هو، في كلامه معنا، في سره، وفي علانيته، هو هو لا يتغير ولا يتبدل، إله السلام وأبو المراحم، العطوف، الرحوم، المحب، ونحن مدعوون أن نكون على صورته ومثاله. أن نكون على ملء قامته، لا نكون اليوم بحسب العالم، ولا نكون فيما بعده في خليط ما بين العالم، وما يريده. وبعد ذلك نصبح شيئاً آخر إما أفضل وإما أسوء، ولهذا يقول لنا في سفر الرؤيا: لا تكن فاتراً، كن حاراً أو بارداً، غير معوّجٍ أو معرج بين الميلين كي لا اتقيأك يقول الرب الإله. إذا سمعنا للترانيم التي رتلت، وللأفاشين التي تليت، وللأقوال التي قيلت على مسامعنا ومنا ورددناها جميعاً بأفكارنا وعواطفنا وقلوبنا نجد أن الموضوع واحد، وما يتفرع عنه لا يختلف، بل هو كأزهار في بستان واحد، هذا البستان هو محبة الله، ومحبتنا لله، وبعد ذلك ما فيه من نعم، ما فيه من فضائل، من عطايا صالحة، من مواهب كاملة، من أعمال إلهية جرت في التاريخ، وتلقي الناس لها في التاريخ، وكيف اعلونها في الماضي، ويعلوننها في الحاضر، وسيعلوننها في المستقبل هي هي ذاتها عبارة عن هذه العطايا أزهار هذا البستان الذي هو المحبة. لأن المحبة كما يقول لنا الرسول بولس: تتأنى وترفق ولا تحسد. المحبة لا تأتي قباحة، المحبة لا تشتهي إلا ما لها، أي هناك إنسجام تام.
لا خلاف في بداية الصلاة عما في نهايتها، لا في الاقوال ولا في التوجيهات ولا في الترانيم. بكل تأكيد هذا ما نعنيه نحنا أيضاً بالزمن عندما نتكلم عن الزمن، عندما نتكلم عن توالي الايام، هذه عندما نولد من المعمودية بنعم الروح القدس على صورة ربنا يسوع المسيح، نموت بموته، ونقوم على شبه قيامته، أو لا بل نقوم بقيامته أيضاً، لماذا؟ لأن الوحدة الكونية لا يمكنها أن تكون بتعدد الأشياء. ليس بمعنى إختلاف الأقانيم كل منا سيحتفظ بشخصيته، ولكن كما يقول لنا في الكتاب المقدس: “أنتم آلهة” أي علينا ان نتصرف وأن ننسجم تماماً أشخاصنا مع شخص ربنا يسوع المسيح، أن نكون قياميين، أن نكون ممتلئين من نعم الروح القدس الذي سنعيّد لإنسكابه عليه في المعمودية بعد أيام. أن نكون الآلهة الذين إذا كنا نتكلم كآلهة، ومما يتكلم الله، ومما يقول الله، وإذا قمنا بعمل لا نقوم به إلا على هذا المستوى، وعند ذلك ماذا سيحدث. هل هناك زمن اذا لم يكن هناك متحرر، إذا لم تكن هناك حوادث، حيث اللاحوادث هناك الأبدية لأن الإنسان يقف مشدوهاً أمام الله، وينتقل من مجد الى مجد من غير أن يدرك كيف ينتقل كما هو هنا ايضاً لا يدرك متى تأتيه النعمة ومتى يمجده الله ومتى يجاوبه الله ومتى يمسه بنعمته، ولكن هو عليه ان يقول أنه سيصيّر الزمن كما أراد له ربنا يسوع المسيح أن يكون زمناً مليئاً بالقداسة تحدده الاعمال المقدسة والفاضلة يصبغه الناس الذين ليسوع المسيح بأزاهير المحبة ونباتاتها وما يمكن أن يوجد فيما بينها وازاهيرها. اذاً هذا هو واجبنا أن نفكر ان كل شيء مرتبط بيسوع المسيح هو مرتبط بنا نحن أيضاً هو قد حول الزمن وصار الزمن يعرف بميلاده وكان الأفضل أن يعرف بقيامته، أي بالتحول الذي صار بالقيامة. هكذا نحن أيضاً علينا أن نصبغ الزمن كما اصطبغنا نحن بصبغة أخرى هي صبغته بصبغة المعمودية أي أن نعمد الزمن ونجعله غير ما يريده أهل العالم.
متى نقول عن زمن شرير؟ عندما تكون أعمال الناس شريرة. هل الجمعة والسبت والأحد… يختلفون عن بعضهم البعض؟ إذا ما فيه ناس؟ الناس تعمل الأزمنة شريرة، والناس تعمل الأزمنة متلونة ما بين المحبة والكره. الناس تجعل الأيام فاسدة، تجعل الأيام قاسية، وعند ذلك يشعر الإنسان بالزمن. واحد يشعر بأن يومه لا ينتهي، وغيره يشعر بأن أيامه تنتهي بسرعة إذا كان في السعادة الكاملة والتامة. اذاً نحن نقف مع نهاية هذا العام على أبوابه على عتبات العام الجديد مدركين تماماً في أعماق نفوسنا أننا نحن أي البشر هم الذين يجعلون زمن الواحد منهم، وزمن الجماعة أيضاً، يجعلونه إما مقدساً، وإما سعيداً، وإما مليئاً بالفضيلة، وإما مليئاً بما يعاكس ما ذكرت. نجانا الله من عكس ما ذكرت من إيجابيات عبر الزمن.
نعم هكذا نستطيع أن نجعل من أزمنتنا بدايتها كنهايتها، جهاداً صالحاً، أقوالاً طيبة، تعاوناً حميداً مع بعضنا البعض بنعمة ربنا يسوع المسيح الذي هو الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والأخير له المجد الى الأبد آمين.
باسيليوس، مطران عكار وتوابعها
عن “الكلمة”، كنيسة طرطوس، العدد 2، السنة 15، الأحد 10 كانون الثَّاني 2016

 

 

 

الأول والأخير، الألف والياء