/ مقالات وعظات / أتحبّني أكثر من هؤلاء؟ … اِرعَ خرافي

أتحبّني أكثر من هؤلاء؟ … اِرعَ خرافي

أتحبّني أكثر من هؤلاء؟ ... اِرعَ خرافي

 

“لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَسْأَلُ عَنْ غَنَمِي وَأَفْتَقِدُهَا … أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ، وَأُبِيدُ السَّمِينَ وَالْقَوِيَّ، وَأَرْعَاهَا بِعَدْل… ” (حزقيال 34: 11، 15 و16).

* * *

الرّبّ هو الرّاعي بالمُطْلَق. هو الرّاعي الصّالِح. هو الرّاعي الكامِل. وهو الخروف، الحمل المذبوح منذ إنشاء العالم (أنظر رؤيا 5: 6 و12).
من لم يكن خروفًا لا يستطيع أن يصير راعِيًا. هذه بديهيّة، ولكن ليس لكلّ النّاس. فمَن لم يَصِرْ خروفًا مذبوحًا بحبّ الله وخدمته لا يقدر أن يهتمّ بالخراف ويعزّيها ويوردها إلى مرعى الخلاص… الرّعاية صليب، والصّليب يصير موتًا ويأسًا دون حبّ إلهيّ ودون اتّكال على الرّبّ. من كان قلبه لله يصير الله فيه وبه وله راعيًا. لا يكون قلب الإنسان لله ما لم يترك العالم وما في العالم، “لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ” (رو 8: 7). “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ؟ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا للهِ” (يعقوب 4: 4).

* * *

يدعونا الرّبّ بحبّه لنكون له خُدَّامًا في خرافه والخليقة جمعاء. لذلك، سأل الرّبّ بطرس: “أتحبُّني

أكثر من هؤلاء؟” (يوحنّا 21: 15). من لا يحبّ الرّبّ أكثر من غيره لا يستطيع أن يرعى غيره. في سقوطنا يكون الآخَر تهديدًا لنا، أمّا في الحبّ الإلهيّ فالآخَر هو حياتنا، كما يقول القدّيس سلوان الآثوسيّ.

* * *

نقرأ في سفر الرّؤيا في كلام موجّه إلى الخروف المذبوح الجالس على العرش: “مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ…” (رؤيا 5: 9 و10).

لقد اشترانا الله بدم ابنه لنصير ملوكًا وكهنة. الملك هو الّذي يسود بكلمة الحقّ على الباطل ويصنع العدل والرّحمة. إن لم نكن ملوكًا على أنفسنا بكلمة الله الّتي تسود علينا وفينا لا نستطيع أن نكون رعاة. الكاهن هو من تقبّل عطايا الله وأثْمَرها بالنّعمة الإلهيّة الّتي يستمطرها بتواضعه وحبّه وتسليمه ذاته في خدمة الخليقة جمعاء لأجل الله.

كلّنا مدعوّون لنرعى بعضنا البعض، ليصير الله، الراعي الوحيد، فينا (in us) هو الكلّ في الكلّ. هكذا نكون قد دخلنا في سرّ الأبديّة، في سرّ الحياة الّتي ستأتي، في سرّ الحياة الأخرويّة (eschatological).

هذا هو سرّ الكنيسة أنّها جسد المسيح، أنّ المسيح فيها هو الفاعل كلّ شيء في الكلّ، أنّ حياتها هي هذه الرّعاية من الرأس للجسد ومن الجسد للرأس، لأنّ الرأس هو في كلّ عضو من الجسد، كما أنّ كلّ عضو هو فيه لأنّه منه يأتي وبه يحيا ويتحرَّك ويوجَد.

من يحبّ الرّبّ يرعى خرافه في سرّ رعاية الله، ذاته، للإنسان بالإنسان في عطيّة الوحدة، ومسعاها الّذي هو الحياة بالرّوح القدس في طاعة الكلمة الإله بذلًا للذّات حبًّا بالله الآب. هذه هي الحياة المسيحيّة الحقّ إنّها الرعاية لبعضنا البعض على صورة رعاية الله لنا…

الأرشمندريت يونان (الصّوري)، رئيس دير رقاد السّيّدة – بكفتين، ومتروبوليت زحلة المنتخب
عن “الكرمة”، العدد 43، الأحد 25 ت1 2015

 

 

 

أتحبّني أكثر من هؤلاء؟ … اِرعَ خرافي