/ قديسين وشيوخ- كلمات وشهادات / العمل الداخلي الفيلوكاليا

العمل الداخلي الفيلوكاليا

العمل الداخلي الفيلوكاليا

 

 

“ملكوت الله في داخلكم” (لوقا 17: 21)

يتكلّم بولس الرسول على “الإنسان الداخليّ” والاهتمام به (راجع مثلاً 2 كورنثوس 4: 16).
“إن كان إنساننا الخارجيّ يفنى فالداخليّ يتجدّد يوماً فيوماً”. لقد حدّد القدّيس نيقوديموس الآثوسي الفيلوكاليا بأنه كتابٌ مُرشِدٌ للعمل الداخليّ. الكلمة “فيلوكاليا” (philocalie) تُشير إلى محبّة كلّ ما هو جميل وصالح.

الإنسان الداخليّ، أو الملكوت الداخليّ، يرتكز على فضيلتين: اليَقَظَة (الإنتباه) والسَّكِينَة (الهدوء أو السَّلام الداخليّ).
العمل الداخليّ للإنسان يشتمِلُ على مرحلتين: المرحلة الأولى هي ممارسة الفضائل (الحياة العامِلَة) والمرحلة الثانية هي الرؤيا (معايَنَة الله). الحياة العمليَّة تفترِضُ جهاداً ضدَّ الأفكار والأهواء من أجل اكتساب الفضائل.
لقد نلنا نعمة الرُّوح القدس بالمعموديَّة، “لكنَّ نفوسنا أظلمت بسبب الاهتمامات الدنيويّة والأهواء. الطريق لاستعادة النعمة تتمّ عبر الصلاة لرّبنا يسوع المسيح من أعماق القلب، إذ يكون الفكر موجّهًا نحو الإنسان الداخليّ “مُقْصِيًا” كلّ تشتُّتٍ ناتٍجٍ عن أيَّة صورة أو خيال. هذا النَّشاط الروحيّ الصلاتيّ يرافقه تطبيقُ الوصايا وعيشُ الفضائل.
الطريقةُ العمليَّةُ تُلخَّصُ إذاً بالنقاط التالية:
أوّلاً: الصَّلاة من أعماق القلب. ثانياً: رفض كلّ الصور والأفكار.
ثالثاً: إستدعاء اسم يسوع المقدَّس.
المهمّ في كلّ ذلك هو تأسيس علاقة شخصيّة مع المسيح ذهنيًّا وعمليًّا.
هناك في هذه الرؤيا الصوفيّة صورةٌ عميقة لمحبّة الله وللإنسان الشخص المخلوق على صورة الله. نصعد بجهادنا إلى الجبل ونشاهد من هناك معنى الحياة بكاملها.
لا شكّ في أنَّ هذا النَّمَطَ الصوفيَّ المبنيَّ على الاهتمام بالإنسان الداخليّ، بالصَّلاة وتنقية الأفكار من أجل الاتِّحاد بالله، يشكِّل صعوبةً، وربّما عدم فهمٍ لإنسانِ القرنِ الحادي والعشرين. لكنَّه، في الوقت نفسه، دعوةٌ مُلِحَّة للإنسان المعاصِر أن يُعيدَ النَّظرَ في توجُّه حياته ليكتشف أنَّ هذا العالم الخارجيّ لا يكفي.
أيّها الأحبّاء، ما قيل في هذا الموجز المقاليّ هدفُه أن يصوِّبَ الإنسانُ المؤمنُ نظرَهُ إلى داخل نفسه عن طريق التأمُّل بأحكامِ الله، ليعي ضعفاته ومواهبَه أيضًا، ليعترف بأخطائه وينميّ مواهبَه، فترتسم أمام عينيه رؤيةُ الله ووصاياه، فيشعر بكرم خالقه ومحبّته العميقة، ممّا ينعكس إيجابيًّا وجذريًّا على حياته العمليَّة وعلاقاته مع الآخَرين. تصبح حياته رجاءً وتمجيداً دائماً لله على الرغم من ضعفاته ومن مخاطر الصعوبات الحاليَّة.

أفرام، مطران طرابلس والكورة وتوابعهما

عن “الكرمة”، العدد 26، الأحد 24 حزيران 2012

 

العمل الداخلي الفيلوكاليا