/ حياة روحية / الصّمت والكلام!.

الصّمت والكلام!.

الصّمت والكلام!.

 

لا لغة، كما نعرف نحن اللّغة، يتعاطاها الثّالوث القدّوس، ولا كلام، وكذا الملائكة وفي ملكوت السّموات. لغة الله الصّمت وكلامه التّحاب. هذا غير صمت النّاس وغير كلام البشر. الصّمت، بيننا، هو الإمساك عن الكلام. والكلام هو النّطق بما في النّفس. ذاك صمت خارجيّ، وهذا كلام يصوِّر ما في داخل النّفس. الصّمت الخارجيّ مغروض، ذو دافع موجب أو سالب، فيما الصّمت الدّاخليّ ممتلئ كلامًا. أمّا الكلام فيتراوح بين الثّرثرة والتّواصل. ثرثرة حين يتكلّم أحدٌ، بالأحرى، ليسمع نفسه، أو حين يكون التّواصل تفهًا!.
إذا لم يكن القلب إلى القلب، فالمكالمة تواصلٌ تجاريّ نفعيّ، كلّ يبتغي فيه تسوّقًا أو تسويقًا، كائنة ما كانت السّلعة المبتغاة. والسّلعة قد تكون أيّ شيء ذي قيمة في عين طالبه. في التّعامل التّجاريّ، تحتاج إلى لغة. لغتك، في هذا السّياق، تأتي من القلب، نيّةً ومصدرًا، ولكن لا علاقة لها بالقلب المحبّ. مصحوبة ببعض المشاعر قد تكون، وقد تقتصر على حركات مصطنعة، يضمِّنها صاحبها ابتسامات أو كلمات ألطاف أو ما يعادلها. لكن جلّها، إذا ما أحسن صاحبها القول، تركيبات عقليّة استغلاليّة. طبعًا، ثمّة ميل محبَّذ يقضي، في التّعامل التّجاريّ الرّاقي، بالاستعاضة عن اللّطف باللّياقة، وعن الودّ بالتّهذيب، وعن الأصالة باللّباقة. أنّى يكن الأمر، فإظهار المشاعر، في العمل التّجاريّ المحترف، ضعفًا وتشويشًا يُحْسَب، من حيث إنّ حوار العقل وحده هو المفترض أن يكون بيّنًا، والقصدُ مخفيًّا، والنّباهة هي الضّابط، إن ابتغى المرء معاملة بيع أو شراء ناجعة ناجحة!.
من هنا طغيان التّواصل التّفه أو التّجاريّ على مكالمات النّاس. ثمّة آليّة جرى تطويرها، محورها البيّنُ العقل، أو سرت عفوًا، مادّتها الابتذال، زكّت ازدواجيّة في النّفوس، أو قل انفصامًا؛ كأنّك بالإنسان اثنان، واحد آلة عضويّة تجاريّة نفعيّة، وآخر يمتّ إلى القلب!. قد يكون إنسان القلب مستنيرًا بنور من فوق، يفيض، في العلاقات، إشعاعاتِ وداد وقيم وشيم وفضائل؛ وقد يكون مُعتمًا بظلمة مَبعثها الإنِّيّة والغرور وألوان الهوى. للأوّل، المستنير، الإزدواجيّةُ تجربةٌ قاسية، وربّما قاسية جدًّا، تضغطه لشيوعها، من ناحية، ولارتباطها الحيويّ، من ناحية أخرى، بحاجاته وطموحاته. الاستقامة، بالأكثر، عقبة أمام النّجاح في عالم طغاه الالتواء؛ في كلّ حال شواذ هي، إذا ما أتاحت للإنسان طبيعةُ عمله فرصةً مؤاتية لأن يثبت قويمًا!. والغالب أنّ التّمسّك بالنّجاحات الدّهريّة يفضي إلى مساومات في النّفس بين الاستقامة وغضّ الطّرف عنها!. هذا يطيح الاستقامة لأنّها، بطبيعتها، لا تقبل الخلطة. عمليًّا، إمّا يودي بك التّمسّك بالاستقامة إلى نبذ النّجاحات الدّهريّة البارزة، والاكتفاء بالقليل، لتأمين عيشك، وإمّا تستحيل استقامتك، بالأكثر، ظواهريّة!. هنا تجدك ضحيّة ازدواجيّة قاتلة، بعامّة!. أمّا المعتمة نفوسهم، فازداوجيّتهم مختلفة، يقيمون، في سرّهم، في الانحلال، ويتظاهرون بالصّدق والكياسة!.
وإذا ما كان الكلام لينقل ما في قصدك إلى خارج، فالصّمت، صمتك الخارجيّ، يتضمّنُ أنّ في داخلك كلامًا كثيرًا، لكنّك لا تشاء أن تفضي به، لسبب أو لآخر، ربّما عن خوف، أو ابتغاء مصلحة تقضي بعدم الكلام!. لا فقط تثرثر بلسانك بل بفكرك أيضًا!. ثرثرة الفكر، إلى الأوهام والخيالات، هي الأكثر شيوعًا بين النّاس!. ولكن مهما ثرثر المرء بلسانه، فثرثرة أفكاره أضعاف أضعاف، حتّى أمكن القول: الإنسان جبّ أفكار سمجة ولغو لا قرار له!.
إلهيًّا، الصّمت حالة وليس فعلاً. بالقياس عينه، ينطبق القول على الملائكة والقدّيسين. الكيان الصّامت كيان هادئ ساكن. القدّيس مَن هدأ إلى ربّه، وسكن إليه. مَن صار ربُّه القِبلةَ بالكامل لديه. من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ فكرك، ومن كلّ قدرتك. الكيان، إذ ذاك، ينعطف على الله بالكلّيّة. لا شيء آخر، بعدُ، لا فكر ولا هوى، يَشغله عنه. يمّحي تمامًا، في القصد والنّيّة، بإزائه. يمسي كتلة إراديّة واحدة متماسكة تلتمس مشيئة الله. “وجهك يا ربّ أنا ألتمس”. يستحيل، في الرّغبة الكيانيّة العميقة، نارًا تُحرق هشيم الرّغائب الأهوائيّة في النّفس، متعاليةً على ما لذاتها، ممتدّةً إلى فوق، ملبّيةً نداء العليّ: “مَن يسمع فليقل: “تعالَ!.”، ومَن يعطش فليأت، ومَن يُرد فليأخذ ماءَ حياةٍ مجّانًا (رؤيا 22)!. والرّبّ الإله يجيب. يسكب في القلبِ ذاته، محبّةً، حتّى بالمحبّة الّتي يُسبغها على محبوبه، يحبّه محبوبُه!. إذ ذاك، نار أحبّة الله تخترق العتمة النّورانيّة الّتي تغلِّف الله، ليستقرّ كلّ ناهد إلى حبّه فيه، متّحدًا به بالنّعمة!.
الكيان الهادئ السّاكن يستقرّ في الرّاحة. والرّاحة، في الله ومسيحه، ليست راحةً من تعب، وإن أتى الإنسان من تعب. الرّاحة، إلهيًّا، إقامة في روح القدس؛ وبشريًّا، إقامته فينا!. هذا لأنّ الله محبّة. روح الله روح مَحبّة. يصير الاثنان جسدًا واحدًا: في مستوى البشرة جسدًا واحدًا بالمحبّة، وفي المستوى الإلهيّ روحًا واحدًا!. أنا فيك وأنت فيّ، وكِلانا واحد في الحبّ، في الرّوح، ولكن في كيانَين متمايزين. الله كيان في كيان في كيان، ثالوثًا، ومحبّةٌ واحدة نابعة من جوهر واحد!. الكيان، في الله، غير المحبّة. نميِّز الكيان عن المحبّة. وفي آن، الكيان محبّة. الله الآب محبّة، والله الابن محبّة، والله الرّوح القدس محبّة. والمحبّة هي إيّاه الله، واحدة. محبّة متكوننة!. هي هو!. المحبّة تفترض الكيان، لأنّها لا تحبّ ذاتها، وإلاّ لا تكون محبّة!. في المحبّة، الكيان هو نحو الكيان!. تلقى المحبّة لا في مَن يحبّ بل في حبيب مَن يحبّ!. المحبّة تأخذ الكيان إلى الكيان!. يمّحي الكيان، إراديًّا، في ذاته، في المحبّة، ليتجلّى في كيان سواه!. كلّ يحدِّث، في ذاته، عن الآخر!. يشهد له!. يحكيه!. يكشفه!. من هنا القول إنّ الكيان يهدأ إلى الكيان، يسكن إليه، يصمت بإزائه، أي يفيض حبًّا لديه، يقول كيانَه فيه!.
الصّمت ملء الكلام!. كلّ الكلمة في الصّمت!. الله الابن هو الكلمة!. فيه صمت الآب، أي ملء محبّته!. هذا هو ابني الحبيب الّذي به سُررت!. أنت لا تصمت، أنت تدخل الصّمت، أي محبّة الله!. تجدك إليه وفيه وتجده إليك وفيك!. هو الصّمت الإلهيّ، هذا، ما يجعلك خِلقةً جديدة، بروح الله، كيانًا جديدًا، من طبيعة محبّيّة: أنا إليك أو لا أكون!.
في واقع الصّمت الإلهيّ، هذا، لا تعود بحاجة إلى كلام. الصّمت يمسي اللّغةَ والمحبّة الكلام، وروحُ القدس، روحُ المحبّة، ينفذ بك إلى الوجود كلّه!. الكلّ يكون مكشوفًا، مفتوحًا، بديهيًّا!. في الصّمت يشفّ الوجود شفوفًا كاملاً، حتّى إلى قعر أعماقه!. تقرأه بلا كلام، وتخاطبه بلا لسان!. لا حواجز فيه، بعد، لا في الزّمان ولا في المكان، ولا في الكيان!. هذا ما أعلنه الله لنا بروحه، فبتنا نتكلّم بحكمة الله في سرّ، لأنّ الرّوح يفحص كلّ شيء حتّى أعماق الله (1 كورنثوس 2)!. من الصّمت الإلهيّ، ومن دخولنا هذا الصّمت، نستمدد كلّ كلمة تقال في هذا الدّهر، حتّى لا يكون القول لغوًا!. هي المحبّة وحدها تُقال كلمةً، أو تبقى البشريّة غيّة اللّسان!.
مبتغانا الله، مبتغانا المحبّة، مبتغانا الكلمة، مبتغانا الصّمت السّمائيّ حتّى ينتصب السّلّم الكيانيّ، وجوديًّا، بين السّماء والأرض، فنصير، منذ الآن، إلهيِّين، بعدما حلّ الإله، بيننا، بشريًّا!.
تبارك الإله، ثالوثًا، من الآن وإلى الدّهر!.

الأرشمندريت توما (بيطار)، رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي ، دوما – لبنان
عن “نقاط على الحروف”، 1 آذار 2015

 

 

الصّمت والكلام!.