/ حياة روحية / الجلجلة الجمعة العظيمة

الجلجلة الجمعة العظيمة

 الجلجلة الجمعة العظيمة

 

لقد تبعنا يسوع في يوم الخميس العظيم إلى العلّية. أمّا اليوم، يوم الجمعة العظيم ، فسنتبعه إلى الجلجلة. لن نتبعه مثل بطرس الذي (تبعه من بعيد… لينظر النهاية) (متى58:26)، بل مثل أمه ويوحنا والنسوة القديسات الذين لم يتخلوا عنه.

يبدأ يوم الجمعة العظيم الليتورجي مساء الخميس بخدمة أناجيل الآلام. نقرأ بعد مزامير السَحَر مجموعة من النصوص الإنجيلية موزعة على اثنتي عشر تلاوة  تشمل تقريباً كل أحداث الآلام. تبدأ التلاوة بخطاب يسوع بعد العشاء السرّي وبالصلاة الكهنوتية ، ثم تقرأ قصة اعتقال يسوع في جبل الزيتون (وهنا تجدر الملاحظة أنه لا يؤتى على ذكر صلاة يسوع في جبل الزيتون ). ثم نقرأ عن محاكمة يسوع من قبل رئيس الكهنة والوالي الروماني (لكن مثول يسوع أمام هيرودوس لم يذكر)، يلي ذلك قصة جلد يسوع ووضع إكليل الشوك على هامته، ثم حمله الصليب والصلب والموت وأخيراً دفن السيّد. نرتل بعد كل إنجيل: (المجد لطول أناتك يا رب، المجد لك). ومن بين التراتيل التي ننشدها خلال هذه الخدمة سنأتي هنا على ذكر الأنتيفونا الخامسة عشرة التي نعتبرها من أجملها وترتل بين الإنجيل الخامس والسادس: (اليوم علّق على خشبة، الذي علّق الأرض على المياه. إكليل من شوك وُضع على هامة ملك الملائكة. برفيراً كاذباً تسربل الذي وشح السماء بالغيوم…).

وفيما تُرتل هذه الأنتيفونا، يثبت الصليب بعد طواف احتفالي مهيب في وسط الكنيسة ومن ثم يتقدم الشعب ويسجد له ويقبِّله . وتنتهي الخدمة، بعد تلاوة الأناجيل الاثني عشر بطلبة كبرى، وبركة تبدأ بالعبارات التالية: (يا من احتمل البصاق والسياط والتقريعات والموت لأجل خلاص العالم، أيها المسيح، إلهنا الحقيقي…).

تذكِّر خدمة ساعات يوم الجمعة العظيم بالخدمة المماثلة المتعلقة بعيدَي الميلاد والظهور الإلهي. تشمل كل من الساعات ثلاثة مزامير (ما عدا الساعة الثالثة حيث يوجد فقط مزموران)، قراءة واحدة من العهد القديم، ثم الرسالة والإنجيل. المزمور 21 هو أحد المزامير التي تقرأ في الساعة الأولى، وهو المزمور الذي ذكر يسوع على الصليب أول آية فيه  أمّا القراءة من زخريا (10:11- 13) فتأتي على ذكر ثلاثين قطعة من الفضة ألقيت في الهيكل . وقد اختيرت الرسالة إلى أهل غلاطية (14:6- 18) بسبب آيتها الأولى القائلة: (أمّا أنا فحاشى أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا صُلبت للعالم). ويتكلم الإنجيل (متى1:27- 56) عن أحداث الآلام ابتداء من المحاكمة أمام بيلاطس إلى الهزة الأرضية التي تبعت موت يسوع. ويربط المقطع المتكلم عن ندامة يهوذا و (حقل الدم) هذه التلاوة الإنجيلية بالقراءة النبوية التي سبق ذكرها .

أمّا في الساعة الثالثة فتأتي القراءة من أشعياء النبي (4:50- 11) على ذكر الآلام، خاصة في الآية التالية: (بذلت ظهري للسياط، وخديّ للطمات، ولم أستر وجهي عن التعييرات والبصاق. الرب ينصرني، لذلك لا أخجل…). وتتكلم الرسالة (رو 6:5- 10) عن الفداء قائلة: (… إن المسيح… مات عنّا… ونحن الأعداء فقد صولحنا مع الله بموت ابنه…). ويذكر الإنجيل (مر16:15- 41) كل أحداث الآلام التي جرت من وضع إكليل الشوك على رأس السيّد حتى موت يسوع واهتداء قائد المئة.

نقرأ في الساعة السادسة نبوءة أشعياء الشهيرة (13:52- 1:54) التي دُعيت (الإنجيل الخامس) والتي تصف مصير (الخادم المتألم) : (… مزدرى ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومتمرس بالعاهات… إنه قد أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا… جرح لأجل معاصينا وتألم لأجل آثامنا… فأبقى الرب عليه خطايانا كلها… وبجراحه شُفينا… كشاة سيق إلى الذبح، وكحمل صامت أمام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه  … ولأجل معصية شعبي سيق إلى الموت… وهو حمل آثام كثيرين وشفع في العصاة…). الرسالة (عبر11:2- 18) هي نفسها التي نقرأها في خدمة الساعة التاسعة، عشية الميلاد، وتعاد قراءتها هنا لأجل الآيتين الأخيرتين اللتين تتكلمان عن يسوع الذي (أصبح شبيهاً بإخوته في كل شيء ليكون رئيس كهنة رحيماً أميناً في ما لله حتى يكفر عن خطايا الشعب. لأنه إذا كان قد تألم مجرَّباً فهو قادر على أن يغيث المبتلين). أمّا الإنجيل (لو32:23- 49) فيسرد الأحداث التي حصلت منذ الصلب وحتى موت يسوع.

يبتدأ المزمور الأول (68) الذي يقرأ في الساعة التاسعة بهذه الكلمات التي تناسب الآلام: (خلصني يا لله فإن المياه قد دخلت إلى نفسي…). أمّا القراءة من نبوءة ارميا (18:11- 5:12، 9- 10، 14- 15) فتسترعي آيتها الثانية الانتباه إذ تقول: (وكنت أنا كخروف برئ من الشر يساق إلى الذبح…). تدعونا الرسالة (عبر19:10- 31) لنكتسب (الثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، بطريق جديد قد كرّسه لنا نجوز به في الحجاب هو جسده…). أمّا الإنجيل (يو23:19- 27) فيتابع سرد أحداث الآلام من اقتسام لباس يسوع إلى طعن جنبه بحرية.

يوم الجمعة العظيم هو اليوم الوحيد في السنة بحيث لا تقام فيه أية خدمة إفخارستية.

تقام صلاة غروب يوم الجمعة العظيم بعد ظهر الجمعة وتدعى خدمة الدفن. نقرأ أثناءها، بعد تلاوة مزامير المساء وترتيل عدد من الأناشيد، ثلاث قراءات من العهد القديم. نبدأ بمقطع من سفر الخروج (11:33- 23) نسمع الله يقول فيه لموسى: (فإذا جاز مجدي أجعلك في نقرة الصخر وأظللك بيدي حتى أجتاز…). تعتبر الكنيسة أن هذه الكلمات تنطبق على قبر المسيح. مع القراءة الثانية ينتهي اليوم سفر أيوب بالكلام عن ذريته وموته وقيامته: (إنه سيقوم مع الذين يقيمهم ربنا) . لا بد من التذكير هنا أن أيوب بآلامه والتعزية التي تبعتها هو صورة عن المسيح. ونقرأ أخيراً المقطع الذي قرأناه في الساعة السادسة من سفر أشعياء والذي يتكلم عن (آلام المسيح). بعد قراءات العهد القديم نسمع مقطعاً من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس (18:1- 2:2): (أمّا نحن فنكرز بالمسيح مصلوباً، شكاً لليهود وجهالة للأمم… حكمت بألاّ أعرف بينكم شيئاً إلاّ يسوع المسيح وإياه مصلوباً). ثم يتلى الإنجيل الذي هو مجموعة من النصوص (متى1:27- 38، لو39:23- 43، متى39:27- 54، يو31:19- 37، متى55:27- 61)، تسرد أحداث الآلام من تسليم يسوع لبيلاطس إلى دفنه. يصار بعد هذه القراءات كلها إلى تتميم طقس (الدفن). فيجرى طواف في الكنيسة يرفع فيه الأبيطافيون (الثوب الإلهي وهو بمثابة قطعة من القماش رُسمت عليها صورة المسيح في حالة الموت) ويوضع أخيراً في (النعش) المعدّ لهذه الغاية والموضوع في وسط الكنيسة والمزيّن بالأزهار. ويوضع على الأبيطافيون كتاب الأناجيل. فيتقدم المؤمنون ويقبّلونهما، بينما تنتهي الخدمة بترتيل طروباريتين، تقول إحداهما: (إن يوسف المتقي أحدر جسدك الطاهر من العود، ولفّه بالسباني النقية وحنّطه بالطيب وجهّزه وأضجعه في قبر جديد).

إن خدمة (دفن السيّد) تقتحم خدمة سبت النور، إذ تقول إحدى التراتيل: (أهلَّت هذا السبت لمجدك وإشراقاتك وللبركة الإلهية)، مع أن صلاة الغروب التي سبقتها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالآلام وبيوم الجمعة العظيم، لأننا نرتل أثناءها: (اليوم سيّد الخليقة يمثل أمام بيلاطس وبارئ الكل يُدفع إلى الصلب…). وبذلك تكون خدمة (الدفن) هذه بمثابة خدمة (انتقالية) بين الجمعة والسبت. وهي تنتهي (إذا أقيمت بعد ظهر الجمعة) تقريباً في الساعة التي أنزل فيها جسد يسوع من الصليب ووُضع في القبر .

بعد كل هذه الخدم الطويلة والغنية، يجدر بنا أن نرجع إلى ذواتنا بصمت ونقف عند صليب يسوع ساعتين لفهم المعنى العام لهذا اليوم العظيم. يعطينا كل قسم من أحداث الآلام، بدون شك، مادة لتأملات كثيرة الفائدة. لكن يجب أن نجمع كل هذه الأقسام المختلفة حول بعض المحاور الرئيسية لكي تزداد عبادتنا وعياً ودقة.

يواجهنا يوم الجمعة العظيم بيسوع المسيح المصلوب من أجل خلاصنا. فيمكننا، في ملاقاتنا هذه مع صليب المسيح، أن نميّز العديد من الملاحظات والعناصر الأساسية.

يوجد أولاً سر الفداء الموضوعي. الصليب أداة الخلاص، أداة ذبيحة المسيح. ولكن بأي معنى نحن مخلَّصون بالصليب ؟ وبأي معنى نتكلم عن ذبيحة المسيح ؟ نقول أن المسيح مات من أجلنا. ولكن هل لدينا فكرة واضحة عن معنى هذه الكلمات: (مات من أجلنا ؟) نردد هذه العبارة، لكن هل نعطيها مضموناً حيّاً ؟ أتوازي واقعاً نشعر به بالعمق ؟ أراد السيد المسيح بالصليب أن تري ترى البشرية مدى حبه لها، حيث لو أن هدفه الوحيد من الصلب هو خلاصنا، لخلصنا دون التعرض للصلب.(هذه الفقرة تم تعديلها بواسطة موقع روم أورثوذكس)

ندرك سر الفداء بالندامة أو التوبة . يسوع المصلوب هو مظهر السر الموضوعي. أمّا بطرس الذي يبكي بكاء مرّاً بعد نكرانه للسيّد وبعد وقوع نظر يسوع عليه، واللص الشكور الذي يترجى يسوع المصلوب، فهما يشكلان مظهر السرّ الشخصي. لن نحمل ثمار يوم الجمعة العظيم إن لم ترمنا حركة توبة عنيفة على أقدام يسوع. هل يكون هذا اليوم، بالنسبة لي، يوم حزن مقدس ؟

يُعلن الغفران من على الصليب، إذ يقول يسوع للص: (ستكون اليوم معي في الفردوس (. لا يكفي أن أسعى، في هذا اليوم، لأن أدرك سر الصليب وخلاصي بواسطة الإيمان والتوبة، بل عليّ أن أجتهد للحصول على كلمة غفران من شفاه المخلّص. ربما سأسمع كلمة خاصة بالكليّة يقولها يسوع في أعماق نفسي. لكن، إن عرفت أن أتقبَّل كل كلمة غفران صادرة عن الكنيسة أو الكتاب المقدس ككلمة من المخلّص نفسه، سيكون لها ذات القيمة التي لكلمة يسوع الخاصة . هل سعيت، في هذا اليوم، وراء كلمة الغفران ؟

يجب أخيراً أن أضع صليب يسوع في وسط حياتي. صليب يسوع: ليس فقط أداة آلام، بل أداة غَلَبَة. يكمن (الاهتداء الثاني)، الذي سبق وتكلمنا عنه، في جعل ذبيحة يسوع محوراً للحياة – الفكر والإدارة والشعور- ، في النظر إلى البشر والأشياء من منظار الصليب، في الاعتبار أنه لا يوجد في العالم شيء يفوق أهمية ذبيحة المسيح، المقدَّم والحاضر إلى الأبد. في هذا تكمن الرؤية الجديدة الرائعة التي تجعلنا نقلل جذرياً من أهمية كل الأمور التي كانت تبهرنا سابقاً. تضطرنا هذه الرؤية إلى تغيير جذري لكل حياتنا، يصبح يسوع المصلوب، بموجبه، (المصفاة) التي نرشّح من خلالها كل شيء. اليوم الذي يفهم فيه الإنسان (محورية) الصليب – الصليب المشعّ والصليب المدمي – هو يوم حافل في حياته. فليكن لي يوم الجمعة العظيم هذا يوم ميلاد جديد ! سلام عليك أيها الصليب.

 

الاب ليف جيللة
https://www.orthodoxonline.org/

 

 

 

 

 

الجلجلة
الجمعة العظيمة